دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الخميس 6/3/1440 هـ الموافق 15/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
التوافقات السياسية والخروج من الأزمات!!!...رامي الغف
التوافقات السياسية والخروج من الأزمات!!!...رامي الغف

 

 المتتبع للمشهد السياسي الفلسطيني خلال هذه الاسبوع، يرصد وبوضوح ديمومة في الحراك الوطني والفصائلي في ساحتنا الفلسطينية، ويعزو المراقبون السياسيون ان هذه الديمومة تأتي للوصول لإتفاق ينهي حالة الشرذمة والانقسام وتحقيق مصالحة وطنية والخروج من الازمة الحالية المتفاقمة، فالحراك السياسي النشط والتي يقوم به ممثلي حركتي فتح وحماس والتفاعل الكبير معه جماهيرا وفصائيليا ومن جميع مكونات الطيف الفلسطيني حتى بات لكل المتتبعين للشأن الفلسطيني بارقة أمل وبصيص ضوء في نهاية النفق.

لقد تسارعت هذه اللقاءات والاجتماعات تمهيداً لهذا الاستحقاق، وقد برز دور عربي هدفه توحيد الفلسطينيين خلف ورقة تفاهم واحدة وهو انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، حيث دخول قطر وتركيا على خط حل الأزمة الفلسطينية أعطى زخماً اضافياً لها، لكنه من الضروري ترقب مواقف لاعبين أساسيين ولا سيما مصر والسعودية، فهل سنشهد خارطة طريق جدية لحل الأزمة الفلسطينية قريباً؟

بالرغم من اختلاف النوايا ودرجات الحرص عند القائمين على هذه الحوارات واللقاءات إلا ان  مجرد التحرك لوضع حد لما نحن فيه يعتبر خطوة مهمة للتقدم الى الامام، لأن النجاح والفشل سيصاب به الجميع، فتمتين المشروع الوطني والتقدم بالعملية الوطنية والسياسية والسير بهما الى الامام سيكون لصالح الكل الفلسطيني، ولنا في الماضي القريب خير دليل وبرهان، فالسنوات العجاف التي مر بها الوطن الفلسطيني في ظل هذا الانقسام، كانت وبالا لكل ابناء شعبنا من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، والأجدر بنا ان ندع كل ما من شانه ان يرجع بنا الى الوراء وان ندع خلافاتنا جانبا الى ما بعد استقرار وطننا.

إن الخط المتوازي الثاني الذي تبشِّر به تلك الجلسات قد يبدو واضحاً بمرونة الخطاب السياسي والترحيب الحذر الذي ابدته حركتي فتح وحماس ازاء هذه اللقاءات كما بدا ذلك جلياً في تصريحات المسؤولين الكبار في كلتا الحركتين، وفي هذا المقطع تحديداً يعتقد الكثير من المراقبين ان الاجواء باتت شبه مهيأة لدخول جمهورية مصر العربية كطرف قوي ضمن الدائرة هذه او على الاقل لدخول السعودية فيه، وفي كل الاحوال فان انضمام مصر او السعودية او حتى الاردن يعتبران انجازاً وطنياً كبيراً يؤشر على حتمية الانتقال الى حقبة انقسامية وتشرذمات سياسية فلسطينية جديدة، ستزيد من فرص تدعيم المشروع الوطني باتجاهاته الوحدوية.

ولاشك ان مثل ذلك التواصل بين القيادات الفلسطينية وبحث الامور بتفاصيلها وجزئياتها وتهيئة الارضيات المناسبة لتشكيل حكومة الوحدة المقبلة بأسرع وقت وتجنب التأخير، يعكس الشعور بعمق وخطورة المسؤولية من جانب، ومن جانب اخر يؤشر الى اهمية مبدأ التوافقات السياسية لتحقيق المزيد من النجاحات في وطننا، ودفع المشروع الوطني الفلسطيني خطوات اخرى الى الامام، ولعل الشيء المهم هو ان تتمحور التوافقات السياسية على اولوية النهوض بجوانب الإعمار والتنمية والخدمات، التي ما زالت تعاني نقصا وقصورا واضحين، والتركيز على هذه الاولوية ينسجم الى حد كبير مع اطروحة الأخ الرئيس محمود عباس ودعوته المتكررة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وما يمكن ان يعزز تلك الاطروحة الواقعية والضرورية هو اتفاق الجميع تقريبا على حقيقة ان ملف الإعمار والخدمات ينبغي ان يحظى بأقصى قدر من الاهتمام لاسيما بعد ان طرأ تحسن غير قليل في الملف الاقتصادي خلال الاعوام الثلاثة الماضية وخاصة في الشق الاخر من وطننا.

