دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
السياسة الأمريكية والمنظمات الدولية....أحمد طه الغندور
السياسة الأمريكية والمنظمات الدولية....أحمد طه الغندور

 

 من السهل على أي متابع للسياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة ما يمارس منها في منتديات المنظمات الدولية، أن يأخذ من المشهد الذي علق في الذاكرة صبيحة يوم الأربعاء الموافق الثالث عشر من الشهر الجاري إبان انعقاد الجلسة الخاصة ببحث آليات الحماية بالمدنيين الفلسطينيين من جراء الاعتداءات الإسرائيلية على مسيرات العودة وخاصة في محافظات غزة، وذلك كما جاء ضمن الدورة الاستثنائية العاشرة والتي تُعقد وفقاً للإجراء "متحدين من أجل السلام"؛ أن يخرج بالانطباع عن مدى الشراسة التي تُمارس بها الدبلوماسية الأمريكية المستميتة في الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي.

فهي لم تدخر جهداً في محاولة إفشال الجهود الدولية التي قادتها تركيا، والجزائر وفلسطين في عقد هذه الجلسة الاستثنائية بعد أن تصدى الفيتو الأمريكي لإمكانية إصدار قرار في هذا الخصوص من مجلس الأمن، فكانت محاولاتهم مرة بالطلب من رئيس الجمعية العامة على تضمين مشروع القرار ما يساوي بين الضحية والجلاد، وأخرى عبر محاولة تغيير نظام التصويت على القرار باعتماد الأغلبية البسيطة وليس أغلبية الثلاثين.

ولكن كانت الصفعة من الدول الأعضاء برفض هذه المحاولات وتم الموافقة على مشروع القرار بأغلبية أصوات 120 دولة ومعارضة 8 وامتناع 45 دولة عن التصويت، الأمر الذي أثار حفيظة "نيكي هايلي" مندوب الولايات المتحدة المنظمة الدولية فقامت بتصدير ما اعتادت عليه من أقوال وردود أفعال بشأن المنظمة الدولية والسادة مندوبي الدول الأعضاء التي صوتت إلى جانب القرار.

ومما يستحق الانتباه ما صدر بالأمس عن "نيكي هايلي" في المؤتمر الصحفي الذي شاركها فيه وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو “عن انسحاب الولايات الأمريكية من عضوية مجلس حقوق الإنسان الذي اتهمته "نيكي" بالنفاق في التعامل بلادها بشأن مجالات حقوق الإنسان.

أي أن هذا الانسحاب كما بررت يأتي رداً على الانتقادات التي وجهتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان للإدارة الأمريكية بشأن سياسة فصل المهاجرين عبر الحدود الأمريكية مع المكسيك عن أطفالهم، كون هذا الإجراء يُشكل انتهاك لحقوق الطفل، وخاصة أن أعدادهم قد تجاوزت المئات بمن فيهم الرضع.

كذلك فإن "هايلي" قد أضافت "أن التمييز المزمن ضد "إسرائيل" هو أحد الأسباب الرئيسية وراء القرار.

وفي هذا إشارة إلى قيام المجلس في مايو / آيار الماضي بالتصويت على قرار يقضي بالتحقيق في استشهاد متظاهرين فلسطينيين في غزة نتيجة استخدام القوة المفرطة من قبل عناصر الاحتلال ضدات مسيرات العودة السلمية مما أغضب الولايات المتحدة و "تل أبيب".

من المعلوم أن ما حدث بالأمس ليست المرة الأولى التي تُعلن فيه الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من المنظمات الدولية؛ فالتاريخ سجل عدداً سابقاً من هذه الأحداث منها على سبيل المثال؛ الانسحاب من منظمة العمل الدولية في العام 1977 احتجاجاً على منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب.

كما انسحبت الولايات المتحدة من عضوية الوكالة الدولية للطاقة احتجاجاً على إيقاف عضوية "تل أبيب" بعد قصفها المفاعل النووي العراقي، أما في العام 1985 فقد انسحبت أمريكا من منظمة اليونسكو احتجاجاً على وقوف المنظمة مع قضايا العالم الثالث، الأمر الذي تكرر مع نفس المنظمة في نهاية العام الماضي لجملة القرارات التي اتخذتها المنظمة بشأن القدس والمقدسات الفلسطينية.

وكذلك شهد حزيران الماضي انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني ولم يسدل الستار بعد عن مثل هذا التراجع الدبلوماسي وخاصة في زمن إدارة ترامب الحالية.

