دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 11/1/1440 هـ الموافق 22/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حقيقة عظمة تاريخ مصر .. /محمد عزت الشريف
حقيقة عظمة تاريخ مصر .. /محمد عزت الشريف

 عندما نُعبر عن حُبّنا لمصر،ماذا نقول؟ ـ "بنحبك يا مصر" ولكن ما هو موضوع الحب في مصر؟ هل هو: حكمة الحكومة؟ أم: بركة الأرض؟! أم: أملاكنا ومصالحنا فيها؟ هل الحب في الوطن يكون للأرض و الأهل و الناس أم هو الحب للدولة والحكومة؟! نترك هذه التساؤلات آنياً ونفكر في تلك العبارة التي ترن في آذاننا دائماً و دائباً "عظمة تاريخ مصر" دعنا نناقش الأمور بموضوعية .. كيف يستدل المعايش أوالمشاهد أو الباحث ـ كيف يستدلّ على "عظمة تاريخ مصر" أليس للعظمة مظاهر؟ ـ فهل مظاهر العظمة في مصر حقيقة واقعية؟ وما هو موضوعها؟ ومَنْ هم أبطالها؟ حسناً؛ نستهل ردّنا على تلك الأسئلة بهذا السؤال: هل العظمة تنشأ وتظهر وتتشيّأ في ليلة وضحاها أم أنّ لها تاريخاً يمكن إدراكه وبحثه ودراسته ؟ عندما ننظر في تاريخ مصر المكتوب ستجابهنا مقولةٌ يتوجب التوقف عندها: "مصر مطمع للمستعمرين" ولماذا هي مطمع للمستعمرين ؟ هنا نكون قد وضعنا أنفسنا وجهاً لوجه مع مقولات من مثل: " مصر هبة النيل" و "مصر ذات موقع جغرافي فريد" و "مصر أعظم بلد سياحي" و "مصر أم الدنيا" وهي "قلب العالم" و " دولة محورية". حسنا؛ مادامت مصر كذلك؛ فلِما لا تكون : "مصر مطمعاً لأهلها"؟ فسيناء التي هي الأرض المباركة و أرض الفيروز هي أيضاً في ذات الوقت الآن :"بلد الأشباح" و " وطن بلا مواطنين" حتى أصبح العسكر و الحرامية وقطاع الطرق أكثر من المواطنين المدنيين السلميين ويقول تاريخها قديما وحديثاً أن الجنازير التي داست على أرضها الطيبة أكثر من إطارات الكاوتشوك وأقدام الإنسان وحوافر الحيوان !! إذن؛ هل يمكن أن نفهم من ذلك كله أنّ الإنسان المصري قنوع بما لديه من وفرة؛ أم أنه شخصٌ كسول حتى أنه يجد قيمة متحققه له من الكسل أكبر حتى من قيمة الحرية التى يفقدها مع كل إحتلال جديد لمستعمر جديد لأرضه وعرضه؟ بالتأكيد الإنسان المصري لم يصل بعد إلى حدّ القناعة بما لديه من فقر وعوز، والإحصاءات موجودة في كل مكان وعلى عينك ياتاجر وبضغطة زر واحدة ينكشف المحجوب وينفضح المستور، إن كان ثمة في هذا العالم مستور.. ـ ولا يمكننا في ذات الوقت أن نعتمد فكرة أن المصري يُعلي من قيمة الكسل والخنوع للمحتل على قيمة الحرية، بدلالة أن كل المستعمرين السابقين قد أُجْلوا عن البلاد ولم يبق من أرض مصر الآن شبراً واحداً مادياً محتلاً؛ فمصر على كل حال وحسب مأثور الأقوال: "مقبرة للغزاة". هنا علينا أن نعود مرة أخرى للسؤال: لماذا لا تكون "مصر مطمعاً لأهلها"؟ و نقصد هنا : خيرات مصر .. فإذا كانت مصر بلد "عبقرية المكان" و "عراقة الأصل" و "عظمة التاريخ" إذن أين مكمن المشكلة في هذا التخلف والتردِّي والتراجع على كافة المستويات الإقتصادية والإجتماعية، و الأدبية والثقافية والفنية والعلمية ؟ إنه وبلا شك "التنظيم" .. وإن شئت قل "عدم التنظيم" لكن التنظيم في أي دولة ـ مَنٍ الذي يقوم به؟ ـ بالتأكيد يقوم به الحكومات .. إذن مكمن المشكلة في التخلف والتراجع والتردّي هو في التنظيم والإدارة والسياسات الفاشلة التي تعتمدها الحكومات المتعاقبة منذ الأزل وعلى مدى تاريخ الدول.. الأمر في ما يخص مصر جِدُّ عجيب .. أقول و بحق؛ أنّ مصر "الدولة والحكومة" تاريخها رغم طوله وعرضه، وعمقه وأهميته وثرائه إلا أنه مثير للمشاعر والأفكار والإستنتاجات المتناقضة طوال الوقت!! وحتى نكون أكثر وضوحاً وتحديداً ندخل إلى الموضوع في سؤال واحد نصوغه محدداً كالتالي: هل تاريخ مصر العظيم هو تاريخٌ للدولة كحكومة ومؤسسات ـ أم هو تاريخ أفراد مفردين أو فرق و جماعات قليلة منتظمة أو غير منتظمة من المصريين؟ الحقيقة؛ أنّ ذلك التاريخ الذي نراه ويراه العالم معنا تاريخاً عظيماً لمصر ـ هو ليس في حقيقته تاريخاً لمصر ؛ بل هو مجموع تراكمي من فعاليات وإجتهادات وإنجازات حقيقية لأفراد يعيشون على أرض مصر؛ وليس في حقيقته إنجازاً حقيقياً لحاكميها ومدبري أمرها .. تعالوا لنرى أولاً ما الفارق بين مفهومَي الدولة والحكومة؟ ـ وما الفارق بين تاريخ مصر، وتاريخ المصريين ؟ إن كانت ثمّة فوارق : يقول أوسط التعريفات: " أنّ الدولة: هي مجموعة من الافراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية التي تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الافراد فيها" و يقولون: "أن الحكومة هي الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها وهي بمثابة عقل الدولة" وفي التعريف البسيط لـ " المصريون" : "المصريون هم: مواطنو مصر في اللحظة المعينة" ونقول في تعريف " مصر" كمكونات: "مصر هي: المصريون، والأرض والحكومة" فهل بعد استحضار وتَفَهُّم مثل هذه التعريفات والمفاهيم يؤون لنا ويجدر بنا أن نسأل هذا السؤال : هل حققت الدولة المصرية" بتفاعل مكوناتها" إنجازاً حقيقياً عظيماً و رائداً على مدى الـ 7000 عاماً السابقة؟ هل كل ما تحقق من إنجازات عظيمة على أرض مصر ـ في القديم أو الحديث ـ هل كانت الحكومات المتعاقبة تشرف عليه وترعاه ـ بالفعل ـ وتهدف من ورائه التقدم والإزدهار لعموم الدولة، وتحسين حياة الأفراد فيها؟ ـ أم أنها كانت في معظمها محض إجتهادات وإنجازات فردية تبنّتها الحكومة أوـ حتى ـ فُرِضَت عليها بعد أن فرضت تلك الإنجازات عظمتها وأهميتها على كل المحافل المختصة والمؤسسات ـ ذات الصلة ـ في الخارج قبل الداخل؟! وهل كان في أي وقت من الأوقات ولأي حكومة من الحكومات خطة تقول: سأنجز عملا قومياً عظيماً "اسمه كذا" على غرار بناء الأهرامات أو حفر القناة في زمن يستغرق عمر هذه الحكومة و عدد "كذا حكومة" من بعدها مثلاً؟! هل لو دخلت مثلا في أي وقت من الأوقات على أي وزارة من الوزارات سيمكنك أن تجد مخططاً أو حتى تصوراً لشكل خريطة مصر السكانية أو الزراعية بعد 20 سنة على سبيل المثال؟! ـ بل لا أبالغ إن قلت أننا لن نجد حتى مخططاً لتصريف المياه لو أمطرت السماء فجأة في أي منطقة من البلاد دون أن تستأذن السلطات ! ـ ولا حتى لدينا طريقة عاجلة و تلقائية لمواجهة بلطجي واحد يقطع طريقاً عاماً " ولا أقول حارة ضلمة" في أيّ وقت من النهار "ولا أقول في جنح الظلام" !! إننا ـ مثلاً ـ على مدى التاريخ القديم وعلى صعيد الحكام البارزين والمؤثرين في التاريخ ليس لدينا أظهر و لا أشهر من فرعون موسى فرعون الذي كان يمثل رأس الدولة ويدَّعي ربوبيتة لجميع شعبه هل هذا الرجل "الملك" جاءت شهرته على مبدأ أنه صنَعَ التاريخ العظيم؟ أم أنه هو مَن كان العامل الأساس على إعاقة سير التاريخ؟! ومن عهد فرعون موسى وحتى ثورة يوليو عبد الناصر هل على مدار التاريخ كان لمصر حاكما مصرياً حقيقياً واحداً قبل محمد نجيب وعبد الناصر مصر ـ ومن العجيب ـ قد تناوب على حكمها أشكال وألوان من الحكام والحكومات غير المصرية وغير العربية وغير الإسلامية، بل وحتى العبيد المماليك حكموها في فترة من الفترات، كما حكمها أصناف من العصابات و قطاع الطريق علاوة على مختلف المهاجرين إليها والمارين بها وحتى عُمّال التراحيل !! وحتى عندما أنجز المصريون ثورتهم التي جاءت بأول حاكم مصري للمصريين في يوليو 1952 ؛ لم يكن هذا الإنجاز في حقيقته سوى حركة بطولية لأشخاص من المصريين معروفين و معدودين بالاسم، ثم تعاطف معهم جموع الشعب المصري بعد ذلك فاعتبرناها ثورة وانجازاً.. وفي المقابل من ذلك "ونحن لازلنا في دراسة تلك المرحلة من تاريخ مصر المعاصر" نتساءل: هل ما لحق بالدولة المصرية وجيشها الوطنى من هزائم تلو الهزائم سواء قبل الثورة في 1948 أو بعدها في 1956 أو في يونيو 1967 هل عُدَّ ذلك هزيمةً في حق الشعب الذي تصادف أنه يقطن تلك الأرض في ذلك الوقت أم هي هزائم للدولة متمثلة في حكومتها و مؤسساتها و نظمها وإدارتها؟ ثم ـ وفي المقابل ـ هل كان أول انتصار لنا على الدولة الصهيونية المغتصبة للأرض العربية في أكتوبر 1973 ـ هل كان نصراً عظيماً محسوباً لقيادة وحكومة البلاد جديراً بالبقاء طويلاً على صفحات التاريخ ؟ ـ أم أن القيادة السياسية والعسكرية لمصر قد أبَت بعدها أن يتم لها ولوطنها ولو نصرٌ واحدٌ ـ كهذا النصر العظيم؛ فراحت تستجدي أرضها المسلوبة ؛ بدعوى السلام القائم على الإستسلام البطولي الذي أدى الدور الأكبر فيه رئيس الدولة آنذاك أنور السادات بعد نصر العبور بقليل من السنوات؟! و كما خسرت قيادة مصر وحكومتها فرصة البلاد في هدم أركان دولة الفساد و الهمجية والإغتصاب لأراضي الغير المتمثلة في الكيان الصهيوني التوسعي ـ خسرت مصر أيضاً من بعدها كل معارك البناء والإعمار واستصلاح الأراضي، بعد أن فشلت في تحقيق أدنى درجات التنمية والنهوض .. و لنا في "توشكا مبارك" خير دليل على ذلك بعد أن باعونا الوهم على مدى سنوات لم نجنِ منها غير شعارات ومزايدات، وصياحات وهتافات "توشكا" .. "توشكا" .. "حيّوا توشكا .. غنوا لتوشكا" !! وفي النهاية صحا الجميع على الجميع يتساءل: أين هي توشكا ـ وفي أي صَوبْ؟! لازال المصريون يعانون شظف العيش منذ دهر ولا أدري حتى متى ولازالت جُل الأراضي في مصر صحراء جرداء صخرية لا تصلح لزرع أو رعي كما أن الدولة المصرية منذ عقود تتحدث عن التصنيع في الوقت الذي قد خصخصت فيه وأغلقت معظم المصانع على مستوى الدولة في حكم مبارك . ربما المشروع الوحيد القومي الذي يمكن إعتباره إنجازاً محسوباً محسوساً هو بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي في عهد الرئيس عبد الناصر حسين أمّّا إذا ما تأملنا في الشخصيات المصرية التي نقلها لنا التاريخ المصري فسوف نلاحظ أن كل مَن ورد أسماؤهم وصورهم في كتاب سنة رابعة وخامسة ابتدائي وحتى نهاية المرحلة الجامعية جُلهم تقريباً ليست لهم بطولات حقيقية غير أن بعضهم نراه يركب أحصنة على نُصب عالية في بعض الساحات العامة بالمدن المصرية، وبعض تلك التماثيل لازال يقف في الميادين صاغراً جامداً لا يدري ماذا يفعل إذ لا شيء يظهر على التمثال أنّ كان صاحبه متخصصاً في شيء أو بطلا في شيء!! وعلى الجانب الآخر هناك مصريون مبدعون