بتحقيق المصالحة الوطنية يكون شعبنا وقيادتنا قد دخلوا مرحلة سياسية جديدة يفترض وينبغي ان تختلف عن سابقتها وسابقاتها، او بعبارة اخرى ينبغي ان تختفي كل المظاهر والظواهر السلبية التي عطلت مسيرة البناء والاعمار وعرقلت تقدم المشروع الوطني بإطاره العام والواسع، وفي المرحلة السابقة التي نحن على وشك طوي صفحاتها الاخيرة، شغل مفهوم المصالحة الوطنية حيزا كبيرا من التداول والاهتمام لدى الاوساط والنخب السياسية وغير السياسية، ولدى عموم الشارع الفلسطيني، وكان ذلك امرا طبيعيا حتمته طبيعة الظروف والتحديات والمصاعب التي واجهتها العملية السياسية في وطننا، ولا نبالغ هنا لو قلنا أن مشروع المصالحة الوطنية لو تحقق سيحصد نتائج طيبة لا بأس بها، ولكي تتعزز افاق النجاح، ونقطف المزيد من ثماره في المرحلة المقبلة فإننا مدعوون اليوم الى تطوير مفهوم هذه المصالحة الوطنية الى مفهوم الوئام الوطني ولا يكفي ان نكون متصالحين وإنما علينا ان نكون متوائمين متحابين يقف بعضنا ويساند الاخر ويتحسس آلامه، وإننا لا يمكن ان نحقق الوئام الوطني إلا من خلال مبدأ التكافؤ في الحقوق وفي الواجبات، وكما قلنا دائماً ان الحقوق حقيقة واحدة لا تتجزأ.

ولاشك ان المفاهيم التي تمثل مبادئ وثوابت تتفق عليها جميع القوى والفصائل والمكونات الوطنية والإسلامية والسياسية، مثل الشراكة الوطنية والخدمة الوطنية والمصالحة الوطنية والوئام الوطني والثقة يكمل بعضها البعض في الجوهر والمضمون، ومن غير الممكن الحديث عن واحد منها دون التطرق والخوض بالمفاهيم الاخرى، وفي ذات الوقت فإن تمتين وإنجاح المشروع الوطني الناهض في فلسطين، وترسيخ التجربة الديمقراطية والوطنية والسياسية،  ليس له ان يتحقق إلا بالوئام الوطني الحقيقي، او بعبارة اخرى ضمان حقوق جميع المكونات بصرف النظر عن حجمها وثقلها وتأثيرها، وهذا لا يمكن ان يتحقق إلا عبر مبدأ الشراكة الحقيقية، الذي بدوره سيوجد الثقة بين الشركاء الوطنيين والسياسيين ليوفر المناخات والفضاءات المناسبة للاستقرار السياسي والاستقرار الامني والاستقرار الاقتصادي، ومن ثم يفتح افاق التطور والازدهار في شتى الجوانب والمجالات وخاصة إعلان دولتنا الفلسطينة المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، فخارطة الطريق الفلسطينية للنجاح واضحة الى حد كبير وهي تبدأ من الشراكة وتنتهي بالإعمار والتنمية والخدمات.

اليوم ونحن جميعا نقف عند منعطف حساس وخطير، وعند محطة حاسمة، علينا ان لا نقع في اخطاء وقعنا فيها او وقع فيها اخرون في اوقات سابقة، وعلينا ان نفرز بين المناهج الصحيحة والمناهج الخاطئة، وعلينا ان نضع معايير وطنية عامة نحتكم اليها لنحسم خلافاتنا واختلافاتنا ونلتقي عند نقطة معينة، ونجتمع على رؤية واحدة، فمقومات وعناصر التوافقات الوطنية كثيرة وكبيرة، وما يجمع بين الشركاء في الوطن الواحد اكثر مما يفرقهم، والتنوع الفسيفسائي للمجتمع الفلسطيني، قوميا ودينيا وعقائديا وعشائريا ومجتمعيا وجغرافيا، يمثل نقطة قوة اكثر منه نقطة ضعف، وإذا كانت قد حدثت مشاكل وأزمات بين بعض مكونات المجتمع الفلسطيني الواحد في الماضي البعيد او بالأمس القريب، فليس لان هناك خللا في منظومة العلاقات والروابط الاجتماعية والسياسية والثقافية بينها، وإنما لان قوى وأطرافا خارجية دخلت على الخط وأرادت ان تفرض خياراتها وتمرر اجنداتها وتملي إراداتها، وربما لا يغيب عن بال الكثيرين من ابناء الشعب الفلسطيني مبدأ "فرق تسد" الذي عملت به قوى خارجية دولية في دول مختلفة من بينها فلسطين، وكانت له اثارا ونتائج سلبية مازال جزء منها ماثل لنا بمظاهر وأساليب وسياقات شتى وعلى رأسها الانقسام البغيض الاسود.

بكل تأكيد اننا نرحب بأي خطوة من شأنها ان تقوي مشروعنا الوطني وأن تدفع بالعملية الوطنية والسياسية الى الأمام من خلال تعزيز مبدأ الشراكة وتفعيل التعددية وممارسة المعارضة الايجابية سواء على المستويات الرسمية او الوطنية او السياسية، كما اننا نعتقد ان أي حراك خارج هذه الثوابت سوف لن يكون اكثر من زوبعة سرعان ما تجد نفسها خارج الفنجان.

*إعلامي وباحث سياسي