دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 11/1/1440 هـ الموافق 22/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الرواية الإعلامية الفلسطينية /عمار جمهور
الرواية الإعلامية الفلسطينية  /عمار جمهور

 مما لا شك فيه أن المقاومة الفلسطينية قد سطرت خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نجاحاً نوعياً في عدة أصعدة، ولا سيما على الصعيدين العسكري والإعلامي. وفي هذا المقال سيتم التركيز على النجاح الذي حققته المقاومة الفلسطينية في صياغة استراتيجية إعلامية قادرة على الصمود أولاً، وعلى الترويج لإنجازات المقاومة العسكرية في الساحة الفلسطينية والعربية ثانياً، والإشكاليات التي لازالت تحول دون وصول الرواية الإعلامية الفلسطينية إلى وسائل الإعلام العالمية.

يبدو جالياً من متابعة وسائل إعلام المقاومة "التقليدية، والحديثة" وجود استراتيجية إعلامية ناضجة وممنهجة، وما زالت تثبت يوما بعد يوم جهوزية أدواتها الإعلامية لنقل روايتها الإعلامية المقاومة، واستهداف ثلاث فئات من الجمهور. وهي الشارع الفلسطيني، الشارع العربي، الشارع الإسرائيلي. فيما لا يوجد اكتراث حقيقي بالولوج إلى الرأي العام العالمي وهذا قد يعزى لأسباب أخرى يمكن التطرق لها لاحقاً. استهداف الرأي العام الفلسطيني كان لابد منه؛ لأن المقاومة تحتاج إلى حاضنة شعبية فلسطينية لاحتوائها كفعل مقاوم في أرض الميدان، والذي يعد ضروريا في حال استمر العدوان على القطاع للمحافظة على رص الصفوف ووحدتها، ويظهر ذلك جالياً في الاسم الذي أطلقته سرايا القدس على هذه الحرب "البنيان المرصوص"، والذي يظهر ضرورة توحيد الجهود في بوتقة واحدة موحدة للتصدي لهذا العدوان، ومنها نرى بأن تغطية وسائل الإعلام التابعة لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري قد صاغت خطابها ومفراداتها الإعلامية برؤية وطنية وروح وحدوية. أما فيما يتعلق بالرأي العام العربي والإسلامي، فقد نجح إعلام المقاومة في إبقاءه ضمن دائرة الاستهداف الأساسية، وذلك لارتباط حركات المقاومة الإسلامية والوطنية ببعدها الإسلامي والعربي، ناهيك عن التحالفات الإقليمية، التي تلعب دوراً مهماً في هذه الحرب. فالتغطية الإعلامية التي تنتهجها قناة الجزيرة ساهمت وما زالت في نقل الرواية الإعلامية الفلسطينية على الصعيد العربي والإسلامي. وفي الوقت ذاته غابت قناة المنار الفضائية التابعة لحزب الله عن الانخراط في نقل الرواية الإعلامية الفلسطينية بنفس السياسة والزخم الذي عهده الشارع العربي، لأسباب سياسية ودينية. اما استهداف الجمهور الإسرائيلي فكان استهدافاً ناجحاً لأن الإعلام المقاومة يخاطبهم بلغتهم وبنفس التكتيكات التي انتهجها الإعلام الإسرائيلي، فإرسال الرسائل النصية عبر الهواتف الخلوية وتوزيع البيانات دائماً كانت تأتي من الجانب الإسرائيلي لإرهاب الفلسطينيين وكي وعيهم. ومن هنا فإن اختراق البث التلفزيوني للفضائيات الإسرائيلية، يأتي في إطار تحقيق توازن الردع الإعلامي، وتحقي توازن الرعب النفسي في جبهة العدو. كما أن الرسائل الذي ترسل عبر فضائية الأقصى باللغة العبرية، واستغلال ما يعرف بالنشيد الوطني الإسرائيلي وألحانه نجح في نقل رسالة المقاومة باللغة العبرية، وكذلك في إرسال رسالة ذات معنى مغاير لما اعتاد عليه الشعب الإسرائيلي وساهم بشكل واضح في تحقيق الندية الإعلامية. دولياً، بالرغم من التضامن الدولي وتوسيع رقعة التعاطف العالمي الا أن الرواية الاعلامية الفلسطينية ما زالت تعاني من إشكاليات وصعوبات عدة على المستوى العالمي، وذلك لجملة من الأسباب، وأبرزها يتمثل بأن المقاومة الفلسطينية لم تكترث لها ولم تضعها ضمن دائرة الاستهداف، وذلك قد يعزى للشعور بأن محاولة الولوج إلى الرأي العام العالمي معركة خاسرة من بدايتها وأنه لن يحرك ساكناً. وكذلك لأن السياسات الإعلامية التي تنتهجها وسائل الإعلام العالمية لن تسمح للرواية الفلسطينية بالمرور، أو على الأقل أن مرت لأسباب تتعلق بالمصادقية والمهنية فإنها ستولد مشوهة وستكون لمجرد الديكور الإعلامي وهذا ما يحدث عمليا. أما المعضلة الحقيقية لعدم ولوج الرواية الإعلامية الفلسطينية إلى وسائل الإعلام العالمية فيكمن في أسباب أهمها:

أولاً: تشظي الرواية الإعلامية الفلسطينية، وذلك بفعل وجود أكثر من خطاب سياسي موجه لوسائل الإعلام الدولية، ففي الوقت الذي تحاول وسائل الإعلام العالمية إظهار العدوان الإسرائيلي في إطار ردة الفعل على إطلاق الصواريخ من قطاع غزة نرى خطاباً سياسياً لا يعتمد على المنطق المهني والدلائل والبراهين السياسية والميدانية على أرض الواقع.

ثانياً: اعتماد الرواية الإعلامية الفلسطينية على لغة العاطفة في مخاطبة وسائل الإعلام العالمية، والتحدث باللغة التي نفهمها نحن الفلسطينيين، ولا نكترث فيما إذا كان العالم يفهمها أو يستوعبها، وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أهمية نقل الصور والمعاناة للفلسطينين قبل استشادهم، لأن تكرار صور القتل ستخلق نوعاً من البلادة في الذهنية، وما تحتاجه الرواية الإعلامية الفلسطينية يتمثل بتعزيز الصور التي تعمل على إعادة إحياء آدمية الفلسطينيين في الذهنية الغربية، وخير مثال على ذلك صورة محمد الدرة وفارس عودة قبيل استشهادهما، وكيف اصبحت صورهما محملة برمزية في الذهنية الانسانية.

ثالثا: تعقيدات وتداخلات المعركة وتجاذباتها السياسية والعسكرية على أرض الواقع، وفي هذه الحالة يجب العودة إلى لب المشكلة وأصلها، ألا وهو الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وذلك من خلال صياغة خطاب سياسي ناضج يعتمد على القانون الدولي والإنساني والمعطيات الحقيقية بدون تهويل أو مبالغة "نقل الأحداث فقط كما هي" وهي مذهلة للإنسانية.

رابعا: عدم استغلال وسائل الإعلام المجتمعي والإعلام الإلكتروني بالطريقة التي تعزز من الرواية الإعلامية الفلسطيني من قبل الفلسطينين أنفسهم. ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الاسرائيلية استنهاض كافة إمكانياتها من خلال وسائل الإعلام المجتمعي "لوزاراتها، سفاراتها، مؤسساتها الأمنية والعسكرية".

نرى بأننا كفلسطينين ما زلنا نفتقد الى وجود رؤية واضحة لوضع استراتيجية اعلامية لاستغلال الاعلام المجتمعي عالمياً. ويقتصر استغلالنا للاعلام المجتمعي على المبادرات الفردية الطوعية التي يبتكرها الشباب الفلسطيني، والتي ما زالت بحاجة إلى الكثير من الجهود للانتقال من إطار ردة الفعل إلى صناعة الفعل الإعلامي " في العالم الافتراضي" في الساحة الدولية من خلال والاستغلال الامثل لوسائل الإعلام المجتمعي. ومن هنا لا بد من التصدي لأي رواية إعلامية تتعامل مع العدوان على القطاع على أساس أنه يأتي في إطار ردة فعل على إطلاق حماس للصواريخ "إعلام أمريكي أو كندي أو استرالي".

ومهم جداً في هذه المرحلة الصعبة صياغة الرواية الإعلامية الفلسطينية وتوحيدها وتدعيمها بالبراهين والأدلة، وهي كثيرة، والعمل على مخاطبة العقل أكثر من العاطفة، وذلك لأن الجمهور الغربي المستهدف يعتمد بالدرجة الأولى على عنصر الإقناع، ويجب توظيف كافة الإمكانيات اللازمة لتحقيق ذلك سواء من خلال الصور الفوتوغرافية، أو مقاطع الفيديو، أو الأرقام والإحصائيات، والرسوم التوضيحية، وكذلك توظيف لغة الجسد بطريقة تتلاءم والرسالة الإعلامية المراد تسويقها وترويجها، وخير دليل على ذلك ما عرضه الاعلامي جون ستيوارت في برنامجه الساخر بشأن الحرب على غزة، حيث استخدم المقارنة الموضوعية بين الطرفين لاظهار الحقيقة، وفضح محاولات الاعلام الغربي تزييف الحقائق.

وكذلك العودة إلى أصل المعضلة السياسية والمتمثلة في وجود احتلال إسرائيلي مخالف للقانون الدولي وينتهك المواثيق الدولية والإنسانية، والإشارة بوضوح إلى أن الهجمة الصهيونية لم تأت بسب إطلاق الصواريخ وإنما اتخذت بقرار من حكومة نتانياهو، وذلك من خلال توثيق الأحداث واستعراضهابصورة متسلسة للوصول إلى ما يحدث اليوم في القطاع من جرائم وفظائع بحق الشعب الفلسطيني.