دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الثلاثاء 4/3/1440 هـ الموافق 13/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حماس في دائرة الاستهداف الإعلامي..!!/د. أحمد يوسف
 حماس في دائرة الاستهداف الإعلامي..!!/د. أحمد يوسف

 تساؤلات كثيرة يطرحها الإسلاميون في فلسطين وأنصارهم على الساحتين العربية والإسلامية إثر حملات التشهير والتشويه والتحريض التي تقوم بها بعض القنوات الفضائية المصرية ضد الفلسطينيين وضد حركة حماس، وهي محاولات هدفها شيطنة المشهد الفلسطيني من خلال تلويث عباءة المقاومة، ورفع الحصانة عن طهارة سلاحها ونظافة رجالها.. ونحن من جهتنا - كإسلاميين - نوجه بعض الأسئلة المشروعة، والتي تحتاج من جهات مصرية رسمية الرد عليها، بهدف تصحيح المسار وتوضيح الموقف، حيث إن السكوت يستدعي – رغماً عنّا - توسيع دائرة الشك والاتهام، وهذه الأسئلة هي كالتالي:

لماذا يتم ربط وتوريط حركة حماس في الجدل السياسي على الساحة المصرية، ولماذا يتعمد الإعلاميون وبعض السياسيين ورجال الأمن السابقين الزج باسم حماس وكتائب القسام في سياق ما يجري داخل سيناء من عمليات عسكرية تمس أمن  مصر وكرامة جيشها؟!

وما الهدف من تحميل حركة حماس وكتائب القسام دماء المصريين الأبرياء في العريش والشيخ زويد وعلي الشريط الحدودي مع قطاع غزة.؟!!

هل للفلسطينيين أو حركة حماس أية سوابق استهداف لأمن مصر وكرامة مصر، أم أن الفلسطينيين عموماً وحركة حماس على وجه الخصوص كانوا دائماً سند عزٍّ لمصر وأهلها.؟

وهل بلغ مسامع أحد أن ألسنة الفلسطينيين وحركة حماس تلهجا بغير الدعاء إلى الله أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يجعلها – دائماً - مثابة للناس وأمنا؟

ألا يدرك القاصي والداني وكل متربص بنا وبشعبنا أن معظم النخب الفلسطينية قد تلقت تعليمها في الجامعات المصرية، ولمصر وأهلها معزّة خاصة؛ باعتبارها - في ثقافتنا الفلسطينية - بمثابة "الحبيب الأول"، فهل يُعقل لمن يمتلك كل هذا الحب لمصر والعشق لأهلها أن يمكر الشر والضغينة لها.؟!!

لقد أصابتنا الدهشة، وشعرنا بالصدمة، ونحن نتابع حملة التحريض التي تقوم بها وجوه إعلامية كنَّا نتوقع منها ألا تنزل لهذا المستوى الهابط من الإسفاف والانحطاط وتسطيح الأمور، لدرجة لم يكن – بالمطلق - للعقل السويّ أن يصدقها أو حتى أن يتقبلها البسطاء من أهل مصر الطيبين.. ولكن - للأسف - عندما يتم تكرار مثل هذه الأكاذيب وروايات الأفك على قنوات فضائية معتبرة من ناحية المهنية والإمكانيات الإعلامية، فإن مثل تلك الروايات تجد طريقها للتصديق داخل الشارع المصري.

إن الإعلام المصري - غير الرسمي - يقف خلفه "كارتيل" متنفذ من رجال المال والأعمال، المتورطين بقضايا الفساد منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وهؤلاء وأولئك لا يريدون لمصر أن تستقر وتستقيم شؤونها، لأنهم اعتادوا أن يرتعوا في أجواء الفساد السياسي؛ فنهبوا ثروات البلاد، وجاءوا بمثل هؤلاء الإعلاميين (المأجورين) ليربكوا حسابات الساحة المصرية السياسية، ويقوموا بتسويق مثل هذه الأراجيف والأقاويل عن حركة حماس، بهدف التشويه والتشهير وتصفية الحساب مع التيارات الإسلامية في مصر وخاصة حركة الإخوان المسلمين، حتى أن العديد من النخبة الأكاديمية انجرفت هي الأخرى تحت تأثير المال السياسي وسحره ولحقت بهؤلاء الإعلامين تتاجر بمواقفها وتتجنى على الحق والحقيقة، وصار حالها ينطبق عليه هذا التوصيف القرآني: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون"..؟!

إننا نفهم ونتفهم أن هناك احتقاناً سياسياً داخل الشارع المصري، وأن هناك حالة اصطفاف وصراع قائمة بين التيارات الإسلامية والقوى العلمانية على شكل الحكم في مصر، وأن الإعلام الليبرالي المسيّر بأموال البترودولار – كما يقول البعض - يقود منذ مجيء الرئيس مرسي للحكم حملة هدفها التشهير بالرئيس المنتخب والعمل على الاطاحة به، أي أن معركة الإعلام في النهاية هي مع الإسلاميين في مصر، فهل تستدعي طبيعة المعركة خلق عداوات مع أطراف إسلامية أخرى خارج الساحة المصرية مثل حركة حماس، واستهدافها بهذا الكم من أحاديث الإفك والروايات الكاذبة.؟!!

إن السؤال الذي يطرحه الجميع باستغراب، هو: لماذا هذا الاصرار على تكرار ذكر اسم حماس وكتائب القسام والزج بهما – كطرف متهم - في المعركة السياسية القائمة داخل الساحة المصرية.؟!!

