دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إستقبال أردني لفلسطين ...حمادة فراعنة
إستقبال أردني لفلسطين ...حمادة فراعنة

  اللقاء الفلسطيني الأردني ، يوم 29/1/2018 الذي جمع رأس الدولة الأردنية ، الملك عبد الله ، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، والوفدين المرافقين ، وما سبقه من إستقبال بروتوكولي رسمي للرئيس الفلسطيني بالسلام الوطني واستعراضه حرس الشرف ، وغيرهما من إجراءات ، رسالة أردنية واضحة فاقعة لكل عين ، تعكس موقف الأردن الواضح الثابت عن : أين هو ؟؟ ومع من ؟؟ وما هدفه ؟؟ .

الأردن أراد من عملية الإستقبال الرسمي للرئيس الفلسطيني وبما يليق به ، أراد أن يبعث رسائل متعددة للداخل وللخارج ، للذين يتوهموا أن الأردن يمكن أن يتورط بأي عمل أو فكرة أو تجاوب لمشروع ضم ما تبقى من فلسطين للأردن نزولاً عند ضغوط أميركية أو إغراءات موازية ، وما تبقى من الضفة الفلسطينية مقطتع منها ثلاثة مواقع جغرافية هي :

1 – القدس ، 2- المستعمرات الإسرائيلية ، 3- الغور ، وما تبقى يتم التخطيط الإسرائيلي الأميركي المشترك نحو العمل بإتجاهين : أولاً : وهو الأخطر إلحاق مواطني الضفة الفلسطينية بعلاقة ما مع الأردن ويطلق عليها وحدة ، إندماج ، فدرالية ، كونفدرالية ، عفاريت ، المهم تخليص المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي من مسؤولية إدارة هذا القطاع من الفلسطينيين ، ورمي مستقبلهم وتوسعهم ومصيرهم نحو الحضن الأردني ، وربط هؤلاء السكان بالأردن ، بدون أرض ، فالأرض إسرائيلية وفق برنامجهم العدواني ومخططاتهم الإستعمارية التوسعية فهي : يهودا والسامرة ، يقيم عليها مواطنون يحملون صفة " مقيم " كما هي معاملة أهل القدس من وجهة نظر القانون الفاشي العنصري الإسرائيلي ، فالأرض والمياه والسيادة وما تبقى من الضفة الفلسطينية تتبع للمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، بينما المواقع الجغرافية الثلاثة : القدس والمستعمرات والغور فيتم ضمها رسمياً للمستعمرة الإسرائيلية وينطبق عليها ما ينطبق على حيفا ويافا وعكا وصفد وبئر السبع وسائر المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948 ، ومثلما يتم إلحاق وضم ما تبقى من الضفة الفلسطينية للأردن ، تُفرض الوصاية المصرية على قطاع غزة بعد أن يُطلق عليها دولة فلسطين العظمى . ولكن إذا واصل الأردن رفضه التورط بمثل هذا الحل الذي سيكون على حساب شعبه وهويته وأمنه الوطني ، لأن الأردن بهذا الحال سيكون الوعاء لإستيعاب تدفقات الهجرة الإجبارية للفلسطينيين نحو الأردن ، لأن مساحة ما هو مُتاح لهم بدون القدس والمستعمرات والغور ، يجعل ما تبقى من أرضهم طاردة لأهلها وشعبها ، بإتجاه طريق واحد مفتوح لهم وهو الأردن . ثانياً : إذا واصل الأردن رفضه وتعذر بلعه يتم العمل نحو الإقتراح الثاني وهو إلحاق مواطني الضفة الفلسطينية بدولتهم العظمى المستقلة التي ستعلن من قطاع غزة ، وإلحاق مواطني الضفة بدون أرضهم المتقطع منها ثلاثة مواقع جغرافية هي : 1 – القدس ، 2- المستعمرات الإسرائيلية المقامة على أرض الضفة ، 3- الغور ، وما تبقى لا تكون السيادة الأمنية فيه للفلسطينيين بل مجرد شرطة في المدن تحكمها البلديات وينطبق عليها القانون الفلسطيني ، بلا سيادة ، وهذا الحل المقترح يلبي ثلاثة شروط أولها يستجيب لرغبة الفلسطينيين في الحفاظ على هويتهم الوطنية ، وثانيها يستجيب للمصلحة الإسرائيلية في التخلص من الديمغرافيا ، فالسكان فلسطينيون يتبعون لدولتهم المستقلة في قطاع غزة ، بدون أن يحققوا الاستقلال والسيادة ولذلك لن يحصلوا على حق المواطنة الإسرائيلية ، فالمشروع الإسرائيلي يريد الأرض ولا يريد السكان ، وثالثها