دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الإنجاب.. ضرورة .. أم تربية وأخلاق...؟ ...ديمة ميقري
الإنجاب.. ضرورة .. أم تربية وأخلاق...؟ ...ديمة ميقري

 

 يتوقف مفهوم الإنجاب في مجتمعاتنا على البداهة، كما كان سابقاً لدى المجتمعات الأخرى ، حيث لم يتعدى هذا الفعل ( أي الإنجاب وامتداد الحياة) من ناحية المفهوم( استمرار البقاء) ، وكانت هذه الأخيرة الضرورة الأساسية لهُ.

كيف لا ؟ وإنَّ مفهوم الزواج لدينا مبني على أساس الضرورة!

فأنت إذا سألتَ أحداً ما "لماذا تزوّجتَ " قد يجيبك ببساطة  ( هذه هي سنة الحياة ). إذاً من الطبيعي أن يكون الإنجاب بذلك (تحصيل حاصل).

أو رُبّما فِعلُ أنانيّةٍ.. فلو سألت مجموعة من الأشخاص عن سبب إنجابهم ، قد يجيبك أحدهم ( ليكونوا عُزوةً لي في المستقبل ) ، وقد يجيب الآخر، ( ليحمل اسم العائلة ) ، أو ربّما ( لأربط زوجي بي مدى الحياة) على حدّ تفكيرهم.. فيُجرَّد بذلك الفِكرُ ،الطفلَ من كرامتهِ وإنسانيتهِِ.

ونحنُ إن نظرنا إلى مسألتي الزواج والإنجاب لدينا، لوجدناهما مجرد أداة لتحقيق غايات غريزية أنانيّة.. فالطفل ليس إلاّ أداة، والزواج وسيلة .. وبهذا يتم تجريدهما من معناهما الأخلاقي والإنساني .

من هنا نخلص إلى سبب عدم احترامنا للطفل وبالتالي عدم احترامنا للغير ..

فنحن نتعامل مع الأطفال عادةً على أنّهم عبيدٌ عليهم طاعة الأوامر والخضوع لسلطتنا، متجاهلين تماماً إنسانيتهم، كرامتهم ، آراءهم وميولهم وإرادتهم ، ما يحبون ومايكرهون، بل ومنّا من يعطي الحق لنفسه بضربهم وشتمهم وإهانتهم بحجة (التربية ).

ولهذا يتوجب علينا إعادة تعريف الطفل ، فالطفل يا صديقي/تي : إنسانٌ.. ولكنّهُ صغيرَ الحجمِ ، ضعيفَ الحيلة ِ، يدرك ويسمع ويشعر،  يتألم، يفرح ويحزن، مثلنا تماماً .. لكنَّهُ يحتاجُ بعضَ الوقتِ للتعلُّم! وأنتَ.. بسلبكَ منه احترامهُ وكرامتَهُ وحريتَهُ، وبمحاولتك إخضاعه واستعباده، قد ضمنتَ لهُ طفولةً سوداءَ شاقةً لن ينساها طيلة حياتهِ ، بل وسيحمل هذا الإرث إلى أبنائِهِ دونَ أن يشعر،  لأن مرحلة الطفولة هي المرحلة الأكثر تأثيراً في شخصية الإنسان..

وإنَّ إنساناً سُلِبَتْ إرادتُهُ وكرامتُهُ في طفولتهِ لن يكونَ مستقيماً في شبابهِ، بالتالي لن يقدر أن يربي أبناءهُ تربية سليمة، هذا وإنَّ لَعناتَ الطفولةِ السوداء ستلحقُ بهِ إلى هُناك ( فعلُ التربية ) .

ما يُدهشُني حقاً هو أولئك الذين يصفونَ طفلاً رضيعاً ب ( الأزعر ) ويردف منهم قائلاً ( اتركه يبكي عم يتزعرن!! سيصمت لوحده وينام ) . كيف يستطيع أحدٌ أن يترُكَ طفلاً رضيعاً يبكي لساعات ؟ ثُمَّ كيفَ لطفلٍ في أيامهِ أو أسابيعهِ الأولى أن يمثّل ؟ أين ومتى تعلم ذلك؟

والأغرب من ذلك من يصِفُهُ بالفاجر!! ويتعامل معهُ بذلك على أساس أنّ هذا الطفل ( طفل سيء ومخادع بالفِطرة ) ويجب تربيتُهُ ووضعُ حدٍّ لهُ ،و على حدِّ تعبيرهم ( ما بينعطى وجه) !!