السؤال الأن؛ كيف يرى خبراء السياسة هذا التصرف من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة؟ وما الدافع من وراء هذا التصرف؟

من الراجح أن الإدارات الأمريكية تتعامل مع المنظمات الدولية بأسلوب تطغى عليه مظاهر الهيمنة، فعادة ما تكون الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر مساهمة أو دعماً في ميزانية المنظمة، لذلك ترى من المنطق ـ وفقاً للمنظور الأمريكي ـ ألا تتعارض سياسات وقرارات المنظمة الدولية مع السياسة العامة الأمريكية، أو أن تقف في أي وقت من الأوقات أمام رغباتها، وإلا كانت هناك الضغوطات المباشرة أو غير المباشرة التي تؤدي إلى تغيير المنظمة الدولية ـ مثل ما حدث مع اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة حينما تم إيقاف العمل بها واستبدالها بمجلس حقوق الإنسان في العام 2006 واعتبر ذلك من ضمن الإصلاحات التي قام بها "كوفي أنان" السكرتير العام للأمم المتحدة، أو ممارسة الضغوط لإقالة وتغيير رأس المنظمة الدولية واستبداله، وأشهرها ما حدث مع بطرس غالي السكرتير الأسبق للأمم المتحدة.

لذلك ترى هذه الإدارات أن ما يجري عليه العمل في المنظمات الدولية وفقاً لمبدأ "الصفقة" إما أن تقبلها أو تتركهاـ To take it or to leave it ـ ولا مجال للمساومة ضمن رؤية الهيمنة الأمريكية.

أما بخصوص الشق الثاني من السؤال فيما يتعلق بالدافع وراء هذا التصرف، ودون الخوض في تفسيرات عدة فهو يرجع إلى ما يسمى بـ "الاستثنائية الأمريكية" وهي سمة يرها كثيرون أنها تنتصر على البرغماتية ولها أربعة خصائص بارزة ومتصلة فيما بينها شكلت الدافع للسياسة الأمريكية داخلياً وخارجياً وهي: ـ

1. الميل إلى العمل بشكل انفرادي على صعيد مجموعة متنوعة من القضايا، بالموازاة مع وجود حصانة واضحة تجاه ضغوط وانتقادات الأخرين.

2. افتراض أن القيم والممارسات الوطنية صحيحة عالمياً، ومواقفها السياسية أخلاقية وسليمة، وغير متسرعة.

3. وجود اتجاه قوي للنظر إلى الداخل، أي للاعتبارات والعمليات السياسية الداخلية، عند تحديد كيفية التصرف في المحافل الدولية، والتي تكون في بعض الأحيان، مربوطة في الرغبة في تبني تشريعات وطنية تتعارض مع القواعد والمسؤوليات التي تفرضها الترتيبات الدولية.

4. اعتقاد واضعي السياسات الوطنية والمشرعين بأن لديهم خيارات أخرى لتحقيق المصلحة الوطنية، وأن العمل من خلال المؤسسات المتعددة الأطراف هو خيار واحد ضمن خيارات عدة، وبالتالي فهو ليس واجب التحقق.

وعليه مهما كانت الرسائل الصادرة عن مثل هذه السياسات متضاربة، ومهما كانت الانتقادات في مقابلها، يجب ألا تعطينا انطباعاً خاطئاً بأنها سياسات غير مدروسة وأن لها ما بعدها، لذا علينا ألا نتهاون في كسب التأييد العالمي لقضيتنا في كافة المحافل الدولية، وأن نعرف الأسباب التي أدت إلى أن تمتنع دول جديدة عن التصويت إلى جانبنا في المحافل الدولية، كما أن علينا أن نطرق باب القضاء الأمريكي في مواجهة القرارات الأمريكية ولنا فيه دعم أكبر وأسرع من الإجراءات الدولية، ومن شواهده التاريخية قضية بعثة منظمة التحرير لدى الأمم المتحدة في نيويورك أمام محكمة مانهاتن في العام 1988 والتي تصدى فيها القضاء الأمريكي للقانوني والوطني وأنفذ ما منحته اتفاقية المقر لبعثة منظمة التحرير خلافاً لرغبة الإدارة الأمريكية، لذلك  علينا إخضاع التصرفات الأمريكية للتقييم القضائي دولياً وداخليا ًـ الأمر الذي نُصر عليه للتصدي لمؤامرة ما يعرف بـ "صفقة القرن".