دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
للمرة الأولى... قانون للخطوبة يحدّد مدة زمنية ويفرض شروطاً جزائية في مصر
 للمرة الأولى... قانون للخطوبة يحدّد مدة زمنية ويفرض شروطاً جزائية في مصر

رغم أن العادات والتقاليد هي التي تحكم فترة الخطوبة، تقدمت إحدى النائبات البرلمانيات في مصر بمشروع قانون لتنظيم الخطوبة وتحديد مدّتها، بل وفرض شروط جزائية على من يخالف بنود عقد الخطوبة من الطرفين.
القضية مثيرة، فما هي تفاصيل هذا القانون المقترح؟ وماذا عن ردود الفعل عليه؟


في البداية تشرح الدكتورة عبلة الهواري، عضو اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس النواب المصري، فكرة القانون قائلة: «مشروع تقنين الخطوبة سيكون بناء على عقد موثّق بين أهل العروسين، وتُثبت فيه مدة الخطوبة وقيمة «الشبكة» والمهر، وفي حال الانفصال سيكون هناك شرط جزائي على المتسبب في فسخ الخطوبة، لأن هناك عادات غير شرعية، وليس لها سند شرعي تمارسها الأسر، مثل قائمة المنقولات التي تُحرر من الزوج لزوجته قبل عقد الزواج وليس لها سند في الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإن العرف الذي يحمي حقوق الطرفين لا يعارض الدين، الذي يعمل على التراضي وحفظ حقوق الأطراف، وخاصة في ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية، وعلى رأسها الزواج ومقدماته، ومنها الخطوبة».

وعن دوافع هذا الاقتراح القانوني، تقول الدكتورة عبلة «إن دافعها الأول هو وقف معاناة الكثير من أسر الفتيات، خاصة عندما ينسحب الخطيب بعد سنوات طويلة تصل أحياناً إلى عشر سنوات، ثم يفسخ الخطوبة وكأن شيئاً لم يكن، بعد أن عاش «مرحلة تسالٍ»، مما يسبب جرحاً عميقاً في قلب الفتاة ويؤثر سلباً في نفسية أهلها، وخاصة في مجتمعاتنا الشرقية، التي تُحمّل المرأة مسؤولية فسخ الخطوبة وفشل الزواج، مما يسبب لها مشكلة اجتماعية تختلف درجاتها، وخاصة إذا كان الخطيب السابق عديم الأخلاق ويشهّر بخطيبته السابقة وأهلها، بعد أن تعرَّف على كل أسرارهم، ولم يكن أميناً مع مخطوبته وأهلها، بل يستخدم معلوماته عنهم سلاحاً ضدهم».

وتضيف الدكتورة عبلة: «لست باحثة عن شهرة، بل أنا معايشة لآفات المجتمع، ولهذا فإن اقتراحي توثيق الخطوبة يهدف في الأساس الى ضمان الجدية والحفاظ على حُرمة البيوت، والأسرة التي تتعرض للابتزاز بكل صوره من بعض الخاطبين لسنوات طويلة، من دون أن يردعهم وازع ديني أو تربية أو قانون يضع ضوابط للخطوبة، ليعرف كل طرف ما له وما عليه، ويأخذ المظلوم حقه من الظالم بالقانون».

ترفض الدكتورة عبلة وصف البعض لمشروع القانون المقترح بأنه سيكون عقبة جديدة، تُضاف إلى العقبات الاقتصادية والاجتماعية التي تقف في وجه زواج الشباب وتزيد نسبة العنوسة، مؤكدةً أن الجاد في الزواج لن يتأثر بهذا القانون، بل سيفيده في الاستقرار السريع، أما المستهتر المتلاعب فسيفكر ألف مرة ويمتنع عن التلاعب بمشاعر بنات الناس، مما يجعل القانون المقترح يصبّ في مصلحتهن».

وتختتم الدكتورة الهواري كلامها موضحةً أن «توثيق الخطوبة» هو الاتفاق على وضع ضوابط وقواعد بين الأسرتين لكي يكون الزواج جاداً، ويكون ذلك من خلال عقد أو اتفاق مكتوب يوضح التزامات كل طرف، ويُنزل عقوبة بمن يخلّ بالشروط حفاظاً على حُرمات المنازل والأصول وحقوق الطرفين.


