دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صعود وسقوط الرجل الذي عاش مع 'طائفة' مكونة من 20 امرأة اسرائيلية
صعود وسقوط الرجل الذي عاش مع 'طائفة' مكونة من 20 امرأة اسرائيلية

القدس المحتلة-الوسط اليوم:تحكي قصة طائفة النساء الإسرائيلية الغامضة التي جمعت عشرات الفتيات لأكثر من عقد وأحدثت الكوابيس الصعبة لدى والديهن من أجل رجل واحد
 

غوئيل رتسون هو رجل قصير القامة، في الستينيات من العمر، يقضي حاليا عقوبة في السجون الإسرائيلية لمدة 30 عاما. وهو ليس بهي الطلعة، ولا يتمتع بقدرات استثنائية، ولكن كانت نساء كثيرات عشن معه وأقمن معه علاقات زوجية في الوقت ذاته قبل عدة سنوات مستعدات بأن يقسمن أنه المسيح المخلص.

كسائر الطوائف في العالم، صمدت هذه الطائفة طيلة سنوات دون معرفة السلطات بوجودها، ولكن وصلت شائعات حولها إلى وسائل الإعلام. وبعد أن شاع خبر وجودها وعُرف ما الذي فعله غوئيل مع عشرات النساء وأطفالهن طيلة سنوات في الشقق المغلقة، فهم الإسرائيليون أن الحديث يجري عن طائفة خطيرة.

صورة لمسلسل "هرمون"، مسلسل كُتب استنادا إلى ذاكرة إحدى نساء غوئيل رتسون

العيش داخل الطائفة

كان غوئيل معروفا بصفته معالجا بطرق غامضة. هناك من نعته ساحرا، وادعى آخرون أنه يتمتع بقدرات خارقة. اهتم بتعاليم القبالة وهي تيار يهودي فكري روحاني غامض، لا سيّما أنها تهدف عمليا إلى التأثير على حياة الأفراد وأمراضهم.

ولكن اهتم غوئيل بـ "عائلته" وفق ما وصف به مجموعة النساء والأطفال الذين عاشوا بين أحضانه. كان متزوجا أكثر من 20 زوجة، رغم أنه كان متزوج من امرأة واحدة فقط بشكلٍ رسميّ وفق القانون الإسرائيلي، إذ إن الديانة اليهودية المعاصرة تحظر الزواج من أكثر من امرأة. كان يطمح غوئيل إلى إنجاب أكبر عدد من الأطفال، وخلق "دولة داخل دولة" خاصة به، إذ يضع فيها القوانين، التي لا تتماشى مع قوانين دولة إسرائيل.

في عام 2009، كُشفت قصة الطائفة النسائية الخاصة بغوئيل أمام الجمهور الإسرائيلي. نجحت مراسلة القناة الإسرائيلية العاشرة في إجراء مقابلة مع غوئيل والتقاط صور حول نمط حياته مع عائلته الكبيرة. عندها فتحت الشرطة الإسرائيلية تحقيقًا.

وفق شهادات النساء من الطائفة التابعة لغوئيل واللواتي أطلِق سراحهن، فإن نمط تجنيد النساء الجديدات كان شبيها جدا. تعرفت نساء جديدات على الطائفة عبر زوجات غوئيل، اللواتي شجعن معارفهن، وقريبات عائلاتهن أحيانا على الانضمام للطائفة. نجح غوئيل في التقارب منهن بسبب الضائقة التي عانيين منها، سواء كانت مادية أو نفسية وساعدهن على حل المشكلة، من ثم بادر إلى حبك المؤمرات وحث هؤلاء العضوات الجديدات على أن يصدقن أنه إذا حاولن الابتعاد عنه سيتعرضن لخطورة كبيرة.

نساء غوئيل رتسون (Flash90)

"القضاء على شخصية العضوات في الطائفة"

من السهل أن نفترض أن النساء اللواتي أصبحن عضوات في الطائفة هن حمقاوات أو ضعيفات بشكل خاصّ، ولكن اتضح لاحقا أن الأمور ليست كذلك. فكان جزء من النساء مثقفا، وينتمي إلى عائلات عادية، مستقرة، وحتى أنها غنية. "قد تتعرض كل امرأة لهذه الحالة"، قالت إحدى النساء اللواتي أطلِق سراحها من الطائفة النسائية، ولمزيد الأسف يبدو أنها صادقة.

ولكن من الصعب أن نصدّق ما هي الظروف التي عاشتها النساء في عائلة غوئيل طيلة سنوات، إذ عاش جزء منها تحت أجنحته لمدة تزيد عن عقد. وضع غوئيل قوانين حظر كثير أمام زوجاته، التي عشن تحت سقف واحد. من بينها، فرض عليهن أن يرتدين ملابس تغطي كل الجسم فيما عدا الوجه، عدم النظر إلى الرجال الآخرين أو التحدث معهم، وتلبية أوامره فورا.

كانت النساء تكن احتراما كبيرا له. وشم جزء من النساء والأطفال على أجسادهم وجه غوئيل، وأحيانا وشموا أربع رسمات أو أكثر. "أحببت الأرض التي كان يدوسها. عشنا في بيئة شعرنا أنها العالم الحقيقي وأن العالم الخارجي خيالي"، قالت إحدى النساء بعد أن سُرّحت من الطائفة.

"تم القضاء على شخصية النساء ببساطة"، وصف أحد محققي الشرطة في يوم اعتقال غوئيل الحالة النفسية لعضوات الطائفة، وقد نُقلت زوجاته وأطفال لتلقي علاج في خدمات الرفاه الإسرائيلية.

