دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في تقرير لمركز معا: مشاهد بيئية ضارة تذر المزيد من الدمار على القطاع
في تقرير لمركز معا: مشاهد بيئية ضارة تذر المزيد من الدمار على القطاع

غزة-الوسط اليوم:

ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا الواقع البيئي المهترئ في قطاع غزة، حيث بات الاهتمام به ترفًا في ظل قضايا شرسة تجتاح ذلك الشريط الساحلي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. مشاهد عدّة تم رصدها بالكلمة والصورة في هذه البقعة الجغرافية التي يقطنها أكثر من  مليوني نسمة.

حيوانات على شاطئ البحر

* لا تأتي المصائب فرادى على بحر قطاع غزة. فالمتنفس الوحيد لما يزيد عن مليونيْ نسمة في فترة الإجازة الصيفية، لم يعد كذلك بالنسبة لكثير من العائلات الفلسطينية والسبب يعود إلى تكرار انتشار الحيوانات على طول الشاطئ.

فمشهد انتشار العشرات من الحمير والحصن والجمال على الشاطئ كان مستفزًا لعائلة أبو محمد الصيفي، إذ تفاجأ عند نزوله يوم الأربعاء قرب منطقة الشاليهات الحيوية بمدينة غزة؛ بقيام عدد من المواطنين بالاستجمام والاستحمام بمياه البحر برفقة حيواناتهم التي أتت بهم إلى هناك عبر عربات الكارو.

هذه الحيوانات كما يقول الصيفي وغيره ممن استطلعنا رأيهم، ترسم على الشاطئ مشهدًا غير حضاري وسلوكاً مناف لقواعد الصحة العامة، ويخشى هؤلاء من قابلية تلوث مياه البحر، المشبعة أصلًا بمياه الصرف الصحي، ومن ثم انتقال الأمراض إلى أبنائهم، فضلًا عما قد تسببه تلك الحيوانات خصوصًا الحمير والخيول من حوادث جراء سيرها بسرعات كبيرة أحيانًا بين تجمعات المواطنين الجالسين على رمال البحر الذهبية.

ويشدد الصيفي خلال حديثه على أن الأمر يستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات المختصة لمنع هؤلاء من اصطحاب حيواناتهم إلى الشاطئ وتخصيص أماكن لها بعيدًا عن المصطافين الذين لا يجدون غير البحر ملجأ للهروب من حرارة الصيف اللاهبة مع انقطاع الكهرباء لـ16 ساعة متواصلة يوميًا.

 

"السباحة فوق سطح البيت"

*  في نطاق غير بعيد عن "الاستجمام" هربًا من حرارة البيوت، لجأ شقيقان لا تتجاوز أعمارهما الثالثة عشرة "للسباحة" معًا داخل أحد براميل المياه المركونة فوق سطح منزل العائلة في حي الرمال الحيوي غرب مدينة غزة.

بدا الطفلان في قمة لهوهما وهما يتبادلان الغطس هبوطًا وصعودًا داخل البرميل الذي ربما تقدر سعته بألف لتر، وظهرا كأنهما في رحلة ترفيهية إلى أحد المسابح المنتشرة بكثرة في قطاع غزة.

أصوات عديدة خرجت من الطوابق العليا للبنايات المجاورة تنادي على هؤلاء الأطفال تنبهما لخطورة فعلتهما غير أنهما لم يأبها كثيرًا لذلك، وظلا على حالهما لفترة من الوقت. قال أحدهما بصوت مسموع: "هذا بيتنا ونحن أحرار".

ينتشر مثل هكذا تصرف خاطئ بكثرة بين الأطفال حيث يعوم بعضهم داخل براميل المياه خلسة وبعيدًا عن رقابة الأهل وهو ما قد يترتب عليه مخاطر كبيرة قد تهدد حياتهم، فضلًا عما يسببه من تلوث للمياه التي تصل عبر الوصلات إلى البيوت لاستخدامها لأغراض الجلي والشطف والاستحمام.

لذلك نطرح هذه القضية لنستدعي انتباه الأهالي وإعطاء تعليماتهم لأبنائهم بعدم اللجوء إلى هذا التصرف خصوصًا وأن تلك البراميل تتسع لكميات كبيرة من المياه.

 

"اللهو حول آبار المجاري"

*  في مشهدٍ مألوفٍ يشي بغياب الحكمة والوعي بينهم، كان مجموعة من الأطفال في حالة تحدٍ أيهما يمكنه القفز مسافة أبعد من فوق "المياه العادمة" المتدفقة إلى سطح الأرض من أحد آبار الصرف الصحي المتعطلة في إحدى الحارات السكنية في شمال غزة.

كان من شروط "المسابقة" التي اتفق عليها الصغار، أن لا تلمس أقدام أي متنافس حواف "المجاري" الذي شق طريقه على الأرض بعرض مترين وطول لا يكاد يتوقف كلما زاد التدفق.

ومن ينجح يصفق له الباقون ويثير حماسهم لمسابقة جديدة يكونون ضحيتها دون إدراكٍ منهم لمخاطر ما يقومون به.

مثل هكذا سلوك ليس حدثًا جديدًا وإنما جرت العادة أن ينتشر بكثرة بين الأطفال مع كل عملية تدفق لمياه المجاري من آبار المجاري القريبة من مناطق سكناهم حينما تتعرض لعمليات إغلاق لأسباب ما. اللافت في الأمر أن هؤلاء الأطفال يلهون حافيي القدمين بل ويذهب بعضهم إلى البيوت حتى دون غسل القدمين، وهو ما يسترعي انتباه الأهالي والتحوط على أبناءهم خشية من انتقال الأمراض التي تحملها مياه المجاري غير المعالجة إليهم.

