دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 8/3/1440 هـ الموافق 17/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نظرة إلى الوراء ...حوا بطواش
نظرة إلى الوراء ...حوا بطواش

وقفتُ أمام المرآة وتأمّلتُ في صورتي. عيناي الخضراوان، الواسعتان، لمعتا أمام فستاني الباريسي الأسود . بشرتي البيضاء بدَت ناصعة، متوهّجة، أكثر من أي يوم آخر، شعري البنيّ الطويل انسدل على كتفيّ بتموّجه الرقيق وأضفى رونقا على طلّتي.

ابتسمتُ لنفسي، ثم أغمضتُ عينيّ وتنفّستُ عميقا.

حين فتحتُ عينيّ من جديد، كانت أمي بجانبي، تتأمّلني بصمت.

«غيّرتِ الفستان مرة أخرى؟» سألتْ.

«ما رأيكِ في هذا؟»

لم ترُد، بل سألتْ: «من سيكون هناك أيضا؟»

«أميرة وزوجها.»

«من زمان لم أرَ أميرة. كم ولدا لديها الآن؟»

«أنتِ التي تسكنين في القرية أم أنا؟»

«من أين لي أن أعرف كم ولدا لكل واحدة؟ كل يوم يولد أطفال جُدد في هذه القرية.»

رمقتني بعينيها الخضراوين، الباهتتين، اللتين كانتا تلتمعان، يوما ما، مثل مياه بحيرة طبريا تحت أشجار الكينا. هكذا كان يقول أبي كل مرة كنا نبحر فيها على قوارب الكانو، دون أن يثنيَ عنها عينيه. تماما كما تفعل هي الآن. ولكنني أعلم أنها لم تعُد تفكّر بأبي.

بعد دقيقتين... أضافت: «أنتِ صديقتها وليس أنا.»

«لم نحافظ كثيرا على صداقتنا. لم نتحدّث منذ زمن طويل.»

«إذن، هذه فرصتك اليوم. لا تقطعي الصلة.»

«تقصدين أميرة؟»

«أميرة هي إمرأة لطيفة جدا. سيرين أيضا. أنت محظوظة.»

«نعم.»

تنهّدتْ عميقا وحدّقتْ بي بنظرتها القلقة التي أحفظها جيّدا، وأكرهها كثيرا، وعرفتُ ماذا ستقول وماذا سيحدث، ولكنني لن أدعها تفعل ذلك. ليس الآن بالتأكيد.

«أين حقيبتي؟» فتّشتُ في الملابس المبعثرة على السرير، تحت السرير، فوق الكومودينا. «يا الله! الآن فقط أخرجتُها من الخزانة. أين وضعتُها؟ أففف! الآن بالذات!»

استدارتْ وخرجتْ من الغرفة رافعة كتفيها، وأنا اقتربتُ من الخزانة، فتحتُ الباب الأوسط وأخرجتُ الحقيبة.

*         *         *

منزل سيرين كان كبيرا حقا. قادتني إلى كل غرفة فيه وكل زاوية لتدهشنيبجماله، ولكنني اكتفيتُ بالطابق الأول ورفضتُ الصعود إلى الطابق العلوي، إلى غرف النوم. رِجلي تؤلمني منذ البارحة. حقا؟؟ نعم، ولكن البيت رائع الجمال.

لم تتوقف سيرين عن الابتسام طوال المساء. كانت حريصة أن تُبرز للجميع، وبالأخص لي، كم هي سعيدة. رامي احتسى الكثير من القهوة، فنجانا إثر فنجان، وجلس بلا تعليقات لوقت طويل. استرقتُ النظر إليه من حين إلى آخرفبدا لي شاردا بعض الشيء منشغلا بالولد معظم الوقت.

«غدا ليس لديهم دوام.» قالت سيرين ولم تبدِ أي قلق إزاء الساعة التي تجاوزت التاسعة والنصف. حسن، وماذا يهمّها؟

بفستان من الشيفون الليلكي الفاتح وصندل بنفس اللون تماما، ذي كعب عالٍ جدا، كما دائما، جلستْ إلى جانبي الأيسر.

«هل تريدين المزيد من الكعك؟» سألت وهي تمدّ الصحن أمامي مع ابتسامتها الواسعة، وفي عينيها ميّزتُ لذة غريبة، أم أنها خُيّلت إليّ؟ أجبتُها بالنّفي، وهي ببساطة عادتْ لتجلس في مكانها واضعة رِجلا على رِجل.

كانت أميرة جالسة إلى جانبها الآخر وعلى شفتيها ابتسامة طفلة لم يخترها أحد كشريكة في اللعب، الأمر الذي كان يحدث دائما.  حسن، على كل حال، زوجها اختارها.

جلس محمود إلى جانبها، قريبا جدا منها، وثرثر بصوت عالٍ مع رامي، الذي حاول جاهدا توجيه انتباهه إليه، ولكنه لم يفلح كثيرا. فقد التصق به الولد ولم يكف عن تكرار طلباته طوال الوقت.

«بابا!»

«نعم، حبيبي؟»

«أريد كولا.»

«حاضر حبيبي.»

«بابا!»

