دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 8/1/1440 هـ الموافق 19/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عمق الحقيقة يكمن في خفايا الأمور/ بقلم: د. زهير عابد
عمق الحقيقة يكمن في خفايا الأمور/ بقلم: د. زهير عابد

مجتمعنا العربي والفلسطيني يعيش الآن في واقع صعب في ظل فشل الثورات العربية في تحقيق أهدافها، والسبب قد يكون معروف لكثير من الناس، والذي يتربع الفساد السياسي والمالي والإداري والأخلاقي والأمني على قمة الأسباب التي جعلت بعض الأنظمة تستمر بالرغم من كونها أنظمة فاسدة وظهور أنظمة لا تقل فسادا عن الأنظمة البالية. وهذا يتطلب منا كإعلاميين الوقوف على الحقيقة من أجل كشف وفضح هذه الأسباب التي جعلت مجتمعات تعيش في حالة من قلق وعدم الاستقرار، وأصبح على المواطن العادي بل على بعض المثقبين التمييز بين ما هو باطل وفاسد وما هو صالح.
ويمكن القول أن الصحافة الاستقصائية ومواقع التواصل الاجتماعي من أكثر الوسائل التي يمكن أن تلعب دورا فعالا في الوصول إلى الحقيقة ومدى المجتمع بالمعلومات وكشف خفايا الأمور والحقائق وتوضحه للجمهور وتعرية المفسدين وفضحهم للمجتمع، ودعم المصلحين.
في ظل عصر ثورة المعلومات والديمقراطية الذي تحولت فيه الصحافة التقليدية الى صحافة رقمية وصحافة تفاعلية وبشكل متزايد ومتسارع، والذي أدى الى ضرورة الاهتمام بالصحافة الاستقصائية في مناخ يتوفر فيه جو من الديموقراطية والمشاركة، التي تقوم على أساس الصوت الصادق وعلى معلومات دقيقة وإدراك لما يجرى على جميع المستويات في المجتمع؛ لذا فنحن بحاجة أن يتحرى الصحفيون الاستقصائيون كل الدقة في الحصول على المعلومة لفضح هؤلاء الذين لا يعرفون النوم إلا على نكد شعوبهم؛ والصحافة الاستقصائية هي القادرة على ذلك من خلال الجد والمثابرة والبحث عن الحقيقة وكشفها للصالح العام.
وقد ساعد الإنترنت وظهور الإعلام الحديث بفاعليته وسمته النافذة القادرة على طرح القضايا بجرأة وقوة بدون قيود تفرض، وهذا ما لمسناه في بداية الثورات العربية الفاشلة، وهذا عكس ما هو حاصل في الإعلام التقليدي الذي يتعرض قيود السلطة الحاكمة ورقابة الرقيب المتمثل في حارس البوابة، حيث أصبح الآن بقدرة أي شخص أن يضع أي قصة لتصبح متاحه لكل الجمهور، وعلى الجمهور أن يتقبلها او يرفضها، وهذا بدوره يحتاج إلى الدقة والشمولية والاحترافية في عرض القصة التي تميز بين عمل الصحفي عن غيره من الصحفيين.
فالمحقق الصحفي عمله يعتمد على الرغبة الشخصية لإصلاح العالم، وأن الهدف ليس فقط إظهار واقع الحياة، ولكن أيضا لتغيير هذا الواقع إلى الأفضل، كما قال المحقق الصحفي "مارك هنتر" حيث أشار إلى أن الصحافة الاستقصائية أداه لازمة يمكن من خلالها أن يساهم الصحفيون بشكل فعلى في تحقيق التغيير الإيجابي المنشود السليم.
والصحافة الاستقصائية من أكثر الفنون الصحفية تعقيدا وحرفية؛ لأن الصحافة الاستقصائية لا تقوم على النقل الحرفي للمعلومة التي يعلنها مسؤول حكومي أو مؤسسة أهلية، بل يتعدى دورها الى الحفر العميق في دهاليز القصة لكشف الجوانب المعتمة التي لم تحظ بالتغطية والتحليل إما عن قصد أو غير قصد، فهي التي تعمل على كشف الفساد الذي يمارسه مسؤولين كبار، أو تجاوزات في القانون يقوم بها رجال أعمال نافذون في المجتمع لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب عامه الناس، بالإضافة الى أنها تشمل قضايا أبسط من الكشف عن الفساد، والمال السياسي، أو استغلال النفوذ.
وقد بين المحقق الصحفي "بندك تمبو" في تعريفه لمفهوم الصحافة الاستقصائية بأنه ذلك النوع من الصحافة التي تتغذى على القصص الحصرية من خلال الحفر لأخذ المعلومات من الحكومة والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص لبناء قصة صحفية تفيد المصلحة العامة، أي أن دورها يقوم على خدمة المصلحة العامة للجمهور دون انحياز لطرف قوي على حساب ضعيف.
أي أن هناك علاقة بين الصحافة الاستقصائية والإعلام الحديث في كون كلاهما يقدم المعلومة التي يحتاجها الجمهور ويعتبرها غامضة ومبهمة عنه، فهي تعمل على حماية استقلالية الإعلام ومنع تحوله إلى منبر للقوى المنفذة، كما أنها تعمل كحارس يراقب أداء السلطات، بالإضافة إلى المساهمة في إحداث التغير الإيجابي للمجتمع بصوره مهنيه.
فالفائدة المرجوة من الصحافة الاستقصائية والإعلام الحديث هي الكشف عن الأمور الخفية للجمهور، أو أمور تم إخفائها عمدا أو صدفه خلف ركام فوضوي من الحقائق والظروف، التي أصبح من الصعب فهمها، أي أنه يجب علينا في الصحافة الاستقصائية والإعلام الحديث ضرورة تقديم المعلومات والحقائق الجديدة، والتي تعمل على تحسين حياة الناس وتحقق المصلحة العامة.
وكذلك العمل على معالجة مشاكل بنيوية تهم المصلحة العامة ولا تقوم على معالجة حادثة معزولة تؤثر في فرد واحد، بالإضافة إلى تصحيح الأخطاء، ووصف المشكلات الاجتماعية المعقدة، وكشف الفساد، والظلم والتعسف في استخدام السلطة، والتي بدورها تنعكس على المصلحة العامة للمجتمع.من خلال إقناع وسائل الإعلام في نشر القصص المثيرة للجدل، من أجل طرح المشكلات وخاصة المشكلات التي يدور حولها الجدل وتمس المصلحة العامة والتي تتفشى في المجتمع العربي والفلسطيني وتحتاج إلى الكشف عنها وتعريتها للجمهور.