وأبطال حقيقيون إلا أنهم يظلون يمثلون أنفسهم والطبقة الشعبية التي جاؤوا منها؛ فإنهم لا يمثلون الدولة بأي حال من الأحول حيث أن بطولاتهم جاءت على حساب الدولة نفسها و حكامها. فلنتذكر مثلا أدهم الشرقاوي فلم يأت ذكره في كتب التلاميذ في المدارس لأنه كان بطلا حقيقياً شعبياً بل وكانت ثورته هي على حكومة ذلك الوقت. سليمان خاطر قاتل الصهاينة الذين تخطوا حدودهم المكانية والأدبية تعتبره الدولة هو وما فعله عملاً إجرامياً استحق عليه صاحبه الحبس، و ربما القتل. ولننظر مثلا الشاعر العظيم "أمل دنقل" أين كان طوال حياته ؟ كان بين الزنازين والمستشفيات حتى توفاه الله فقامت الحكومة من بعدها تتلقى فيه التعازي وتفتح له صفحة في التاريخ، و تدرجه ضمن مجموعة المجدِّدين في الشعر العربي بعد موته!! وهو الذي عاش ومات مع المغضوب عليهم من الدولة "حكومة وأجهزة ومؤسسات" ولم يسمع المواطن المصري العادي عنه أي شيء إو يقرأ له أيّ قصيدة إلا بعد موته!! ثم نذهب إلى ساحة الفن والغناء مثلا؛ فالدولة لم ترعَ المواهب يوماً ما بصورة جدية حتى أنها كانت تُناويء المبدعين منهم وتنفيهم حيناً وتمنعهم من السفر أحياناً أخري ولنا في قصص الشيخ إمام و أحمد فؤاد نجم أمثلة بليغة في كيف كانت الحكومات تتعامل مع أصحاب القامات في فنون الشعر والغناء . الدولة حقاً لا ولم ترعَ الفن في يوم ما : فأشهر الفرق الشعبية في مصر والعالم العربية للرقص الشعبي كفرقة رضا مثلاً كانت فرقة خاصة "منذ نشأتها وحتى وصلت إلى قمة نجاحها" حتى عندما سنتحدث عن عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وسيد درويش وأم كلثوم وما شابههم؛ فكلهم تميّزوا وأصبحوا مشاهير" وصنعوا تاريخاً من الفن والإبداع لمصر والعرب" بمواهبهم واجتهاداتهم الشخصية المستقلة المنفردة عن الدولة، ولم يتخرجوا من "مؤسسة لرعاية المواهب" !! وحتى في المجال الرياضي؛ لن تجد لمصر تميُّزاً كبيراً سوى في مجالات الرياضة الفردية التي تعتمد أساساً على الشخص دون تَدَخُّل من الدولة في خططٍ للدعم أو التدريب والإرتقاء ولا غير ذلك .. فلننظر إلى كل الميداليات الذهبية والفضية في كل تاريخ الأوليمبيات العالمية التي سُجِّلت بسم مصرـ سنجدها جميعا في ألعاب فردية كالملاكمة وبعض أنواع المصارعة، و بعض الأوزان في رفع الأثقال، وكمال الأجسام والسباحة الفردية وماشابه ذلك. أما على مجال الألعاب الجماعية، فسنجد أنه كلما اهتمت الدولة ـ بشكل أكبر ـ بلعبة من الألعاب الجماعية؛ فإن الفشل عادة ما يكون هو النتيجة النهاية والسبب هو غياب التخطيط العلمي لدى الحكومة بل وعدم وجود رؤية شاملة ومحيطة وبعيدة المدى فللننظر على لعبة كرة القدم على سبيل المثال ورغم إنفاق الدولة عليهاو ببذخٍ فإن مصر لم تحقق أي مرتبة عالمية متقدمة واكتفت بالبطولات الإقليمية والقارية، بل وحتى تلك الإنتصارات القارية كبطولات أمم أفريقياً مثلا فإن النتائج الجيدة فيها كانت مرتبطة أيضاً ودائما بأسماء بعينها سواء كلاعبين متميزين أو مدربين قديرين. وكان المفروض أن كل هذه الإخفاقات الحكومية تكون كفيلة أن تردع الحكومة عن أي فكرة لاستضافة فعاليات أن ملتقى رياضي أو مونديال عالمي، إلا أن الحكومة المُغَيَبة لم تعرف قدر نفسها وتقدمت بطلب لاستضافة أحد مونديالات كرة القدم العالمية قبل سنوات، فكان طبيعياً أن تتلقى صفعة مدوية عندما تم الإقتراع