إنَّ طفولةً مُعَنّفةً كانت نتيجةً لزواجٍ أساسُهُ الضّرورة، وبالتالي هي طفولة ( تحصيل حاصل ) ، لن تُنتِجَ إلّا مِثلُها ، باستثناءِ من أراد أن يكونَ أفضلَ.

استوقفتني بذلك فقرة من كتاب ( أبناؤنا جواهر.. لكننا حدّادونََ) للدكتور مسلم تسابحجي، كان يتحدّث فيها عن طريقة تربيتهِ لأبنائهِ التي لطالما خرجت عن سيطرتِهِ، حيث قال إنه كلّما غضبَ منهم تذكر العصا أو ( الكرباج) الذي كان يضربه بها والدُهُ.

وأيضاً ، الأخصّائيّة النفسية في علم التربية، الصديقة مجد مارتيني التي نشرت على صفحتها على فيسبوك :

والدي في الثمانينَ من عُمرِهِ، أرادَ أن يتناول دواءهُ صباحاً، ولكنَّ العُلبةَ وقعتْ من يدهِ وانتشرت حبّات الدواء في كلِّ مكان!

ركَعتُ على رُكبَتَيّ ، طلبتُ من ربي الصّبرََ، أعدتُ حبّات الدواء إلى العُلبة وأنا أتذكرُ كيف وقعت عُلبة المسامير من يدي عندما طلب مني إحضارها! فوبّخني أمام إخوتي ونعتني بالأعمى والغبي وعديم المسؤولية!.

أثناء تناول طعام الغداء كان يأكل والطعام يتناثر من فمه ويسيل على ملابسهِ، أغمضتُ عينيّ وأنا أذكره يضربني في كلّ مرةٍ اتسخت بها ملابسي!.

مساءً فتحَ الثّلاجة وأرادَ إخراجَ صحنِ العنبِ، ولكنّه وقعَ من يدهِ وكُسرَ الصحنُ! أحضرتُ المكنسةَ وبدأتُ التنظيفَ، وأنا أذكُرُ كُل مرةٍ كسرَ خاطِرِي بها!.

وعندما حان وقت النوم والاستلقاء ، قمتُ بمساعدتهِ على الاستحمام وتنظيف أسنانهِ وارتداء ملابسِ النومِ والاستلقاء على الفراش، وأنا أتساءل!

ماذا لو قامَ بمعاملتي بهدوءٍ واحترام كما أعاملهُ أنا الآنَ؟! كم من وجعٍ وقهرٍ وحرقةِ قلبٍ كنتُ قد تجنّبت ؟

أنا أشعر تجاهه بالغضب وهو يسبب لي الكثيرَ من المتاعب.

أنا اقوى منهُ الآنَ ولديّ كل السلطات التي كانت لديهِ سابقاً.

أنا لديَّ فرصةُ الانتقام..

أنا لديَّ القدرة على الاختيار.

وقد اخترتُ أن أكونَ إنساناً أفضل!.

كان الهدف من هذا السيناريو التّخَيُّلي الذي كتبتهُ مجد هو عدم استغلال حاجة الأطفال لنا في صغرهم، وإعطائهم حقهم في الاحترام.

وأن من عاش طفولة شاقة.. فعليهِ أن يحاول أن يكون أفضل من والديهِ مع أبنائهِ.

من أراد أن يعيشَ أطفالُهُ طفولةً سليمةً ، فعليه أن يعيدَ النظر في مفهومَي الزواج والإنجاب ، ويعلم أنّ الإنجاب ليس عملية تكاثر فقط، بل عملية تربية وأخلاق، وأنّ الطفل ( إنسانٌ) ولكن !! بحجم صغير .

ولنتذكر أنّ أساسَ المجتمعات الحضارية هو ( التربية ) !!