دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إستمتاع و..إبداع..!! .... عبد الهادي شلا
إستمتاع و..إبداع..!! .... عبد الهادي شلا

 مع بوادر فصل الصيف يخطط الكثيرون ليشدوا الرحال إلى بلاد الله الواسعة هربا من حر أو في إجازة لزيارة الأهل للمغتربين الذين قضوا جــُل العام في بلاد الغربة للعمل،وهناك من يرتحل في الصيف خاصة ليزورأماكن عشقها أو عاش فيها فترة من الزمن فصارت جزء من كيانه تـُلاحقه ذكرياته فيها،وأخرين يبحثون عن أماكن جديدة تضيف إليهم المزيد من الاستمتاع و المعرفة والكتشاف ..!

 

من منا لم يقرأ ما قاله الشافعي عن فوائد السفر:          

تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا       وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ          وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ         وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ           بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ

ولا نجد من يختلف على هذا، ولكننا في زمن يمكننا أن نزيد عليها الكثير الذي استجد على الحياة العصرية بما جادت به عقول البشر من اختراعات وأدوات لاشك أنها أسباب جديدة لتنقل البعض وسفرهم في أرجاء المعمورة بحثا عن اكتشاف أو ابتعاد للتفرغ للبحث والتأليف كما عرفنا عن الكثير من الروائيين أمثال (أرنست همنجواي) الذي كتب رائعته "العجوز والبحر" في كوبا والتي حاز بهاعلى جائزة نوبل في الأدب وجائزة بوليتزرالأمريكية للأستاذيه في فن الرواية الحديثة ولقوة أسلوبه .

 

و الفنان"بول جوجان" الذي هجرمدينة النور "باريس" إلى بنما في عام 1887 للبحث عن مواضيع جديدة، فاتجه نحو المدسة التعبيرية، وفي العام 1891 عاود السفر في رحلة إلى " تاهيتي " لعرض لوحاته للبيع فأبدع مجموعة رائعة من اللوحات التي فتحت له باب الشهرة الواسع.

 

ونذكر "هنري ماتيس" زعيم المدرسة الوحشية الذي زار مدينة "طنجة" ضمن رحلة تكررت حيث يذكر المؤرخون أنه:

كان دائم التردد على الغرفة 35 من فندق ڤيلا دي فرانس، المعلمة السياحية والتاريخية آنذاك، ومنها رسم الكثير من لوحاته التي أرخت له ولطنجة ومن خلال الغرفة 35 كان ماتيس يطل على طنجة كلها، ونافذته كانت في حد ذاتها لوحة، وإطلالة واحدة عبرها كانت توحي له بعشرات اللوحات، وهو لم يكن ينقصه الحافز لكي يحول باستمرار فضاء طنجة إلى ألوان.

 

هذه النماذج من المبدعين تفيد بأن لسفر وتنقلهم حقق إضافات و غذت الإنسانية بإبداعات متنوعة كانت في حاجة لها كما هي دائما.

كان ومازال السفر فرصة أتاحت لي لقاء بعض رواد الحركة التشكيلية العربية في مؤتمرات ومعارض جماعية منذ سنوات بعيدة وبقي التواصل وتبادل الخبرات قائما حتى الآن.

وكلما سافرت إلى بلد سبق أن زرته أتوجه إلى مكان بعينه كان لي فيه لقاء أو ذكرى حميمة وأستحضر روح الأصدقاء الذين كانوا برفقتي.

دائما أحن إلى تلك الشجرة الكبيرة التي تتوسط حديقة كلية الفنون بالقاهرة حين جلست في ظلها وأنا أنظر إلى ذلك المبنى القديم الذي كان قصرا لأحد باشاوات مصر والذي شهد أول خطواتي في عالم الفن التشكيلي وتشكلت فيه شخصيتي الفنية وقويت علاقتي برواد الحركة التشكيلية المصرية من أساتذتي الذين شرفت بالتعلم على أيديهم ومنحوني وزملائي خير خبراتهم.

 

في هذا المبنى كان ميلاد العديد من اللوحات التي كلما إشتقت إليها نظرت إلى صورها أستحضر زمانها الجميل.

 

أسأل نفسي أحيانا..هل يتوجب السفر بالجسد فقط ليتحق الاستمتاع والإبداع ؟ أم أننا نسافر بأرواحنا ومشاعرنا إلى حيث تركنا أثر قدمٍ أو ظلٍ على جدار قديم في زقاق ضيق ومن حولنا صخب الحياة وصورها المتجددة.

لاشك أن الروح أيضا تسافر في اليوم مرات ومرات وإلى أماكن كثيرة قد نكون قد سافرنا لها أو أماكن شاهدنا معالمها في التلفاز أو في المجلات وعلقت في ذاكرتنا مع التمني بزيارتها يوما ما.

 

سيبقى السفر متعة للمتعبين ،وللمجتهدين مشروع بحث دائم.