دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الثلاثاء 11/3/1440 هـ الموافق 20/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
وايزمن والعرب 3 - الحلقة الأخيرة ....تميم منصور
وايزمن والعرب 3 - الحلقة الأخيرة ....تميم منصور

  في حياته السياسية ومن خلال مواقفه الطبقية والسلبية من العرب عامة ، ومن الشعب الفلسطيني خاصة ، خصص جانباً كبيراً من نهجه العنصري ضد القيادات الوطنية الفلسطينية ، فأغرقهم من قاموسه العنصري بالقذف والتشهير ، حيث قال : ان القاسم المشترك واللغة المشتركة بين الزعماء والقادة الوطنيين داخل جميع الاقطار العربية ، خاصة السورين منهم والمصريين ، هي كراهية وتجاهل كل من هو أجنبي، لا يثقون بالغرباء، يخشونهم ويحاولون الايقاع بهم ، القى بهذه الشباك في أحواض عنصريته ، دون أن يعلل السبب ، لم تشبع هذه الميزات غريزته الاستعمارية اتجاه قادة الحركة الوطنية الفلسطينية .

ففي عام 1941 بعث برسالة الى زوجته أثناء تواجده في فلسطين ، زين سطورها بعبارات لا تليق به كزعيم للحركة الصهيونية ، ولا تليق به كعالم للكيمياء ، لكنها عكست طبيعته الانسانية وتطلعاته الثورجية المستوحاة من ثقافة ووحي أكبر امبراطورية استعمارية وهي بريطانيا ، أعترف في هذه الرسالة بأن لا وزن ولا قيمة من وجهة نظره لكل القادة والزعماء الفلسطينيين ، إنه يرى بهم درجة خامسة في سلم التدريج البشري ، هذا هو منبع الفكر النازي ، لم يخجل من نفسه عندما وصفهم في هذه الرسالة بالزبل، وقد فسر ذلك أكثر عندما قال الفلسطينيون زبالة الشعوب ، الأدب والتاريخ العبري يخفيان ذلك من صفحات الكتب ، ويعتبر حايم وايزمن الأب الروحي للحركة الصهيونية ، والرئيس الأول للحلم الصهيوني باقامة دولة اسرائيل بعد اقتلاع شعبنا بكامله من وطنه .

