دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فلسطين ، طريق العرب نحو الصحوة/ بقلم سمير حباشنه
فلسطين ، طريق العرب نحو الصحوة/ بقلم سمير حباشنه

تمثّل القضية الفلسطينية المادة اللاصقة للملمة الجسم العربي

التناقض الرئيسي يدفع "من برأسه عقل" لمحو او تأجيل التناقضات الثانوية

لا أمن ولا تنمية حقيقية بدون "الكلّية" العربية الواحدة

فلسطين هي الواجب المُتفق عليه ومعيار الوطنية والانتماء

فلسطين حصان الرهان لصحوة عربية مُنتظرة

-1-
فلسطين ... وقضيتها، سمّاها العرب قضيتهم المركزية، حتى سَمت على كل قضاياهم المحلية، الى درجة دفعت ببعض الاقطار العربية وفي مرحلةٍ سابقة ... أن تُفكّر بوقف برامجها التنموية واصلاحها السياسي والاقتصادي ... حتى تتحرر فلسطين .
وفلسطين منذ أن وقعت  تحت الاحتلال أصبحت حافزِا للعرب يدفعهم نحو الوحدة والتكامل والتنسيق. وكانت هي التي تُشّرع علاقات العرب بالغير، فصديق العرب هو من يُؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، وعدوهم هو من يقف على الجانب الآخر.
وكانت فلسطين على الدوام، هي التي تدفع بالعرب لأن يَكبروا على خلافاتهم العقائدية واصطفافاتهم الدولية. فتبنّي مصر والجزائر وسوريا والعراق ... وغيرها في حقبة سابقة ،  للنموذج الاشتراكي وقربهم من الاتحاد السوفييتي، لم يمنعهم من أن يكونوا في نفس الخندق مع  السعودية والاردن ودول الخليج والمغرب ... وغيرها، والسبب في ذلك انّ للجميع قضية واحدة وهدف واحد ... وهو فلسطين التي شكّلت عمليا المادة اللاصقة التي تُلملم اطراف الجسم العربي، برغم اختلاف مقاييسه وتوجّهاته السياسية والاقتصادية سواءا بسواء.
ونذكر أنه كلما كان يشتد الخطب وتوغل اسرائيل في عدوانها، كانت تذوب الخلافات العربية فيلتقي الاشقاء مُتناسين ما بينهم على قاعدة انّ التناقض الرئيس يدفع "من برأسه عقل" الى أن يمحي أو يُؤجّل.... ولو الى حين، التناقضات الثانوية.
وكانت مؤسسة القمة العربية التي بدأت في الاسكندرية ،التي أخذت صفة الديمومة والانتظام، هي نتاج من نتاجات القضية الفلسطينية . واجماع العرب على مركزيتها في الاداء الرسمي والوجدان الشعبي.
ونذكر لقاء قمة الخرطوم بعد حرب 67 حين جلس الخصوم المتنافرون على طاولة واحدة، انتصارا لكرامة الأمة فأعلنوا "لاءات" الخرطوم  الثلاث الشهيره  ... "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض ".. ومدّت الدول الغنية بسخاء دول المواجهة، لتعويض ما فات واحياء القدرة العربية العسكرية وتهيئتها لقادم الايام. كما نذكر حرب 73 عندما هبّ العرب بكل طاقاتهم المادية والعسكرية وقوفا مع مصر وسوريا والاردن في مواجهة العدوان الصهيوني السافر.
لقد كانت فلسطين هي الواجب  المتفق عليه وهي معيار الوطنية والانتماء ومحرك الوجدان والتي تقف وراء الارتقاء بالاداء العربي ليكون بمستوى التحديات والمسؤولية التاريخية .