فتيات وشبان

«لها» التقت مجموعة من الفتيات والشبان للوقوف على آرائهم في «توثيق الخطوبة»، فماذا قالوا؟

سارة طارق، طالبة جامعية، تقول: «أؤيد الاقتراح، في ظل طول فترات الخطوبة التي تصل إلى سنوات، ثم تفشل لأي سبب، لتُعاد التجربة مع خطيب آخر، مما يؤدي إلى ضياع عمر الفتاة بين تجارب خطوبة فاشلة، بسبب رجال لا يقدّرون قيمة الحياة الأسرية، أو بسبب الشروط التعجيزية التي يمليها  أهل الفتاة، ولهذا لا بد من دراسة القضية بتأنٍ، مع وضع ضوابط لمدة الخطوبة، بدلاً من أن تظل لا محدودة».

نهال علي، ناشطة اجتماعية، تؤكد «أن تلك القضية أشبه بالدخول إلى «عش الدبابير»، حيث يعتبر مصير الخطوبة والزواج في خطر، بسبب تراجع نسبة الزواج وازدياد العنوسة، والمغالاة في تكاليف الزواج، واتباع عادات بالية لا تزال مسيطرة على العقول، مما أدى إلى ركود في سوق الزواج، ورواج في سوق الطلاق، ولهذا لا بد من مناقشة القضية بحذر وليس بسيف القانون فقط، لأن الوعي الصحيح أفضل من القانون، وأنا شخصياً أؤيده من حيث المبدأ، أما التفاصيل فهي قابلة للمناقشة والتعديل».

أما شروق أحمد، وهي باحثة قانونية في أحد مراكز حقوق المرأة، فتقول: «أتحفظ على البدء بسن التشريعات لتوثيق الخطوبة، والأفضل البدء بتنظيم حملة توعية شاملة من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والثقافية، لتغيير المفاهيم الخاطئة التي أدت إلى إطالة فترة الخطوبة بهذا الشكل اللامعقول، فتغيير الأسباب يؤدي إلى تغيير النتائج، ولهذا أرفض توثيق الخطوبة، لأنها تكون أقرب إلى الزواج، مما قد يؤدي إلى استباحة المحرّمات، وتتحمل الفتاة وأهلها نتيجة ذلك، فيكون علاج المشكلة البسيطة بمشكلة أكبر».

ويقول محسن أحمد، طالب جامعي: «أرفض الخطوبة إذا كان سيتم توثيقها ووضع قيود على حرية اختياري، لأن الخاطب يصعب عليه التعرف على عقلية خطيبته وأهلها، في مدّة لا تتجاوز الشهور، ولهذا فإن الحل يكون في أن يُحسن الخاطب اختيار شريكة حياته، والتأكد من أنها «بنت أصول»، وأهلها ليسوا أسرى عادات وتقاليد بالية، فيشترطون عليه شراء شقة فخمة، وتجهيزها بالحاجات والكماليات، وأن تكون «الشبكة» باهظة الثمن... فماذا يفعل الشاب إزاء هذه المطالب في ظل المداخيل المحدودة! هذا إذا وجد فرصة عمل أصلاً».

كرم محمود ، طالب جامعي، يقول: «أؤيد هذا الاقتراح، الذي يستفيد منه الجاد في الزواج، مما يجعل أسر الفتيات يتساهلون في طلباتهم حتى يتمّموا الزواج في أسرع وقت ويحافظوا على سمعة ابنتهم بدلاً من اللجوء الى القضاء أو دفع غرامة مالية لأنهم لم يلتزموا بما تم الاتفاق عليه، ورُبّ ضارة نافعة».


تضارب قانوني

عن موقف القانون من هذا الاقتراح، يؤكد المحامي منتصر العمدة، أن العرف الاجتماعي يمكن تقنينه إذا وافق عليه مجلس النواب، فمثلاً «قائمة الأثاث» ليس لها أصل في الدين، لكن العرف الاجتماعي يعطيها صفة قانونية وتطالب بها الزوجة إذا وقع الطلاق، بالتالي يمكن أن يتم «تقنين الخطوبة وتوثيقها»، رغم أنه أمر غريب على المواطنين حالياً، لكنه سيكون مقبولاً مستقبلاً إذا تم إقراره.