على الدولة الأنسب لاستضافة ذلك المونديال الكبير و لم يحصل ملف مصر على أي صوت من أصوات المقترعين !! وعظيمة يا حكومة مصر !! وفي مجال الأدب فحدِّث ولا حرج؛ فلدينا دائماً عديد المواهب يصل مستواهم إلى العالمية ولا يجدون من الحكومات المتعاقبة مَن ينظر إليهم و يمدّ إليهم يد العون . وفي مجال العلوم، فإن كل مراكز البحوث العلمية في مصر لم يُمكنها يوماً أن تحتوي عالماً من أمثال د. مصطفي السيد ، د. مشرفة، د. عصام حجي ، د. فاروق الباز، د. مجدي يعقوب وغيرهم الكثير ممَنْ برعوا ككفاءات فردية لم تستطع العمل من خلال فرق ومراكز بحثية مصرية فهاجروا ليبحثوا عن ذلك في جامعات ومؤسسات الدول الغربية!! ولنا في قصة العالم الدكتور زويل مع الدولة المصرية الحكمة والعبرة فقد تخلت عنه كل الجامعات المصرية، ولم تقبل حتى بتوظيفه كأي موظف من ملايين الموظفين في جهازها الإداري ـ ثم راح من بعدها يحقق مجده العلمي العالمي في أمريكا والعالم، بكل الترحاب والإحتضان من كل مؤسسات العالم المختصة.. كل هذا ومصر الدولة والحكومة لا تنسب المبدعين لها إلا بعد أن يكرمهم العالم وينسبهم إليه ويمنحهم الجنسيات وحقوق الإقامة !! ثم نأتي ـ سريعاً ـ إلى الشأن الإقتصادي، ومعه الإجتماعي ؛ لنرى أعظم هدف خططت له الدولة في مصر، ألا وهو الإكتفاء الذاتي من الماء والغذاء، وتوفير مأوى لكل فرد .. فماذا كانت النتيجة؟ مصر تدخل الآن ضمن تصنيف الدول الفقيرة مائياً في الوقت الذي تقف فيه عاجزة عن ردع الدول التي ما انفكت تبني السدود أعلى منابع النيل، ولا يصلها من حصتها في المياه سوى القليل الذي صارت به "هبةُ النيل" تستجدي الماء من السماء !! ومصر العظيمة يقبع أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر وهذه الفئات العريضة من الشعب تسكن في أحياء"ولا أقول مساكن" عشوائية ويأكلون : العيش بالشاي !!

ونختتم هذه الجولة السريعة في تاريخ مصر بالإنتقال إلى ثورة 25 يناير لنتعجب مليّا كيف أن الدولة المصرية إعتبرتها ثورة شعبية وقد بدأت بعدد غير كبير من الشباب من الجنسين معروفين كذلك بالاسم والعدد، ولم يكن هناك ثورة بالفعل في يوم 25 يناير؛ لكن التعاطف الشعبي بدأ من يوم الثامن والعشرين من نفس الشهر من عام 2011 .. ثم أنها وبحق أصبحت ثورة عظيمة وعبقرية بعد ذلك بالفعل عندما انضم إليها جُلّ الشعب المصري، ورغم أن الثورة كانت أصلاً على الدولة والحكومة إلا أن نفس الدولة وحكوماتها المتعاقبة تعتبر الثورة نصراً عظيماً لها ، و بطولة تاريخية مصرية تُسجّل للإدارة المصرية !! وإمعاناً في هذا التزوير للتاريخ قامت الحكومة المصرية بحبس واعتقال النشطاء والأبطال الحقيقيين رموز ثورة يناير؛ ولا أدري لماذا يعتقلونهم ويعذبونهم وينكلون بهم كل هذا التنكيل ؟ ـ هل لأن الثورة إنجازٌ حكوميّ"حصريّ" عظيم؟! أم أن الثورة كانت عظيمة، لكن أبطالها مجرمون؟!! بالفعل بطولات كثيرة وكبيرة تتحقق على أرض مصر وتسطر التاريخ إلا أنها في معظمها بطولات شعبية فردية أو جماعية وليست بحال من الأحوال بطولات تاريخية للدولة والحكومة المصرية فقد كانت تلك البطولات أصلا هي نتيجة ثورة الشباب الأبطال على الدولة والحكومات المتعاقبة الفاشلة أصلاً !! ألا ساء ما يصنعون !! أي تزوير هذا بل وأي غمط للتاريخ عندما يكتبه أولئك المنهزمون الفاشلون على مرّ وتعاقب الحكومات في مصر!!؟ ***