دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 5/3/1440 هـ الموافق 14/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
العرض الكوريغرافي 'توحشّت' لــ ثريا بوغانمي في مسرح الحمرا بجينيف : (من واقع المرأة التونسية الى كونيّة الهمّ الانسانيّ)
 العرض الكوريغرافي 'توحشّت' لــ ثريا بوغانمي في مسرح الحمرا بجينيف : (من واقع المرأة التونسية الى كونيّة الهمّ الانسانيّ)

جمال قصودة:

 المكاسب التي حققّتها المرأة التونسيّة ،ليست مكاسبا مسقطة على واقعها الاجتماعي بل ثمرة لنضالات

و عذابات نسويّة من أمد بعيد و في شتّى المجالات: التشريعيّة بداية ، الاجتماعيّة و الابداعية و غيرها  ، و خاصة في هذا المجال الاخير الذي كانت المرأة فيه موصومة بشتّى النعوت جرّاء ثقافة ذكوريّة منغلقة و متسلّطة رافضة لأي ابداع نسويّ ، انخراط المرأة التونسيّة في معارك تحرّرها كان وما يزال انخراطا واعيا لهذه كانت محامله متنوّعة لا بل فنيّة في غالبها ، عميقة في طرحها ، منطلقة من واقعها المحكوم بالتناقض الصارخ توّاقة الى فضاءات أكثر اتّسعا فيها  الحريّة المشتهاة و المساواة التي تحققت تشريعيا و تحتاج نضالات أكبر لتصير واقعا معاشا ،

في نفس هذا السّياق تخوض مبدعة  كوريغرافية  تونسيّة    معاركها  – الفنيّة-  بوعي شديد و بعمق أشدّ

و بثبات أكبر تتدرّج فيه  على سلّم النجاحات لتدرك شمسها / حقيقتها :

ثريا بوغانمي استاذة رقص معاصر بالمعهد العالي للموسيقي و المسرح بالكاف، متحصلة على الماجستير في  العلوم الثقافيّة من المعهد العالي للمسرح بتونس ،ارتباط حسّها و حضورها الفنيّ بالتحصيل العلميّ و الاكاديميّ جعل عروضها تتّسم –كما ذكرنا  سابقا – بعمق الطرح المتعلّق بأهداف فنيّة / جماليّة و اخرى أهداف و رسائل مضمونيّة /فكريّة لها أبعادها التحرّرية و التنويريّة في زمن التوحّش و الارتداد  الى حجريّة  العصور   البليدة   ،  هذه  الرؤية  المتكاملة  للفن ّ  كان  لها   ان تثمر

 نجاحات و مشاركات وطنية و عربيّة متعدّدة ينتشر معها عطر الفعل الفنيّ و يجوس بالارجاء ويعمّ نور

 المرأة/ الفكرة السّاطعة التي تحمل همّها المبدعة و تسعى بها نحو الثّريا ،

عرض "توحشّت" من واقع المرأة التونسية الى كونيّة الهمّ الانسانيّ:

كلّما التصق المبدع بأديم أرضه / واقعه ، بهمومه نجح في معانقة الكونيّة فالعمل الفنيّ على حد تعبير علي أحمد سعيد ( أدونيس) هو" تفكيك البنى السببيّة  للواقع المحكوم بالتناقض الصارخ و اعادة  تشكيلها جماليّا ،"

الهم ّ الانسانيّ واحد و لكن أغلب المبدعين الذين عانقوا الكونية و لامسوا همومها و تطلّعاتها انطلقوا من همّهم الواقعي الفرديّ او الجمعيّ و هذا ما نجحت فيه ثريا بو غانمي لاني ككاتب ينتابني الفخر أن مبدعة كوريغرافية استوحت عرضها الموسوم بعنوان " توحشّت" - و لنا عودة للعنوان- من رواية لكاتبة تونسيّة أيضا وهي "فتحيّة الهاشمي"  من خلال روايتها " مريم تسقط من يد الله" ، هذه الأخيرة شبيهة جدّا بالاولى – ثريا بو غانمي – في وعيها بمعركة تحرير المرأة التونسيّة ، اذا  العرض الكوريغرافي "توحشّت " عرض تونسيّ خالص في منطلقاته و في أدائه و في همومه أيضا ،بالنسبة للعنوان قد يتوهم المتتبع البسيط ان العنوان بالعامية التونسية منطلقه " الشوق" باعتبار اننا نعبّر عنه بــ "توحشتّك" و الواقع أن ثريّا بوغانمي تقصد معنى اعمق فالعنوان فصيح تقصد به التوحّش هذه الدلالة المخاتلة نجحت في خرق انتظارات المتقبّل و هذا نجاح أوّل للعمل الفنّي ،هذا التوحّش  الذي تروم من خلاله ثريا بوغانمي نقد البعد الغريزي الحيواني الذي يلصق بالمرأة من طرف الثقافة الذكورية المتوحشة و المهيمنة ، العنوان صرخة في وادٍ تدعو من خلالها ثريا المراة الى اكتساب القوّة- المعنويةو الفكرية- لمجابهة هذا التوحشّ الذكوري ،   النجاح في العنونة لا يعني البتّة الانتصار للخواء لان العرض أيضا حقّق نجاحه من خلال فعاليات تظاهرة "تونس عاصمة الرقص" الملتئم في دورته السادسة عشر في ماي الفارط و الذي نالت فيه  ثريا بوغانمي ،  جائزة  لجنة  التحكيم  تنويها بالعرض المتكامل،

عن "توحشت" و في تصريح لجريدة المغرب التونسيّة تتحدث ثريا بوغانمي عن العرض  فتقول :" عمل توحشت هو في الحقيقة صورة لامرأة لاحقني انينها و عذابها منذ تقريبا خمس سنوات و انا طالبة بالمعهد العالي للفن المسرحي عندما اطلعت على رواية مريم ؛؛تسقط من يد الله ؛ للكاتبة التونسية فتحية الهاشمي التي اتقنت عن طريق الكتابة التوغل في عوالم هذه المرأة "

هذه المرأة الساعية للانعتاق التي تسكن عرض "توحشت" وتستقر  بقلب و جسد" ثريا "  اختارت نفس الجسد  المسلّط عليه سياط الازدراء من ثقافة و حضارة امعنت في السادية و المازوشية في آن ،  لهذا الجسد لغته القادرة على خوض المعارك و الانتصار فيها للفكرة برغم الصمت و رغم الديكور البسيط  مجرّد كرسي أحمر فاقع بلون الدم المسفوك في زمن التوحّش ،و رغما عن هذا و ذاك يحلّق الجسد الراقص بعيدا  الى تخوم سدرة المعنى فيؤدي رسالته و يبلّغ الدلالة و المعاني ،

بعد النجاح في تجسيد هموم المرأة التونسية من خلال هذا العرض كان له و لصاحبته ان  يلامسا الكونيّة و تطّلعاتها من خلال عرض مرتقب في مسرح الحمراء بجينيف المقرّر انجازه بتاريخ 09 ديسمبر /كانون الاول القادم ، هذا العرض المرتقب نجاح آخر للمرأة التونسيّة أولا و لعرض " توحشّت" .