 غوئيل رتسون في المحكمة (Motti Kimchi/POOL)

 

حياة زوجية أو حياة عبودية؟

 

"لست قادرة على العيش بعيدا عنه، سأنتحر لو تعرض لسوء"، قالت شابة جميلة أمام الكاميرات في أحد اللقاءات التي أجريت حول الطائفة التي تم تفكيكها. صحيح أن غوئيل سيطر على حياة النساء، ونجح في أن يثير تعلقهن به نفسيا ليضمن أن يبقين قريبات منه، ولكن في الواقع، اقتصاديا كان متعلقا بهن أكثر.

كانت تخرج النساء للعمل يوميًّا في أعمال مثل تنظيف المنازل وكن يتقاضين راتبا يضعنه في خزينة مشتركة للطائفة، وكانت تُستخدم هذه الأموال، من بين أمور أخرى، لتمويل نمط حياة غوئيل. كانت تهتم النساء بأمور الطائفة المنزلية وعملن معا لتربية عشرات الأطفال الصغار، أبناء غوئيل، وحتى أنهن كن يطبعن الرسائل من أجله لأنه كان جاهلا. لم توفر النساء الأموال بشكل شخصي، بل كن ينقلنها إلى غوئيل.

ليضمن غوئيل السيطرة التامة على النساء، استغل تأثيره عليهن وأحدث خلافات بينهن وبين عائلاتهن. حتى أن جزءا كبيرا منهن قد ابتعد عن العائلة القلقة، ولم تتحدث النساء مع عائلاتهن لمدة تزيد عن عقد، وأحيانا لم يشاركن في جنازات العائلة. إضافة إلى قطع العلاقات، فُرِض على النساء القيام بأعمال رهيبة بحق والديهم مثلا، سرقة المال، وأحيانا فُتح تحقيق ضدهم في الشرطة دون سبب، ليتوقفوا عن محاولة إبعاد بناتهم عن الطائفة. لم تنجح تقريبا أية امرأة في التخلص من الطائفة دون الحصول على مساعدة قوات الأمن.

كان جزء من النساء حاملات بعد أن أقمن علاقات جنسية مع غوئيل. سُمي كل أبناء غوئيل بأسماء تذكّر بالزعيم الوالد. لم يتذكر غوئيل أسماء أطفاله، ولكنه كان يباركهم بإقامة مراسم مختلفة كان يصر على إقامتها وتمتع بوجودهم في المنزل. وفق أقوال النساء اللواتي عشن ضمن الطائفة، فقد خطط غوئيل لولادة عدد كاف من الأطفال بهدف السيطرة على نقاط القوة في الدولة وحتى أنه كان ينوي "إقامة جيش" من أطفاله داخل الدولة، ليخدموا مصالحة الشخصية. كان يعتقد أنه المسيح القادر على إحداث ثورة، وكان يهمه أن يستعد للمواجهة الضرورية مع سلطات الحكم.

النهاية

"ستكون نهايتي مثل نهاية المسيح"، قال ذات مرة غوئيل أمام زوجاته، وتساءل لماذا لا تُكشف قدراته الخارقة التي كان يؤمن بها أمام العالم. "هو المسيح الذي يتكلم عنه الناس. إنه يعيش هنا ولم يُكشف أمره بعد"، قالت امرأة أخرى لمراسلة أجرت مقابلة مع غوئيل ونسائه قبل أن قدمته الشرطة للمحكمة وفككت الطائفة.

لم يظهر غوئيل كمسيح أو صاحب قدرات إلهية، ولكن كما عرف أنه سيحدث، فقد أمسكت به السلطات القانونية. بعد سنوات طويلة قدمت فيها عائلات فتيات انضممن إلى الطائفة شكاوى ضد غوئيل، اعتقلته الشرطة الإسرائيلية في عام 2010. ولكن خشيت سلطات القانون من رد فعل نساء الطائفة.

"مرت زوجات غوئيل وأطفاله بغسل الدماغ"، قال مسؤولون في الشرطة. شارك خبراء عالميون بالطب النفسي وخبراء بمجال الصدمة في عملية الاعتقال الواسعة. الهدف هو منع إلحاق الضرر بالنساء وعشرات الأطفال. بهدف توخي الحذر، أخذ أفراد الشرطة بعين الاعتبار أنه قد يحدث انتحار جماعي بعد اعتقال زعيم الطائفة.

في عام 2014، كان غوئيل متهما بتهم كثيرة مثل الانتهاكات الجنسيّة داخل العائلة بحق القاصرات، الاغتصابات، وغيرها. كان الحكم بحق غوئيل خطيرا وغير مسبوق، لأن المنظومة القضائية الإسرائيلية لم تواجه طوائف نسائية خطيرة إلى هذا الحد، وقد حكمت بالسجن لمدة 30 عاما على غوئيل. وأوضح القضاة أنه لو فُرضت على غوئيل عقوبة لكل جريمة ارتكبها على حدة، كان سيُسجن لمدة تزيد عن 100 عام.

بعد التعافي النفسي طويل الأمد الذي مرت بها زوجات غوئيل، ما زالت النساء تكافحن من أجل عودتهن تدريجيا إلى حياتهن الطبيعية. بدأ بعض النساء بالحديث عن قصتهن عبر محاضرات، كتب، أفلام وثائقية وحتى عرض مسلسلات تلفزيونية حول الأحداث.

المصدر