يستجيب للقرار الدولي لحل الدولتين ، مع بقاء الخلاف على تفاصيل وليس على جوهر القضية أن الأرض كل الأرض للشعب الفلسطيني نصفه مطرود ونصفه الأخر يعيش تحت الإحتلال ، والحل الذي يجب أن يُلبي شروط الحل بإتجاهين : العودة للاجئين والإستقلال للمقيمين . وفي هذا المجال وليس بعيداً عن جوهر الموضوع ، لا أحد يتوهم أن معيقات الدعم الأميركي وتقليص وجفاف المساعدات الأخوية من بعض الأطراف العربية ، ليس له علاقة بالعمل والضغط على الأردن وإجباره للسير نحو حل سيوفر تسهيلات الدعم والتغطية المالية لإستيعاب حل المشكلة الفلسطينية في الأردن وعلى حساب هويته الوطنية وأمنه الوطني ، فالعوامل الضاغطة على الأردن ليست بريئة من هذا الهدف السياسي لإعادة حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خارج فلسطين ، كما حصل بعد عام 1948 ، إذ نجح المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي برمي القضية الفلسطينية وتبعاتها من اللاجئين إلى الحضن العربي عبر جعل قضية اللاجئين قضية إنسانية تشترك وكالة الغوث في تحمل تبعاتها مع لبنان وسوريا والأردن ، حتى نجح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بإعادة الموضوع الفلسطيني برمته إلى الوطن ، بعد الإنتفاضة الأولى عام 1987 ، حيث عاد الصراع وبات على أرضه بعناوينه الجوهرية بين المشروعين المتناقضين : المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني ، في مواجهة المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي . إستقبال الأردن الرسمي يوم 29/1/2018 ، لفلسطين الرسمية ، في ظل المعطيات والتشويهات والتسريبات الجارية ، سيسجل على أنه إحدى محطات الصمود الأردني في وجه الألاعيب الأميركية الإسرائيلية ، وإن طاقم الرئيس ترامب وفريقه اليهودي جاريد كوشنير ، وجيسون جرينبلات ، وديفيد فريدمان ، ومعهم الفريق المسيحي الصهيوني المتعصب Evangelicals المكون من نائب الرئيس مايك بنس والسفيرة نيك هيلي صديقة الملياردير اليهودي المتطرف والممول شيلدو ناديلسون ، لن تمر على يقظة شعبنا وقيادتنا ، فالولاء الوطني والقومي الديني أعمق من أن تمسه ضغوط أو تغيره إغراءات . زيارات الرئيس الفلسطيني للأردن متكررة ، ومروره مستمر فالبوابة إلى فلسطين تمر لديه عبر عمان ، وإقامته متقطعة وفق ظروفه ، ومع ذلك أن يتم له الإستقبال الرسمي وهو عائد من مؤتمر قمة الإتحاد الإفريقي في أديس أبابا ، في مطار عمان ، إنما رسالة تستهدف تبديد أي شكوك وإعادة التأكيد أن الأردن رسمياً وشعبياً مازال ورغم كل الظروف ، قانعاً شجاعاً متيقناً بصواب موقفه وإنحيازه لفلسطين وشعبها وعاصمتها الخالدة ، ولن تثنيه لا الإغراءات ولا الضغوط . القدس بتراثها وحواريها ، بحرمها الشريف ، ومسجدها الأقصى ، وكنيستها القيامة ، وأرضها وأهلها الذين بذلوا ولازالوا ، وصمدوا وما كانوا إلا صامدين ، وهزموا عدوهم رغم تواضع إمكاناتهم وبُخل البعض من الأشقاء الذين لم يستوعبوا بعد أن القدس أولى القبلتين ، وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، ومسرى سيدنا محمد الذي صعد إلى السماء بقدرة إلهية عبر القدس في فلسطين ، وقدسية قيامة السيد المسيح الفلسطيني الأول الذي تعرض للخيانة والمؤامرة على يد اليهود والصلب على يد المحتل الروماني الأجنبي ، فهو تجسيد تاريخي لما يعانيه الأن شعب فلسطين على يد الإحتلال الأجنبي الإستعماري الإسرائيلي اليهودي الصهيوني . فلسطين وقدسها ستبقى في ضمير الأردنيين لحين عودتها سالمة محررة كما ينبغي أن تكون لأهلها وشعبها مهما تعذر الوقت وبطش المستعمر الإسرائيلي الأجنبي .

[email protected]

كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.