دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الثلاثاء 4/3/1440 هـ الموافق 13/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المهاجر في قصص 'هي وهو'...د. حميد لشهب
المهاجر في قصص 'هي وهو'...د. حميد لشهب

تحمل قصص "هي وهو" للأديبة المغربية غادة الصنهاجي (الدار البيضاء 2016)، إلى عالم خاص بالمرأة والرجل في مجتمعنا، معرية بحركات متأنية عن مجموعة من المشاكل التي يتخبط فيها "الحب" والعلاقات الغرامية وما ينتج عنها من اتصال وفراق، غيرة وخيبة أمل إلخ، في مجتمع لا يكون فيه الزواج نتيجة حب حقيقي في غالب الأحيان، بمقدار ما يكون ذاك المسرب الذي يقصده الطرفان بأهداف لا تكون معلنة منذ البدء، بقد ما تكون أملا لا يتحقق في غالب الأحيان. اختارت الكاتبة لغة شفافة، تحكمت في تلافيفها تحكم الفارسة بحصانها، موجهة إياه بعناية فائقة لإيصال رسائل مهمة، بأسلوب مرن واستعارات، توشي بأنها متمكنة بما فيه الكفاية بلغة الضاد وقوانينها وخطابتها.

 

كنحلة شغالة، تُطعم الصنهاجي حكاياتها حول موضوع "المرأة والرجل" مرة عسلا وأخرى علقما. وما يثير الإنتباه هو أن القاصة لا تسقط في التمثلات النمطية المعهودة عن الرجل والمرأة، بقدر ما تفتح الباب على مصراعيه لتعري الرجل من كل الألبسة التي كانت تُوهم بأنه القوي دائما والمتحكم والمتسلط إلخ، لنراه في هذه القصص ينال قسطه من الضعف والهوان وقلة الحيلة إلخ.

 

الكتاب غني بالمواضيع التي تتحكم وتحكم العلاقة بين الجنسين عندنا. ولهذا السبب حط اهتمامنا على موضوع يظهر لنا بأنه محوري، نظرا لخاصيته العميقة، بما أنه يحدث في فضاءات جغرافية وثقافية وحضارية مختلفة. والموضوع المقصود هو "العلاقة بمهاجر".

 

هناك الكثير من القصص القصيرة في "هي وهو" تتطرق إلى هذا الموضوع من جوانب مختلفة. تقول الكاتبة في قصة "خسارة" مثلا: "كانت تعاند أكثر وتتمرد أكثر، ولم أكن قادرا على التخلي عن دور الرجل والقبول بصفة لا شيء؛ لكنها لم تكن لتتركني أمارس حتى ذلك اللاشيء". هناك علاقة متوترة بين المرأة والمهاجر. وهي علاقة تحكمها ثوابت لا يفهمها منطق أية حياة زوجية. يهاجر المرء (في هذه الحالة الرجل)، برواسبه الثقافية والعقلية الأبيسية الرجولية، وتحاول المرأة العيش في عالم مادي ليس عالمها، يُشعل فتيل الحرب الزوجية في البيت أو أنها تُمارس عيشة تقشف عسيرة لادخار ما يمكن ادخاره مما يرسله الرجل، احتسابا لضربات القدر.

 

في عمق قضية الهجرة، نجد أيضا استغلال الزواج من مهاجر هروبا من عالم ظالم بحثا عن عالم آخر، كما في قصة" الجسر": "كنت القاصر الضحية لزواج مدبر من شخص أباح له العقد اغتصابي كل ليلة". هو إذن زواج براغماتي غير عقلاني، بل نوع من القمار بـ"سعادة" الآخر والسعادة الشخصية. هناك تعويض فعل "أحب" بفعل "سُجن"، بل استغلال سذاجة الآخر أيما استغلال بعيدا عن كل الأعراف الأخلاقية: "فرجوتك الزواج مني؛ لكنك وضعت شروطا أهمها ألا تتم الدخلة إلا بعد أن آخذك إلى البلد الذي أعمل فيه ... رفضت أن تلمسك يدي ... وحين انتهى اللين بدأت أشدد المعاملة معك. وكان ذلك ما تصبين إليه، فلقد توجهتِ بعدها إلى السلطات وإلى الجمعيات ...، وأخذوني إلى السجن. وبعد قضاء المدة المحكوم بها عليّ وخروجي من السجن، سحبوا أوراق إقامتي وطردوني؛ فقررت تطليقك. وحين أخبرت المحامي بأنك ما زلت عذراء، ولم ألمسك؛ ضحك كثيرا وهو ينظر إلى عقد الزواج ...". تحكي الكاتبة هنا وكأنها تقوم بتشخيص فعلي لما يروج في المجتمع، فهناك الكثير من الأمثلة من هذا القبيل في الواقع الفعلي. وبهذا فإن القاصة تتفنن في لمس حيطان الواقع، مُقحمة إياه في خيوط خيال، معبرة بذلك عن معاناة أناس من لحم ودم، يتصرف كل طرف طبقا لنوايا معينة، دون مصارحة الآخر مسبقا بتلك النية، بل باللجوء إلى النصب والإحتيال، أي المرور من دور "الضحية" إلى دور الجلاد.

 

في نفس الموضوع تُشخص الصنهاجي نوعا آخر من العلاقة بين المهاجر وأجنبية في قصة "غُربة"، وكل ما يترتب عن ذلك من تفاوت في الثقافة وفهم الحياة ومشاريعها: "يأتيك شرقك البعيد أحيانا برياح من الغباء، فتنقلب أبله لا تدري ماذا تقول. غيرة حمقاء تنتابك بين الفينة والأخرى، وذكورة بائدة من عصر آبائك وأجدادك تقوم من مرقدها لتكشف لنفسك أنك رجل عربي، وماذا لو كنت رجلا؟". في هذه اللحظة بالذات، يعي المهاجر اختلافه، وقد أقول تخلفه وجهله، عندما يؤكد بنفسه: "كنت أريد امتلاكك بأوراق وبمباركات وبأولاد منك. وبدا اختلافك عن شرقي جليا حين لم تقفزي فرحا حين خطبتك. عقدت حاجبيك وغضبت. قلت إني أحمق في قولي، وإنك صدمت في تصرفي".

 

نلمس الكثير من التراجيديا في موضوع المهاجر وعلاقته بالنساء، سواء أكن أجنبيات أو بنات البلد. وهي علاقات مليئة بالإحباطات المتبادلة، لأنها مؤسسة على "انتظارات" غير معلنة، وليس على حوار/تواصل بالمعنى الحقيقي للكلمة.

 

عموما فإن "هي وهو" هو عمل إبداعي يضع الأصبع على العلاقة المتشنجة بين الرجل والمرأة عندنا. من هنا يمكن اعتباره عكسا أمينا لواقع اجتماعي جد معقد، سابح في بحيرات نرجسية، في جغرافية وفضاء ثقافي مليئ بالجهل بكنهه الحب والعلاقات الإنسانية التي قد تنتج عنه. فبما أننا مجتمع يتم فيه الزواج من طرف الرجل رغبة في "لحم" حواء بالدرجة الأولى، وتقترن المرأة منتظرة أن يلبي لها الرجل كل الرغبات التي لم تحققها، سواء أكانت مادية أو معنوية -بل أكثر من هذا تنتظر من الرجل أن يكون الزوج والأب والأخ والحبيب والطبيب النفسي إلخ-، فإننا لن نفهم بعد بأن الزواج ليس هو الحب، والخلط الفض بينهما هو سبب تعاستنا.