دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 12/3/1440 هـ الموافق 21/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يهودي يترشح باسم حزب النهضة الإسلامي.. وسعاد بذات التوجه تُهيِّئ نفسها لتكون أول عمدة أنثى للعاصمة
يهودي يترشح باسم حزب النهضة الإسلامي.. وسعاد بذات التوجه تُهيِّئ نفسها لتكون أول عمدة أنثى للعاصمة

تونس-الوسط اليوم:

يُعد سيمون سلامة وعائلته، هم اليهود الوحيدون الباقون في مدينة المنستير التونسية، التي كانت ذات يومٍ موطناً لمجتمعٍ يهودي مُزدهر. ولكن بدلاً من الالتحاق بمن هاجروا راحلين عن البلاد، قدَّم سلامة، نفسه للانتخابات مُرشَّحاً عن حركة النهضة، التي يرأسها المفكر الإسلامي راشد الغنوشي.

ويُسبِّب ترشُّح سلامة مع حزب النهضة بالانتخابات البلدية في شهر مايو/أيار 2018 حسب تقرير صحيفة واشنطن بوست ضجةً كبيرة، علاوة على بعض الجدل، في هذه الدولة ذات الأغلبية المسلمة الكبيرة.

ويرى النُقَّاد أنَّها خطةٌ محسوبة من قِبَلِ حزب النهضة لاستعادة السلطة واستعادة سمعته بين الحلفاء الغربيين مثل الولايات المتحدة. غير أنَّ آخرين يرون الأمر مثالاً لتقاليد التسامح الموجودة منذ وقتٍ طويل في تونس.

 

لماذا اختار النهضة؟

 

يقول سلامة (56 عاماً)، الذي يعمل في بيع آلات الخياطة وإصلاحها، إنَّه يريد فقط أن يخدم بلاده والمدينة التي وُلِدَ فيها، والتي تعاني صعوباتٍ اقتصادية وتوتُّرات اجتماعية.

وقال سلامة لوكالة أسوشييتد برس الأميركية للأنباء في ورشته: "اخترت (النهضة)؛ لأنَّني وجدت أنَّه بسبب الأزمة التي تمر بها البلاد، يتجه الجميع نحو هذا الحزب".

وتابع: "لا أرى أي اختلاف بين الديانتين؛ الإسلامية واليهودية. نحن جميعاً عائلةٌ واحدة، ونحن جميعاً مواطنون تونسيون، وينبغي أن نضع أيدينا في أيدي بعض من أجل بناء تونس المستقبل".

وقد عاد سلامة إلى المنستير، على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​على بُعد نحو 170 كيلومتراً جنوب العاصمة تونس، بعد أن درس في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حتى مع مُغادرة العائلات اليهودية الأخرى البلاد، وعلَّق على ذلك قائلاً: "لأنَّنا نحب المدينة وفيها روح أسلافي".

وتُعد تونس موطناً لما يُقدَّر بـ1500 يهودي على مستوى البلاد. ويقول سلامة إنَّ المنستير "كان يعيش فيها 520 عائلة يهودية. واليوم، عائلتي هي الوحيدة المُتبقية".

وكان لدى تونس مجتمعٌ يهوديٌّ يُقدَّر عدده بـ100 ألف شخص في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، فيما انتقل أغلب أفراد هذا المجتمع إلى فرنسا وإسرائيل، حيث من حق اليهود اكتساب المَواطنة تلقائياً. وشَعَرَ كثيرون بأنهم مُجبَرون على الرحيل نتيجةً لذلك المناخ، المعادي بصورةٍ متزايدة ضد اليهود، والذي بدأ مع نهوض القومية العربية التي تلت استقلال تونس عن فرنسا. واستمرت الهجرة الجماعية حتى آلت بآخر المجتمعات اليهودية في المنطقة العربية إلى نهايته.

ويريد سلامة، الدخول في الخدمة العامة؛ لأنَّه يرى البلدات والمدن "ضرورية في تطوُّر المجتمع".

