دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الثلاثاء 7/1/1440 هـ الموافق 18/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عربٌ تائهون في الشرق الحنون ....المهندس ميشيل كلاغاصي
عربٌ تائهون في الشرق الحنون ....المهندس ميشيل كلاغاصي

  لأننا في الشرق الحنون حيث تكثر العاطفة وتقل الحنكة، وتكثر الدروس وتقل العبر، لأننا نعشق الماضي، ونلفظ حاضرنا وربما نكره مستقبلنا، ونرى أولادنا يسقطون في النهر واحدًا تلو الاّخر، ونسبح ونغوص ونتعب لإنقاذهم، ونلوم سباحينا ومنقذينا، ولا نكلف أنفسنا عناء صعود التلة لنرى من يقذف بهم في النهر، فيما يضحك ويطرب ذاك المجنون بصراخ أولادنا وهو يدفعهم نحو الحافة ويستمتع بسقوطهم المريع، وعسانا نعرفه ونجالسه ونمازحه ونطيعه ونتقاسم معه رزقنا ولقمة عيشنا، فهو مجنون ومسكين ويستحق حناننا.. لا تستغربوا فنحن نختلف عنكم يا معشر الأمم كما نختلف فيما بيننا تمامًا، ولم نعد نُجمع أو نَجتمع على شيء، فلو تكلمنا بالتاريخ، لعلت أصواتنا، وتشبث كل منا بصفحته، ولو تكلمنا بالجغرافيا فستكون خرائطٌ وقصصٌ تبدأ ولا تنتهي، ولو تكلمنا في الدين، لشمت فينا الملحدون، ولو تكلمنا عن أصحابنا وأعدائنا لاختلط الحابل بالنابل، ولتساوى الأصدقاء بالأعداء، ولو تكلمنا بالعلوم لتساوى العقل والصخر، ولو تكلمنا في السياسة لانقسمنا بين مناضلين وخونة، ولو تكلمنا في الشعر لأصابت سهام الهجاء والرثاء والمديح والذم كلها مجتمعةً صميم قلوبنا، واحتجنا لسيارات الإسعاف،.. لا تستغربوا جيراننا وأعداءنا وأصدقاءنا، فنحن راسخون في الشرق الحنون إلى ما لا نهاية. ولأننا نحبكم، نفتح أسواقنا لكم، ولأننا نقدر جهودكم وعلومكم لا ننافسكم، ولأننا نهتم بمستقبلكم فنفضلكم على أنفسنا، ولأنكم مساكين وبلا ثروات سنورثكم مالنا... ولأنكم تكرهون أخانا، سنعينكم عليه، لأنكم تريدون احتلال بلادنا سنريحكم ونعطيكم إياها بالمجان، ولأنكم أقوياء لن نختبركم، لأنكم أصحاء سنفرح لكم, لأنكم ولأنكم فنحن لكم ومعكم وتحتكم ووراءكم وفي خدمتكم.. لا تستغربوا فنحن الشرق الحنون... ما الذي حدث وحوّل شعوب الأمة الواحدة إلى خصوم وأعداء، ودفع بالوهن والضعف لينخر عظام الأمة، ويشرّع أبوابها أمام الطامعين والغزاة الكُثر؟!.. ولماذا خرج من رحمها من أراد دمارها وزوالها؟ ومنح المستعمرين والصهاينة والغزاة إجازةً، وتولى عنهم مهمة ضياع الأمة وتشرذمها وتفككها! كيف لمواطننا العربي أن يفهم أن العداء والإقتتال العربي– العربي هو الحلم والغاية والمبتغى، وأن الدماء وقطع الرؤوس والإرهاب ليس سوى أسلوبنا وطريقتنا لتحقيق أهدافنا وأحلامنا بغدٍ أفضل، وحياةٍ رغيدة، ومستقبلٍ مشرق تسوده الحرية والديمقراطية والكرامة؟! وكيف لبعض المتطرفين الحاقدين والمتخلفين الفاسدين، من عرب الممالك والمشيخات الخليجية أن تقود حروب تدمير الأمة العربية, ما الذي يدفع آل سعود وآل ثاني وغير آلات لفعل هذا؟ أهو الحب والود القاتل للشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني..إلخ؟ أم هو عدم قدرتهم على مواكبة العصر الحديث، فكان الهروب نحو الماضي وعصور التخلف والهمجية؟ أم هي أصولهم المجهولة–الغريبة، ونتاج زراعة الإستعمار البريطاني والصهيونية العالمية في جسد أمتنا. يعرف العرب والسوريون خصوصًا، ومنذ أمدٍ بعيد، أن فكرًا تكفيريًا حاقدًا يقود تلك العائلات الحاقدة، وأن بدعًا دينيةً مشوهة تحركهم وترسم تحركاتهم وسياستهم، وليس ما يحدث الآن في فضحهم هو طفرةٌ أو إكتشافٌ جديد.. فقد بلغ السيل الزبى، ووصل الغيّ والحقد مبلغًا لم يعد مقبولًا معه استمرار السكوت، لقد وضع آل سعود خناجرهم على رقاب السوريين واليمنيين وأمعنوا في قتلهم، وفي التدخل في شؤونهم، والتحكم بمصيرهم ومستقبلهم. ومما يثير الإستغراب صمت العالم على جرائمهم بحق سورية والسوريين والعديد من الدول والشعوب العربية، والتي تعدتها إلى التدمير الممنهج لمفهوم الأمة العربية والإسلامية، وما عجز عنه الغرب المتصهين وقوى الإستكبار العالمي، تتجرأ مملكة الشرّ على فعله. فها هي اليوم، تتآمر على عوامل نشوء وتكوين الأمة بهدف إنهائها وزوالها، إذ تسعى لإنهاء القضية الفلسطينية وتقديمها أرضًا وشعبًا هديةً لشعبٍ غاصبٍ يدّعي أنه "المختار"، وتندفع نحو خراب سوريا وتقسيمها وتشظي الأرض العربية في استهدافٍ واضحٍ لعامل الأرض، ولتشويه وضرب الدين الإسلامي الحنيف كعامل ثانٍ، وبتشجيع اللغات المحلية والمحكية في العالم العربي الغني بالإيدولوجيات والإثنيات والأصول العديدة، فلم تعد لغة الضاد مسموعةً ولا مفهومة، وبالكاد تستطيع التحاور مع العربي بلغته الأم، وما يخص الأحلام والآمال العربية الواحدة المشتركة، لم تعد واحدة، إذ يتباهى البعض بأصوله الفرعونية، وآخر بالآشورية والسريانية والفينيقية والصحراوية والمغاربية...إلخ، و تحولت الأمال والطموحات نحو التفرقة والشرذمة. كما أصبح للعرب مفاهيمٌ ونظرة خاصة بأعداء الأمة، فالبعض يرى أن الصهاينة والإسرائيليين ليسوا أعداء، في حين غَنِمَت الخيانة وجهات نظر مختلفة، فأصبح الجيش المصري يحتل مصر، والسوري يحتل سوريا، ومقاومة العدو الصهيوني جريمةٌ يُعاقَب عليها المقاومون، وتحوّل الحديث عن هلالٍ سني وآخر شيعي، وتحولت إيران إلى دولة معادية تعقد لأجل قتالها الأحلاف والتكتلات العربية وتُحشد جيوش الإرهابيين والبلاك ووتر لقتال "الفرس"، وتحولت حروب وصراعات العالم ودول المنطقة إلى حروبٍ دينيةٍ، قد لا تُبقي على الأخضر واليابس. إنّ سعي آل سعود لتفجير الحروب الدينية ما كان ليحصل لو قال العالم الحر كلمته، وطبّقت دول العالم ما توافقت عليه في سلسلة القرارات الأممية بمنع تمويل ودعم الإرهاب، وتوجيه تهمة القتل إلى القاتل مباشرةً، فصمت العالم على إرهابها المباشر في تدمير سوريا شجعها على تدمير اليمن، والعودة إلى تدمير لبنان, والإصرار على تدمير العراق, والإستمرار بأضعاف مصر, وتشظي وإنهاء القضية الفلسطينية. أخيرا ً ... لا بد للشعوب العربية أن تخوض حروبها بمعزلٍ عن حروب الجيوش ، و بأسلحة الواعين والمثقفين والمفكرين ممن لن يتوانوا عن امتلاك الشجاعة في تنقية التاريخ العربي من شوائبه ونزع ملايين الصفحات المزورة، ومواجهة الحقيقة، علّهم بذلك يضعون أقدام الأمة على الطريق الصحيح.. فتاريخ ودماء من ضحوا بدمائهم لبقاء الأمة تستحق ما يليق.