لا شك أن هناك أهداف أخرى من وراء تلك الحملات المغرضة والمشبوهة، سنحاول التعرض لها في مقال قادم.

نظرة الفلسطينيين لمصر: التقدير والاحترام المتبادل

إن الذاكرة الفلسطينية تحفظ لمصر (أرض الكنانة) كل الخير من المواقف والطيب من القول؛ فالجيش المصري كان إلى جانبنا في كل المعارك التي تمّ فيها التعدي على شعبنا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وقّدم تضحيات كبيرة؛ عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وقد تمكن في أكتوبر 1973 من استعادة هيبة مصر وكرامة الأمة في معركة العبور المجيدة .. كما كان لمصر الفضل – أيضاً - في رعاية الحالة الفلسطينية بعد النكبة، من خلال إدارة شئون قطاع غزة - سياسياً وأمنياً واقتصادياً وتعليمياً وقضائياً - لعقد أو يزيد من الزمن.. ثم كان الاهتمام الكبير الذي أبدته الدولة المصرية بطلاب القطاع بعد نكسة عام 1967، حيث قامت بتسهيل مهمة قبولهم للدراسة بالجامعات المصرية، وقد تخرج الآلاف منهم في مختلف التخصصات العلمية، والتي فتحت لهم أبواب الرزق وهيئت للكثير منهم المجال للعمل في بلدان الخليج العربي، وتوفير مصادر دخل سمحت للكثيرين منهم بتحسين مستوياتهم المعيشة، والنهوض بالحالة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية داخل قطاع غزة.

لن ينسى شعبنا لمصر ما قدمته مؤسساتها وجمعياتها الوطنية والإسلامية من دعم ومساعدات إغاثية لأهلنا في القطاع خلال العدوان الإسرائيلي في ديسمبر 2008، وكذلك في نوفمبر 2012، وأيضاً في جهود كسر الحصار وتسهيل مهمة دخول المئات من وفود التضامن العربية والإسلامية والدولية التي وصلت لنصرة ودعم صمود شعبنا المحاصر.. إن كل هذه "الأيادي البيضاء" لأهل مصر هي فضائل لا يمكن أن نغفل عنها أو نتنكر لها، وهي دينٌ في أعناقنا لهذا الشعب الكريم التي تلهج له ألسنتنا – دائماً - بالدعاء، لأن عزَّ مصر هو عزٌّ لكل العرب، وإذا أهينت مصر الدولة فلن يبقى لهذه الأمة كرامة أو مكانة بين الأمم.

وحتى في بعض الأوقات والمواقف التي شعرنا  فيها – أحياناً - بأن هناك في مصر من يريد تخريب هذا الارتباط والإرث التاريخي من علاقتنا المتميزة والحميمة، ويعمل على جرّنا إلى مسارات خاطئة، قلنا له: إلزم غرزك.. ولكل الغاضبين أو المحتجين في ساحتنا الفلسطينية: لا تجرحوا كبرياء مصر.

إنني لا أتخيل فلسطينياً يعي تاريخ العلاقة مع مصر يسمح لنفسه بممارسة الخطأ تجاهها والتلفظ بما يسئ إليها.. لقد أحببنا أهل مصر وأرض مصر وتاريخ مصر وسيرتها وحضارتها كما أحببنا أرضنا وعشقنا كل شبر فيها.

وكفلسطيني تعلَّم في مصر، ويدين بالولاء لثقافتها والفضل لدعاتها ومفكريها والطيبين من أهلها، أقول لكل الإعلاميين في مصر: إن الشريف منكم مطلوب منه أخذ موقف يصدع فيه بكلمة الحق وتبيان الحقيقة، حيث إن فلسطين والفلسطينيين هم أمانة في أعناقكم؛ فهم على طريق الجهاد والمقاومة "رأس النفيضة" في صراع الأمة مع المشروع الصهيوني، وهم الطليعة المقاتلة التي رفعت من قدر أمتنا حتى في المعارك التي خاضتها وحدها في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وهم المقاومة الباسلة التي تحرس حدود الأمة وتسهر على أمنها حتى لا يباغتها العدو على حين غرّة كما حدث في عام 67، وهم عنوان لصحوة الضمير العالمي تجاه المجازر التي ترتكبها إسرائيل؛ الدولة المارقة على أرض فلسطين بحق الإنسانية، وهم الصامدون على أرضهم حماة للمسجد الأقصى وبيت المقدس.

أتمنى على القوى الوطنية المصرية أن ترفع عقيرتها منددة بمثل هذه الحملات المغرضة ضد حركة حماس وكتائب القسام، وأن تعمل على وضع النقاط على الحروف حتى تأخذ السطور مسارها الصحيح على صفحات التاريخ، فالسياسة ليست عملية انتقام وحجب للشمس بغربال، بل هي عملية تخذيل وبحث عن القواسم المشتركة وعن الأنصار والحلفاء.

إن الفلسطينيين وحركة حماس وكتائبها المقاتلة لا يريدون لمصر إلا الأمن والاستقرار، وأن يسود حلبة السياسة فيها التوافق ووحدة القرار، وأن يحكمها - من تختار ديمقراطياً - من الإسلاميين والوطنيين الأحرار، في تداول سلمي للسلطة يجنبها العنف وتعكير صفوة الديار.

وختاماً أقول لصُنّاع الأراجيف من أصحاب الأقلام المأجورة والحناجر المثقوبة: " قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا".؟