دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 8/3/1440 هـ الموافق 17/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
من يضيء قناديل الجليل.. لا يمكنه إلا ان يضيء ذاكرة التاريخ حول كتاب الرائي إبراهيم نصرالله 'قناديل ملك الجليل'...زاهد عزَّت حَرَش
من يضيء قناديل الجليل.. لا يمكنه إلا ان يضيء ذاكرة التاريخ حول كتاب الرائي إبراهيم نصرالله 'قناديل ملك الجليل'...زاهد عزَّت حَرَش

من يضيء قناديل الجليل.. لا يمكنه إلا ان يضيء ذاكرة التاريخ

حول كتاب الرائي إبراهيم نصرالله "قناديل ملك الجليل"

 

زاهد عزت حرش

 

        هو رائعة أخرى من رائع الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصرالله، فقد عرفته بداية من كتابه "زمن الخيول البيضاء" والذي هو، كما كتابه "قناديل ملك الجليل" وغيرهما، لم تتركاني إلا بعد ان اجهزتا على يومين أو ثلاثة ايام متتالية، من الابحار في رحابهما، كما في رحاب ملهاته "الملهاة الفلسطينية" الممتدة على عدة روايات أخرى.. الى ذلك الكتاب النوعي الذي تركت أحداثه أثراً كبيراً في نفسي، والذي حمل عنوان "شرفة العار".. ان هذا الروائي المشبع بالحدس البلاغي في رؤية ما هو خلف احداث التاريخ والزمان، يحلق بجناحية الوارفين في سماء الابداع اللا متناهي بين صفوف المبدعين العرب والآخرين. وهو بحق يستطيع ان يرسم خطوط الافق البعيد من ثقوب الذاكرة التي توشك أن تموت.. ليمدنا بطاقات وشحنات ذات وتيرة عالية، تدفعنا على احياء الذاكرة الجماعية لشعب لم يزل حيّ.. شعب لا يموت.

 

        ان روايته "قناديل ملك الجليل" الطبعة الخامسة 2014 الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون. والتي جاءت في تصميم أنيق مفعم بالوقار، يحتل جزءه الاكبر مقطع كبير من لوحة للفنانة الفلسطينية القديرة تمام الأكحل شموط، وقد عرَف محمد نصرالله كيف يوظف ذلك المقطع من اللوحة والعناوين، في بوتقة مساحة بنية غامقة، تحمل ما يحمله الكتاب من دفءٍ مشبع بصوت تراب الأرض. يقع الكتاب بحجمه المتوسط في خمسامئة وستة وخمسون صفحة، وبضع صفحات أخرى.. لم استطيع ان اتركه حتى وأنا أغفو من سطوة القراءة المستمرة فيه، فكانت تتراءى لي مشاهد من تلك الاحداث التي مررت بها عبر صفحاته.. فيتراءى لي الشيخ ظاهر قادم نحوي من بعيد مشرعاً عبائته للريح، وهو ما بين البحيرة التي احببتها كما أحببت كرمل حيفا وبحر يافا.. وخاصة طرقات وازقة يافا العتيقة، رغم كل ما أُدخل عليها من تحديث وبناء. وكما هو الحال في بلدي شفاعمرو وطرقات عكا والناصرة أيضاً. وهو يعبُر من مكان إلى مكان على ظهر فرسه البيضاء، التي تقبع على غلاف الكتاب.. وكما هو هنا محلقاً عبر صفحات هذا الكتاب، وعبر تاريخ يعود الى زمن لن يعود، يجد المرء قوة للتحليق عبر فضاء الوطن بكل ما كان فيهِ وبكل ما سيكون.

        ما الجدوى في ذِكر مقاطع من الرواية، فكل صفحة فيها رواية تروي رواية أخرى، وشغف يدفعك الى المضي قدماً لإكتشاف ما هو قادم فيها. للحظات تستوقفك حادثة هنا وأُخرى هناك.. وتسأل ما الفرق بين ما دونته الايام في ذاكرة الناس، من احداث تناقلت من جيل إلى جيل.. وبين ما تروية هذه الرواية من امور تختلف عنها بعض الشيء.. أو تنقضها، أو ان ما سمعته من قصص أو ما قرأته في كتب أخرى، ينفي ما جاء في هذا الحدث أو ذاك!! وفي كثير من الأحيان تحث نفسك على ان تُكذب بعض ما جاء في رواية "قناديل ملك الجليل"!! أو ان هناك أحداث لم تُذكر في أوانها، لأن الكاتب لا يريد ان يُعيد ما دونه الآخرون من أحداث في روايته.. وعلى الرغم من كل ذلك، ان كان صحيحاً أم لا، فان روايته تبقى مشبعة بإبداع خلاق، يستحوذ على كل ما في القارئ من طاقة لرفضها او ضحضها او الابتعاد عنها، قبل ان يصل الى نهايتها. وحين يختمها في أخر ما جاء فيها، تسقط كل تلك الهواجس البائسة التي علقت في مخيلته، وهو يتابع احداثها، ويبتسم في ذاته، ويقول لنفسه: لم تمضي الايام والساعات التي وهبتها لهذه الرواية هباءً.. ان هذه الرواية تستحق كل هذا العناء، بل تستحق أن أقراءها مرة أُخرى.

 

        نعم كانت النهاية مؤلمة حقاً.. وكنت استبق الأحداث وأخاف من أن تأتي النهاية على غير ما أتت. وأنا أعرف وأعلم علم اليقين ان "الدنكزلي" هو من قتل ظاهر العمر. فحين كنت أطوي صفحة بعد أُخرى من الرواية، وما كان يظهر من وفاء "الدنكزلي" لظاهر العمر.. كان قلبي يخفق بسرعة غير عادية، خوفاً من أن يقوم الروائي إبراهيم نصرالله بوضع نهاية أخرى غير نهايتها، لفرط ما أظهر من وصف ومن غبطة بهذا الرجل. إلا ان الحق الحق أقول فيما أعتقد.. ان أبراهيم نصرالله روائي صادق مع نفسه كما هو صادق مع رواياته، يغوص فيها وصفاً وإبداعاً وتحليقاً، بين ما هو مبعوث وما هو مستوحى من الخيال الجامح فيه.. وهو بذلك يعطي لرواياته، ولهذه الرواية خاصة، ذلك البعد التاريخي والانساني لأرض لا يمكنها أن تكون، إلا ارض فلسطين.

شفاعمرو 03.05.2018