دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الإثنين 13/1/1440 هـ الموافق 24/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صوت للبياض...فاطمة البار
صوت للبياض...فاطمة البار

صوت للبياض سأحدثكم عن لغتي و جمالها من جهة تبهر المشاعر وتحلق بالفكر ، فكم هي غنية ثرية نقية كنقاء البياض الذي سيحل ضيفا ممتعا على قلمي اليوم .

قلتُ كم ناصعٍ نطقَ البياضُ بحسنهِ حتى تراءى في السماء منيرا فكم للبياض من لغةٍ و جمال ، وكم له من دهشةٍ وسمو ، تصّاعد منه أنفاس الخُلّو، وتبتعد عنه دهشة الفتنة وفتنة اللحظة ولحظة الالتقاء .

لونٌ يغمرُ بحسنه الأحياءَ فيرقى بهم لمراتب النصاعة والجمال والنظافة و الصفاء ؛ و يلف الأموات تاركا لهم اللاشيء والفناء والضعف واللاحيلة . لو نطق البياض لقلّت حروفه واتسعت دائرةُ سناه ، فلا حديث غير الصمت يلف تكويناته ، كيف لا وهو الشيء واللاشيء ! هو الأساس في درجات تكوين بقية الألوان . ينير بضعفه ويحجب بقوته ، لذا فجبروته بين قوته وضعفه حيث لا يوازيه لونٌ سواه .

قيل أنّه يرمز لعدم الاتساخ ، وأضيفُ أنّ الاتساخ الأشمل ليس المحسوس المنظور ؛ لكنه الاتساخ القلبي النفسي الجسدي الخُلقي اللفظي الروحي إذا ما شئنا أن نعمم ، نعم فلكم أن تبحثوا عن زوايا لهذا البياض ، ولكم أن تُعلنوا أنه شيء لا شيء مثله ، فلا هو من الأشكال الهندسية المنحية ولا التي بدون زوايا ، تبرأت منه الأشكال كما فعلت قبل الألوان !

لو تركنا لأنفسنا فرصة لتأمل اللون حقيقة و صدقا لوجدنا عجبا! فهذا بريقه يشتد ليعبر لنا عن معانيه ويعبر بنا بحاره فنسكن في موانيه حيث هو السكون التام ، وهذا ما جعله حلّة الأموات في عالم السكون ، فلون لاصخب فيه ولا حديث غير الصمت لهو الجدير بهذه الحياة التي تصمت فيها الأشياء و تنام من كل شيءٍ إلا من سنا روحها الذي تدبّ فيه حياةٌ في برزخٍ لا نعلم عن لونه غير البياضِ الذي يلف أهله .

أرأيتم كيف هو اللون الذي علينا أن نخرج به ونُخرج له قبل عدة وعملا ! البياض الذي يتحدث باللاحيلة هو ذاته البياض الذي يصرخ في أول الحياة ، فغالبا يُلَف المواليد الجدد في لفائف بيضاء خالية من كل شيء سوى روائحهم العطرة الجديدة في هذه الحياة . ولو تأملنا لحظات الإشراق كل يوم حيث يولد يوم جديد ولحظات جديدة لكل مخلوق لوجدنا السنا الأبيض يدب في كل شيء ليدفعه لكل الأشياء ، ففي ظلمة الليل قبله سكون مريع ينجلي بأوائل إشعاعات البزوغ ، ولعل في صلاة الإشراق معان مثيرة لشكر هذا البزوغ في الروح وفي الكون ببياض يقول ( أنا يوم جديد ولعملك شهيد ) .

من البياض اشتقت أجمل الكلمات ورد ذكرها في القرآن الكريم كجزاء حسن للمتقين ( بيضاء لذة للشاربين ) ( بيض مكنون ) و ورد في وصف النبي الكريم عليه صلاة الله وسلامه ( وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ) و ( إذا تبسم كأنه القمر المنير ) فيا لجماليات البياض هنا حيث ينصع بكل حسن . قال البحتري ‎إِلى أَبيضِ الأَخلاقِ ما مرّ أَبيضٌ ‎من الدهر إلاعن جدى منه أَو رفد يقال في لغتي للأبيض المتصف بالبياض ، و للفضة ، ويقال موت أبيض لمن مات فجأة ، ويد بيضاء للدلالة على الإحسان والإنعام ، و يقال لانبلاج بياض الفجر الخيط الأبيض ، و يقال للرقيق أبيضا إذا كان من غير الجنس الأسود المعتاد ، و يقال للماء أبيضا إذا كان كمرض في العين ، و يقال فتحت صفحة بيضاء إذا طوي الماضي ، و يقال الذهب الأبيض للبلاتين ، و يقال الأبيضان للماء و اللبن ، و يقال نهارك أبيض تحية بمعنى سعد نهارك ، و من الأبيض اشتقت كلمات جمّة ذات صلة. و هذا غيض من فيض جمال لغتي التي تزدهي بها كتاباتي فهي المعبر بصدق عن مكنونات الأنفس . دمتم بنقاء البياض و جمال العربية . فاطمة البار