وتعقد تونس أول انتخابات بلدية منذ ثورة 2011 التي أطاحت بحكمٍ مُستبد طال أمده، وأطلقت العنان لانتفاضاتٍ عبر العالم العربي. وتونس هي الدولة الوحيدة التي ظهرت بديمقراطيةٍ جديدة بُنِيَت بعناية، على الرغم من أنَّ الوضع كان قاسياً.

وقد انتصر حزب النهضة، الذي كان محظوراً في ظلِّ النظام القديم، بأول انتخابات تلت الثورة، ولكنه قرر التخلي عن السلطة في عام 2013، وسط أزمةٍ سياسية.

وتريد قيادة الحزب أن يأتي على رأس القائمة في التصويت بالانتخابات البلدية، التي تعتبر نقطة انطلاق الانتخابات التشريعية والرئاسية في العام المقبل (2019).

إنَّه الحزب الوحيد المُرشَّح في كل البلديات التي يبلغ عددها 350، واللافت للانتباه هو وضع امرأة على رأس قائمة الحزب في العاصمة، مما قد يجعل سعاد عبد الرحيم أول عمدة أنثى بالمدينة حال فوزها.

وأصرَّ زعيم الحزب في المنستير، عادل مسعود، على قبولهم ترشُّح سلامة؛ لأنَّ ذلك "يتفق مع مواقف (النهضة)، وهو حزبٌ مدني اختار خلال مؤتمره الأخير، فصل نشاطه السياسي عن العمل الأيديولوجي".

ومع اعترافه بأنَّ الترشُّح قد يبدو "غريباً بعض الشيء"، فقد أصرَّ على أنَّ الجدل الدائر حوله لا أساس له من الصحة.

وقال لوكالة أسوشييتد برس: "أنا أعرفه جيداً، إنَّه جارٌ يحظى بالتقدير من باقي المواطنين؛ بسبب سماته الإنسانية وسمعته الطيبة"، مشيراً إلى أنَّ تونس كان لديها وزيرٌ حكومي يهودي بعد حصولها على استقلالها من فرنسا، وكان يهودٌ آخرون يعملون في مناصب محلية.

وقال مسعود: "نحن حقاً حزبٌ مُنفتِح، ولا يتعلَّق الأمر بمحاولة إرضاء أي شخص. لقد أخذنا في الاعتبار المصلحة العامة للبلد، الذي يمر بتجربةٍ ديمقراطية فريدة من نوعها في العالم العربي، والتي نريدها أن تنجح بمشاركة جميع التونسيين بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني".

 

خصوم النهضة يتهمونها بالتدليس

 

ولا يُصدِّق برهان بسيس، رئيس لجنة الشؤون السياسية لحزب "نداء تونس" الحاكم، هذه الحجة. ووصف ترشُّح سلامة بأنَّه "عملية دعائية من حزب النهضة ليبدو كأنَّه حزبٌ مُنفتِح ومُتسامِح".

ومع أنَّ حزبي "نداء تونس" و"النهضة" في ائتلافٍ حكومي معاً بالوقت الحالي، فإنَّهما يُشكِّلان المنافِسَين الرئيسيَّين في الانتخابات البلدية، والتي ستُحدِّد ملامح السياسة بالبلاد في السنوات المقبلة.

وقال بسيس: "إنَّنا نخشى من أن يُستَغَل المواطنون غير المسلمين، والذين نعتبرهم على القدر نفسه... وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، لأسبابٍ انتخابية".

وقال إنَّ الترشح هو جهدٌ من جانبِ حزب النهضة لتمييز نفسه عن جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية الأخرى؛ للحفاظ على التحالفات مع الولايات المتحدة.

وأشاد أحد زبائن سلامة، المسلمين، ويدعى مُعز دالي، بروحه المجتمعية.

وقال: "الجميع يعرف سلامة"، إنَّ عائلته "تُحب الجميع هنا. ويأتون إلى حفلات الزفاف الخاصة بنا، ونذهب إلى حفلات الزفاف الخاصة بهم. لا يوجد فرق بيننا. فهو في النهاية تونسي من مدينة المنستير".