ويوضح منتصر العمدة، أن للاقتراح جوانب إيجابية وسلبية، ولهذا يجب مناقشته جيداً، بحيث يتم التقليل من السلبيات والاستفادة من الإيجابيات، وبالتالي فهو أمر قابل للدراسة المتأنية، مع العلم أنه لا يخالف نصوص الشريعة الإسلامية التي ينص الدستور على أنها المصدر الرئيس للتشريع في مصر.

على النقيض من ذلك، يتحفظ المستشار محمد إبراهيم، على مشروع القانون، مؤكداً أن المستهترين بالخطوبة هم قلّة لا يُقاس عليها، كما أنه من الناحية القانونية فإن الخطوبة ليست عقداً، ولم تكن كذلك في السابق منذ ظهور الإسلام قبل أكثر من 1400 سنة، بل إن الشريعة الإسلامية التي هي المصدر الرئيس للتشريع تؤكد أن «الخطوبة مقدّمة من مقدّمات الزواج ونوع من الوعد، والهدف منها التعارف بين الخاطب ومخطوبته وبين أهل العروسين، فإذا ثبُت التفاهم أكملوا عقد الزواج، وإذا وجدوا عدم اتفاق أنهوا الخطوبة»، وبالتالي فإن تقنين الخطوبة وتوثيقها مخالفان للشريعة والعرف والقانون.

ويشير المستشار محمد إبراهيم إلى أن المشرّع نظم، إلى حد ما، الأضرار في حالات فسخ الخطوبة، والمعمول به في المحاكم المصرية، حيث يفقد الخاطب ما قدمه من «شبكة» وهدايا إذا كان المبادر في الفسخ، والعكس بالنسبة الى المخطوبة صحيح، ومن المعروف أن مصر تعاني من ارتفاع سن الزواج، وعدد الزيجات أقل من الطبيعي بالنسبة الى عدد السكان، وبالتالي فإن إنزال عقوبات أو فرض جزاءات على الخطوبة من شأنه خلق مشاكل كبيرة في المجتمع، وتقليل نسبة الزواج، ولهذا فإنه إذا كان الهدف نبيلاً لحماية الفتيات وأسرهن، فلا بد من أن يكون الحل أقل ضرراً، لأن الضرر الأقل يُحتمل في سبيل دفع الضرر الأكبر.


اقتراح جيد ولكن...

ترى النائبة نشوى الديب، عضو مجلس النواب، أن الفكرة جيدة لكنها تتطلب تعديلات، بحيث نقلل من تأثيرها السلبي في نسبة العنوسة المتزايدة بالفعل، وفي الوقت نفسه لا بد من تهيئة المجتمع لمثل هذا القانون إذا تم إقراره في مجلس النواب، وكذلك لا بد من أن يقوم الإعلام بالدور المنوط به في نشر الوعي بما يتوصل إليه مجلس النواب، لأن هناك إيجابيات في المشروع الذي لا يتضرّر منه الجادون في الزواج.

وتلفت نشوى الديب إلى أنها تؤيد كل اقتراح يعمل على تنظيم العلاقات الأسرية وضبط مسار الخطوبة، التي تحدث فيها أحياناً مخالفات للدين والعرف، في ظل تساهل الأسر أملاً في إتمام الزواج، مما يؤدي إلى نتائج كارثية تدفع ثمنها الفتاة المخطوبة وأسرتها، فيما يخرج الخاطب من المشكلة بلا أي ضرر أو محاسبة، رغم أنه قد يفسخ خطوبته بعد سنوات طويلة، ولهذا لا بد من إطار قانوني للحفاظ على حقوق الطرفين، والقانون لا يمانع في توثيق الحقوق ليعرف كل طرف حقوقه والتزاماته، من خلال عقد يضمن الجدية والبعد عن اللهو والعبث.