 

نبش القمامة

*  تتوقف عربة كارو يجرها حمار قرب إحدى الحاويات في غرب مدينة غزة وعند الاقتراب من المكان أكثر، بدا شاب بملابس رثة يتصبب عرقًا تحت أشعة الشمس اللاهبة في فترة الظهيرة وهو ينبش أكياس القمامة بحثًا عن "شواكل معدودة".

من بين ما يفتش عنه ذاك الشاب قمحي البشرة، مقتنيات الحديد والبلاستيك. عند سؤاله عن سبب قيامه بذلك يقول، إنه يعمل على فرزها وبيعها لتجار الحديد والبلاستيك بوزن الكيلو.  ويضيف أنه يجمع قرابة 30 شيكلًا يوميًا من وراء هذا العمل.

لكن الأخطر في الموضوع أن هذا الشاب يقوم بمهمة تمزيق أكياس القمامة وحتى إخراجها من الحاوية وإلقائها على الأرض بحثًا عن "صيده" متسببًا بمظهر غير جمالي للمكان فضلا عن لا مبالاته بما يمكن أن تسببه محتويات الأكياس من انبعاث رائحة كريهة خصوصًا عند تفاعلها مع الحرارة وتلوث مرعب.

وهذا الشاب واحد من بين مئات العمال الذين يمارسون مهنة جمع البلاستيك والحديد عبر عربات الكارو، بغرض تأمين لقمة عيش أسرهم في ظل انعدام فرص العمل وارتفاع نسب البطالة إلى مستويات عالية بفعل الحصار الإسرائيلي والانقسام السياسي الفلسطيني.

 

تسليك مناهل المجاري

*  ربما لأسباب مادية بحتة فرضتها الظروف المادية بالغة السوء، يتولى بعض المواطنين مهمة تسليك مناهل الصرف الصحي قرب بيوتهم بدلًا من الاتصال على سيارات الشفط الخاصة بالبلديات لتقوم بتلك المهمة.

فالثلاثيني سعيد النجار يرفض فكرة الاستعانة بطواقم بلدية جباليا النزلة حينما يتعرض منهل الصرف الصحي قرب بيته في منطقة الكرامة شمال غرب مدينة غزة للإغلاق، إذ تطلب منه كما يقول 100 شيكل يجب أن يدفعها فورًا للبلدية مقابل تلك المهمة.

لذلك يستعيض عن ذلك بسيخ حديدي من أعمال الإنشاءات يحتفظ به في أرض مجاورة خلف بيته، ومن خلاله يقوم بشق طريق لقناة المجاري التي يتسبب إغلاقها بطفح المياه داخل منزله، كما يقول.

وتبدو مهمته شاقة في كل مرة يفصل بينها أشهر معدودة فقط، إذ يضطر إلى النزول لعمق المنهل دون ارتداء ملابس خاصة أو كفات يدين مع ما يسببه ذلك من التصاق القاذورات به فضلًا عن انتشار الصراصير بكثرة من حوله. ويقول إن الظروف الاقتصادية بالغة السوء تدفعه لفعل ذلك.

حالة طوارئ

في 21 فبراير/ شباط الماضي، أعلنت بلديات قطاع غزة "حالة الطوارئ بما يشمل تقليص خدماتها الأساسية المقدمة للسكان، بنسبة 50%؛ "لتجنُّب انهيارها بشكل كامل". هذا الإعلان انعكس بشكل ملموس على أرض الواقع، فقد لجأت البلديات إلى تقليص رحلات سيارات جمع القمامة إلى النصف، وصارت حاويات القمامة تتكدس بالقمامة عن بكرة أبيها.

وما يزيد الأمر سوءًا أن بعض المواطنين يقومون أمام ذلك بإلقاء القمامة على الأرض حتى أحيانًا دون وضعها داخل أكياس أو إحكام إغلاقها، وهو ما يشكل فرصة ذهبية لطوارق الليل لتتولى مهمة تنبيشها بحثًا عن طعامها.

وبفعل ذلك يصطدم المار في طريقه من قرب الحاويات برائحة كريهة تنبعث منها، فضلًا عن انتشار كميات كبيرة من الذباب داخل وحول الحاويات.

وما يزيد الطين بلة لجوء البعض إلى حرق القمامة داخل الحاويات محاولا التخلص منها بعد تأخر سيارات البلدية، غير آبه بما تبعثه من دخان ملوث يصل الى البيوت المحيطة، وما تسببه الحرائق من إزعاج للسكان خاصة وإن كان بينهم أطفال أو مرضى.

هذه السلوكيات وغيرها تزيد من الأعباء الملقاة على عاتق عمال النظافة فبدلًا من القيام بمهمة تصريف الحاويات إلى الشاحنات المخصصة تمهيدًا لترحيلها الى مكبات النفايات خارج تجمعات المدن، فإنه يتولى كنس وجمع القمامة الملقاة على الأرض وهو ما يستنزف من أوقات دوامهم المعتادة ويؤخر عملهم في مناطق أخرى لأيام عديدة.

في جولة باكرة على أماكن الترفيه العامة ومنها كورنيش البحر ستكتشف حقا كم هي كمية المخلفات من قشر البزر وزجاجات الكولا والمياه وكاسات الشاي، التي تركتها وراءها عشرات العائلات على الأرض، وذلك بعد ليلة سمر تمتد إلى ما بعد منتصف الليل.

الغريب في الأمر أن البعض يقوم بهذه السلوكيات الخاطئة رغم أن هناك حاويات خصصتها البلديات لهذا الغرض تنتشر بكثرة في الأماكن العامة، وفي أكثر من مرة دعت تلك البلديات المواطنين إلى تجنب إلقاء المخلفات على الأرض حفاظًا على المظهر العام للبيئة وتخفيفا على عاتق عمال النظافة.