فهل لا زالت فلسطين كذلك ؟ .. سبيل العرب نحو نبذ الخلافات، وقيام صحوة تعيد للعقل مكانته في السلوك العربي، فيُمايز بين العدو والصديق، وبين المهم والهامشي، وبين التناقض الرئيسي الذي لا يُؤجّل والتناقض الثانوي الذي يُمكن ... بل يجب تأجيله ؟؟ !!
  -2-
اليوم ، حالتنا العربية لا تسر صديق، بل انها موضع تَشفّي العدو ونومه مرتاحا على حرير انقساماتنا وتشرذمنا.
نحن اليوم، وبأيدينا، نعمل خلافا لمنطوق الآية الكريمة { وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } نمسك فؤوسا ونحطّم هويتنا العربية ، ونتنكّر لحضارتنا ولثقافتنا ولتاريخنا الواحد ولجغرافيتنا الموحّده، بل والى مستقبلنا كذلك. فنتمسّك بهويات وهمية فرعية كانت على الدوام محل عطاء وتنوع، فحولناها الى أدوات تخريب واختلاف.
ولنعلم بأننا وفي ظل غياب المظلة العربية، فانّ أمننا في اقطارنا كافّه، هو أمن مصطنع، يعتمد على من يتربصون بنا، بتثبيت اسرائيل واحتلال المزيد من الارض ونهب الثروة، بل واستخدامنا كأدوات لخدمة أجنداتهم الخاصة. كما انّ تقدّمنا و طموحنا في مواكبة المعاصرة هو محض خيال في غياب الكلية العربية الواحدة، لانّ التنافر والتجزئة تتوارى معها المتانة الاقتصادية التي تجعل من اقتصاداتنا هشة غير حقيقية ، معتمدة على الخارج، تدور في فلكه خدمة له ...ليس الا.
-3-
هذا هو الوضع المأساوي الدموي السائد اليوم والذي يهدّد بتقسيم المُقسّم وتجزئة المُجَزّء على اساسات مذهبية وطائفية بائسة، يُغلّفها مرض الفصام الشنيع.
فالعربي المُغرّر به تحت يافطات اسلام مزعوم افتقد الى بوصلته، لم يعد يُميّز الاتجاهات ولا وجوه الاخوه من الاعداء، فاصبحت وجهته نحو الانبار و الرقه و بنغازي و الحديدية و سيناء، وغفل أنّ القدس مُبتلعه، وأنّ الاقصى قد يُحرق او يُدمّر ، وانّ القيامة هدف "لاحق" لاسرائيل ، وانّ جدار الفصل العنصري قد تمدّد وبدأ بناءه في الاغوار ليتم الفصل الكلي لفلسطين عن امتدادها وروحها العربية.
من المضحك المبكي ان حالة الفصام التي امتلكتنا ذهنيا قد زرعت برؤوسنا افكارا غريبة، فالشيعي أخطر على السني من الاعداء الحقيقيين، والعربي المسيحي او الازيدي او الصابئي ، "ابن جلدتنا " الشريك الاصيل  في بناء حضارتنا العربية الاسلامية الواحدة ،أصبح غريبا في دياره وخياراته بين أن يُذبح او يُسبى او يغادر !
وتخيلوا الوضع الذي يدفع بشاب عربي لأن يهرب من فلسطين المحتلة ليقتل ومن ثم يُقتل في حلب! ، أي حال هذا الذي وصلنا اليه، وهل من صحوة عربية تنتصر الى ذاتها وتطرد الاوهام والمفاهيم المجنونة وتعيدنا الى الواقع !؟
-4-
وبعد ... لازلت أعتقد بأنّ فلسطين، حصان الرهان ومصدر الالهام ، ولازالت في مكانتها، وستكون الحافز الذي سيقود الى صحوة عربية جديده، مادتها تلك الغطرسة الصهيونية التي لا تنفكّ تعلن وتعمل على قضم الارض وهدم الاقصى وطرد الفلسطينيين ، ومادتها كذلك الصمود الفلسطيني المُضاد لكل هذه الاهداف الخبيثة والمتشبث بالأرض والذي  لا بد أن يتجلى بصورة نضالية تعيد للقضية ألقها، فتكون العتبة التي يرتطم بها العقل العربي فتُعيد له توازنه  .... فيُعيد الامور الى وجهتها الصحيحة .