دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'بدنا نلعن أبوه' ....شوقية عروق منصور
'بدنا نلعن أبوه' ....شوقية عروق منصور

 هناك الكثير من الأقوال تترسخ في ذاكرة الشعوب ، خاصة الأقوال التي تغمس عسل المقاومة في الروح ، أو الأقوال التي تُهدي المستقبل شيئاً من الاطمئنان والأمان والاستقرار ، أو الأقوال التي تقلع قضبان السجون وتصنع منها جسوراً تصل الى طرق الحق والحقيقة .

لكن عندما نسمع محافظ نابلس اللواء " أكرم الرجوب " وهو يخطب ويشد على حاله في وسط نابلس ، متباهياً مفتخراً بكلماته ، مهاجماً ذلك الحراك أو المظاهرات التي تطالب برفع العقوبات عن قطاع غزة بقوله ( اللي بدو يتطاول بدنا نلعن أبوه .. اللي بدو يشتمنا حنلعن أبوه .. اللي بدو يتطاول عكرامتنا مش راح نسكتله .. ويقولوا اللي يقولوه ) يشعر أن هذا اللواء قد أتى من عصر الحجاج ، أو استعار غضبه عندما هدد وتوعد الحجاج أهل الكوفة قائلاً في خطبته الشهيرة .. أرى رؤوسناً قد أينعت وحان قطافها " وبين أحمرار وجه " الرجوب" الغاضب ، والساحة التي يقف في وسطها وحوله من يصفق ويؤكد على كلماته ، يغلق "الرجوب " باب الرفض والتظاهر الجماهيري بمفتاح لا يليق بمسؤول فلسطيني يعيش شعبه تحت الاحتلال ( اللي بدو يتطاول بدنا نلعن أبوه). لأن كل الشعب الفلسطيني تحول إلى سمك مجمد ممدد في ثلاجات الانتظار ، ولأن وقع خطى المفاوضات واللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية تحولت إلى فرق موسيقية تعزف فيه الثعالب الحان " سفينة تايتنك الفلسطينية " وهي تغرق ، ولأن بوسع الغريب أن يتضامن مع الأشقاء في غزة ، ولأن الحصار الاسرائيلي و الفلسطيني السلطوي والمصري والعالمي لقطاع غزة اخرج جميع بطاقات العار في ملعب الإنسانية ، كان لا بد أن يطفح الكيل وتتحرك الجموع الفلسطينية في الضفة الغربية – نابلس ورام الله - التي تفرش موائد رمضان العامرة ، وتزدحم شوارع الشراء وترتدي الواجهات ملابس العيد بفرح ، كان لا بد من الرفض - على الأقل - اعتذاراً من سطور التاريخ التي ستكتب غداً ، اعتذاراً من دم الأخوة ، ومن عيون الشهداء التي تنام تحت التراب ، من سنوات الأسرى التي ترحل كل يوم نحو اليأس ، ولا أحد يشعر بألمهم وحرمانهم وشوقهم الى الحياة الطبيعية وعناق الأبناء الزوجات والأحباء . كنا نتساءل دائماً كيف يمكن للفلسطينيين في مدن وقرى الضفة الغربية أن تخونهم الكلمات وتهدأ الحواجب تحت ستار الرضى ، فلا نرى الدهشة رافعة رأس حواجبها مستفزة من الصمت العقيم ، وغزة تعاني من الاختناق والفقر والجوع والبطالة . لكن ما أن خرجت الجموع في نابلس ورام الله معترضة ، مطالبة بوقف الحصار ، حتى رأينا وسائل القمع قادمة من كل حدب وصوب ، ملثمة بالسواد ، هل اللثام الأسود الذي يضعه رجل الأمن الفلسطيني على وجهه ، له علاقة بشعوره بالخجل ، أم لا يريد أن يراه شعبه وهو يضرب ويسحل ويشتم ويجر المتظاهرين الى السيارات للاعتقال منفذاً القرارات القادمة من فوق ، حتى اننا لا نعرف أي فوق ؟ .

الحروف وجميع ابجدية الوطن الفلسطيني ترزح تحت نير الاحتلال، قسوتها تتجلى بالممارسات الاستيطانية ودخول قوات الجيش الإسرائيلي في اية لحظة والتفتيش والاغتيال ، ولا تستطيع هذه الابجدية أن تقول " لا " ؟ ، لذلك أي سلطة فلسطينية تحاول التسكع مرتدية ثوب المحتل في الجرح الفلسطيني ؟

أي قادة يلوحون بالعصا أمام المقموع الذي يرفض الظلم حتى بالاحتجاج ورفع الشعارات ؟

أي ضرب وسحل مارسه رجل الأمن الفلسطيني، أو الجيش الفلسطيني في منظر يؤكد أن السلطة العربية واحدة من المحيط الى الخليج ، وأن ثورتنا كاذبة ، ورجالنا قافلة من الانياب التي تلوك بأمر الرئيس .

صور الضرب والسحل والرصاص والقنابل الغازية وغاز الفلفل طبخة سياسية عفنة وزاد من مرارتها وفسادها ، محافظ نابلس " أكرم الرجوب " الذي لم يخجل حين أكد أنه سيلعن أبو كل من يعترض ويحاول الخروج والتظاهر، أنه يلعن الآباء والأجداد الذين ضحوا بأرواحهم وممتلكاتهم وسنوات أعمارهم من أجل من يأتي يوماً ويلعنهم. في مسرحية " ضيعة تشرين " عندما يقوم رجل السلطة بتعذيب غوار ، يقول بعدها غوار لصديقه " عندما يعذبك الغريب شيء صعب لكن الأصعب عندما يعذبك أبن شعبك " .

لقد نسي اللواء محافظ نابلس " أكرم الرجوب " أن بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وكاميرات الهواتف كشف المستور، لم يعد هناك شيئاً تخفيه السلطة وتكذب من أجله ، يكفي أن شعبك الذي شتمته ولعنت أبوه قد عايرك بالكثير وعاير رجال الأمن الذي ضربوهم عندما أخرجهم الاحتلال بالكلاسين ، عراة ولم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم. .