بعد وقوع ما عرف بثورة البراق عام 1929 ، قرر وايزمن الامتناع عن لقاء القادة والزعماء العرب ، وقد برر ذلك بالمزيد من القذف والتشهير ، فاتهمهم بالغباء ، وان عقولهم غير ناضجة بعد للتفاوض ، لأن التفاوض من وجهة نظره شيء حضاري ، والحقيقة ان سبب رفضه مواصلة الحديث معهم ، رفضهم لمشاريعه الاحتلالية التوسعية ، وفي رسالة بعثها الى أحد اصدقائه من يهود المانيا ، ويدعى " روبرت ولكاش " عبر من خلالها مرة أخرى عن موقفه المعادي للعرب . قال لصديقه في الرسالة المذكورة ، استغرب منك كيف تقبل اقامة دولة مشتركة للعرب واليهود ، الم تعرف بأن العرب لا يعرفون سوى الخداع والتحايل والكذب وسفك الدماء ، ان عقليتهم وتربيتهم غير قابلة للتطور ، لا يعرفون سوى تربية الحمير ولا يتقنون سوى صناعة السجاد من أصواف الماعز والأبل ، قاماتهم الفكرية والسياسية قصيرة للغاية لسانهم يترجم حالات تخلفهم ، هذه مشتقات كلامية استخدمها البيض عندما استعمروا القارة السوداء والهند وغيرها . عندما تحدث حاييم وازمن امام لجنة " بيل " التي ارسلتها بريطانيا عام 1937 لتقصي الحقائق في فلسطين ، قال القومية والوطنية الفلسطينية تحرق كل من يقترب منها ، نحن نتعامل مع شعب متمرد يعيش في أقصى حدود التطرف ، من وجهة نظره القومية والوطنية الفلسطينية تنبع من فراغ ، انها لا تعبر عن مشاعر من ينادون بها ، كونها مصطنعة خشنة جافة ، ليست أكثر من محاكاة أو تقليداً أعمى للمشاعر الوطنية في أوروبا. الفلسطينيون يتسلقون على السياسة والأحزاب السياسية تقليداً لما يفعله الاوروبيون المتطرفون ، من وجهة نظره الوطنية الفلسطينية خالية من كل الشعور الروحاني الحقيقي ، بالنسبة له فلسطين جرداء خالية من كل المؤسسات الثقافية والانسانية والفنية ، خالية من المغنين والعازفين والرسامين والمبدعين ، حسب رأيه بأن هذه هي الآلات والرموز التي تساعد المواطن على التعبير عن شعوره القومي والوطني . هذه هي مدرسة وايزمن العنصرية ، تخرج منها آلاف المتطرفين الاسرائيلية الذين وصفوا العرب بالصراصير ، واعتبروهم حطابون وسقاة ماء ، من هذه المدرسة يستوحي بنيامين نتنياهو وزمرته القوانين العنصرية . آخرها قانون القومية ، من هذه التبعية الفكرية تحاصر حكومة نتنياهو غزة ، وتدمر البيوت الفلسطينية في النقب وفي الخان الأحمر ومناطق الأغوار . هذا الجانب من عنصرية وايزمن ، يثبت مدى جهله بالحضارة التي تتوج بلاد الشام وفلسطين في مقدمتها ، أنه لم يكلف نفسه بالاطلاع على أي مصدر أو أي بحث من الابحاث كي يعرف ولو نبذة عن الطبقة الاصلاحية في فلسطين ، هذه الطبقة غطت بتفكيرها المتنور فضاءا واسعاً من تاريخ الشعب الفلسطيني ، قبل ظهور وايزمن وأثناء وجوده وبعده . لا يريد ان نعرف بأنه كان في فلسطين المئات من رجال العلم والفكر برغم سياسة التجهيل العثمانية . فإذا أخذنا عالم الصحافة كان الشيخ سليمان التاجي الفاروقي 1882 -1958 حاملاً لواء التيار الاصلاحي ، وكان من المقربين للشيخ محمد عبدة ، كان الفاروقي شاعراً وخطيباً تعلم المحاماة ، أنشأ عام 1932 جريدة الجامعة الاسلامية ، ومن بين المصلحين الذين لا يعرفهم وايزمن أسعد الشقيري ، عز الدين القسام ، اسعد الحاج قدورة ، عبد القادر المظفر ، طالب مرقة ، صبحي الخضرا ، كامل الدجاني ، حسن أبو مسعود ، عيسى منون ، عبد الله الجزار ، خلوصي بسبيسو . غيرهم وغيرهم . لم يعرف وايزمن شيئاً عن الجمعيات والاتحادات والروابط والنوادي في فلسطين ، فهي كثيرة ـ من الصعب حصرها ، في مجال الطباعة تواجدت في فلسطين العديد من المطابع قبل ان يعرفها وايزمن ، نذكر منها مطبعة دير الروم الارثوذكس سنة 1851 ، ومطبعة تيار الايتام السورية ، بفضل هذه المطابع ظهرت الصحف والمجلات الوطنية ، ومع ظهور الانتداب صدرت في فلسطين أكثر من عشر مجلات وطنية ، أشهرها النفائس العصرية لصاحبها " خليل بيدس " ومجلة الاصمعي لصاحبها حنا عبد الله ، كما صدرت حوالي ثلاثين صحيفة .

بالنسبة للجمعيات ، فقد ظهرت أول جمعية وطنية معروفة ، كانت تعرف بجمعية الآداب والعلوم ، أسسها ناصيف اليازجي وبطرس البستاني غالبية هذه الجمعيات لعبت دوراً بارزاً في محاربة الجهل الذي سببه الطغاة العثمانيون، الواقع أن هذه الجمعيات هي التي تولت قيادة الحركة الوطنية ورفضت التفريط بتراب الوطن ، كما أراد وايزمن ، أما بالنسبة للنوادي ، فقد ظهرت عشرات النوادي التابعة للجمعيات في غالبية مدن فلسطين ، وفي سنة 1928 عقد مؤتمر لجميع هذه النوادي في مدينة يافا . ومن بين العامين 1921 – 1927 ، تأسست شبكة من النوادي العربية المسيحية في القدس وبيت لحم ، عكا ، الرملة ، بيت ساحور ، اللد ، الناصرة ، وقد أدى ظهور الأحزاب السياسية المنظمة في أوائل الثلاثينات الى تركيز غالبية الجمعيات على النشاطات الثقافية والرياضة ، وأعمال الاغاثة والتطور الحضاري وغيرها .

هذا عدا عن المؤسسات الصحية التي اقيمت في فلسطين ، فقد بلغ عدد المستشفيات في فلسطين في مطلع القرن العشرين حوالي 25 مستشفى ، عدا عن المستشفيات الحكومية الستة في القدس ، وحيفا ويافا ونابلس وغزة وعكا والناصرة ، هذا وغيره يؤكد بأن وايزمن كان يقرأ عن فلسطين من ورقة سوداء ، عنصرية تاريخية متأصله في رأسه . دفعته للعمى التاريخي كي لا يرى الحقيقية ويكون ناطقاً بالصدق .