«نعم، حبيبي؟»

«حمام.»

«بسرعة، حبيبي. هيا.»

قام من مكانه واصطحب الولد إلى داخل البيت. جلستْ سيرين بهدوء تام وحافظت على ابتسامتها. بدتْ كأنها لم تنتبِه أصلا أنه قام.

«إذن، متى سنناديك بالدكتورة منال؟» سألني محمود.

«المفروض أن أُنهي تعليمي آخر الصيف.»

«ممتاز. كل الاحترام لك.»

«هذا شرف لكل القرية. فكم دكتورا لدينا؟» قالت أميرة.

أخذ محمود كعكا آخر وبدا أنه لا يعدّ كم من الكعك يأكل.

«تريد الكولا؟» سألته أميرة فورا ولم تنتظر الإجابة. ملأت له كأسه من جديد.

شرب محمود بحماس مسموع. «ألا تشعرين بالملل في باريس؟» سألني.

«تقصد أن لا ملل في القرية؟»

«هنا يوجد كل شيء.»

«مثل ماذا؟»

«عائلة، بيت، أصدقاء.»

أميرة، التي نظرت إلى زوجها طوال الوقت، فجأة، استدارتْ بوجهها نحوي. تراكضت عيناها على وجهي لحظة طويلة، ولكنها لم تقل شيئا. دائما لا تقول. فكّرتُ في كلامه دقيقة أو اثنتين، ثم أجبتُ: «على كل حال، أبي لا يكون مُملّا ولا مرة.»

«عزيزتي،» قفزت سيرين إلى الحديث. «نفتقدكما في القرية أنتِوأباك.»

عاد رامي وجلس في مقعده. «لقد نام.» قال. «كان مرهقا وغفا بسرعة.»

فجأة، قلتُ: «تريد الكعك؟» وقدمته له.

«عزيزتي، لا تدعيه يأكل أكثر.» قالت سيرين. «إنه في حمية.»

أخذ الكعك وشكرني.

«لم أكن أصدّق يوما أنه سيسمن. إنه يجلس طوال النهار في المكتب، ثم يعود إلى البيت ويكمل جلوسه أمام التلفاز أو الحاسوب. فقط في الشهر الأخير زاد وزنه خمسة كيلو!» قالت سيرين وكأنه لم يكن حاضرا.

«كل عمل له إيجابياتهوسلبياته.» قال محمود. « في المصنع نحن لا نجد دقيقة واحدة للجلوس والراحة. هكذا طوال عشر ساعات متواصلة.»

تراكضت عينا رامي  هنا وهناك بلا ارتياح. كم هو هادئٌ اليوم، فكرتُ. ترى، هل حصل شيءٌ ما؟ وماذا يمكن أن يحصل أكثر من ذلك؟

ما أغرب هذه الحياة! إنها تفرش أمامك فرصا كبيرة في الوقت الذي لا تتوقعين فيه على الإطلاق، تمسككِ غير جاهزة،تُحرجكِ وتجعلك تشعرين بالعجز، لا خيار لديك إلا أن ترفضي، تتجاهلي، فتسحبُ من تحتقدميك كل ما فرشتْ، وبعدها... ببساطة...لا تعود.

كم كان مختلفا في تلك الحفلةحين رقصنا معاعلى ضوء الفرح. شعره البنيّ كان مجعّدا، تطاير من فوق جبهته بشغب. لماذا رفضتُه حقا؟ ربما لو أعدتُ له نظرة في تلك الرقصة، أو أرسلتُ له ابتسامة، لماكان معها الآن.مؤكدٌ أنه لم يكن أصلا ليفكّر في واحدة مثل سيرين. ولكنها كانت عنيدة، دائما كانت عنيدة، لم تتنازل. ولم يكن عليها أن تتعلم مثلي. ولماذا عليها أن تتعلم؟ كانت تعرف تماما ماذا تريد وقد حقّقت ما أرادت. وماذا، في الواقع،كنتُ أعرفأنا آنذاك؟ أنني سأتعلّم؟  وقد تعلّمتُ. ولكن الحياة تعلّمنا ما لا تنجح أية جامعة في تعليمنا إياه...  ولكن، ربما بتأخير ما.

«أليس ذلكواضحا عليه؟» صوت سيرين أعادني إلى الواقع.

«ما هو؟»

«زيادة  وزنه.»

رفع نظره إليّ، عيناه متأجّجتان، ولوهلة، خطر لي أنه تذكّر، مثلي، تلك اللحظات،وتلك الرقصة. أطبق الصّمتُ على المكان. جميعهم نظروا إليه، وهو  إليّ.

«لا.» قلتُ، وقمتُ من مكاني. «عليّ الذهاب الآن. كل شيء كان رائعا. شكرا لك سيرين.»

قامت أميرةأيضا، ومعها زوجها.

عندما وصلتُ إلى الباب، قالت سيرين: «سررتُ باستضافتك، عزيزتي. تعالي دائما.»

صافحتني وفارقتني بقبلات على وجنتيّ، وهو واقف هناك، بجانبها، قريبا جدا منها ولم يقُل شيئا.فقط نظر إليّ مرة أخيرة.

 

كفر كما

 16.1.16