القبول الاجتماعي

عن مدى تقبّل المجتمع المصري والمجتمعات العربية لمثل هذا التشريع المقترح، تؤكد الدكتورة عنان محمد، أستاذة علم الاجتماع في كلية البنات في عين شمس، أن الخطوبة عرف مجتمعي له أصل ديني ويختلف في طريقته ومستواه وضوابطه باختلاف الطبقات، اجتماعياً ومادياً، ولهذا نجد أن للخطوبة طقوساً وتقاليد تختلف من مجتمع لآخر، إلا أن هذه الطقوس ليست مقدّسة، بل تتغير بتغير الزمان والمكان، ولهذا قد نجد داخل الدولة الواحدة أشكالاً وضوابط مختلفة لها.

وتطالب الدكتورة عنان بطرح القضية بشكل أوسع في مجلس النواب، وذلك من خلال مناقشتها في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات النسائية والاجتماعية، لإبداء الرأي وإجراء التعديلات المطلوبة وتحديد الأولويات، حتى لا نعالج مشكلة بمشكلات، خاصة أن معدلات الزواج في مصر متدنيّة بالفعل، كما أن معدلات الطلاق في ازدياد مستمر لأسباب عدة، منها طول فترة الخطوبة بسبب مضاعفة تكاليف الزواج وإغراق كل من الطرفين للآخر في الديون التي تؤدي إلى تزايد العصبية والرغبة في الانتقام، ولهذا لا بد من التأني في مناقشة القضية وعدم التسرّع في الرفض أو القبول بمشروع القانون المقترح.


تغيير العادات

أما عن القبول النفسي لدى الشعوب العربية لمثل هذا الاقتراح، فترى الدكتورة رباب الششتاوي، أستاذة علم النفس التربوي، أن تغيير العادات والتقاليد من أصعب الأمور من الناحية النفسية، ولهذا فإن الأمر ليس مجرد قانون يتم إقراره فقط، بل لا بد من دراسة عواقبه ومدى تقبّله في مجتمعاتنا العربية، التي تتصف بـ»الذكورية» التي تظلم المرأة في مختلف مراحل عمرها، سواء من خلال تطويع نصوص الدين أو إساءة فهمها وتأويلها.

وتوضح الدكتورة رباب أنه ليس من المستحيل تغيير بعض العادات والتقاليد الضارة، مهما كانت درجة رسوخها في نفوس الشعوب، بدليل التراجع المستمر في معدلات ختان الإناث بسبب سيف القانون المصلت، والوعي الإعلامي والأسري، وتبرئة الدين من أي علاقة له بهذه العادة السيئة، كذلك يمكن زيادة الوعي المجتمعي بأهمية تيسير الزواج والتقليل من نفقاته، مما يؤدي تلقائياً إلى تقليل مدة الخطوبة، وما يحدث فيها من تجاوزات، لأننا يسّرنا الحلال وأغلقنا أبواب الحرام.


النقاش المجتمعي

تؤكد الدكتورة رانيا يحيى، الأستاذة في أكاديمية الفنون وعضو المجلس القومي للمرأة، أن القضية حساسة ولا بد من التأني في دراستها، من خلال استبيان عام ونقاش مجتمعي تشارك فيه بقوة منظمات المجتمع المدني والجمعيات النسائية، للوصول إلى الأفضل بلا تعصب أو تسرع، لأن لكل حلّ آثاراً جانبية سلبية يجب العمل على الحد منها قدر المستطاع.

وتلفت الدكتورة رانيا يحيى الى أنها ستحفّز المنظمات المهتمة بقضايا المرأة، وعلى رأسها المجلس القومي للمرأة، الذي يقود سفينة العمل النسائي في مصر، على التعاون مع منظمة المرأة العربية وغيرها من المنظمات النسائية العربية، لعمل «لوبي» يهدف الى نصرة المرأة العربية وإزالة كل أشكال الظلم والتمييز ضدها، ومنها مدة الخطوبة اللامحدودة، مما يلحق الضرر بالفتاة وأهلها، فضلاً عن الإساءة  الى سمعتها وسمعة أهلها، كمبرر للفسخ من جانب الخاطب المستهتر.