دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 5/3/1440 هـ الموافق 14/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
روايات من ممارسات القهر اليومي (3) في ظل منع التجول ....تميم منصور
روايات من ممارسات القهر اليومي (3) في ظل منع التجول ....تميم منصور

  من بين ممارسات الحكم العسكري التعسفية ضد المواطنين العرب، اجبارهم على الاحتفال بذكرى يوم الاستقلال ، الذي غالباً ما كان يصادف في الفترة الواقعة ما بين منتصف شهر نيسان الى نهاية هذا الشهر، كان الحكم العسكري يرى ان ذكرى هذا اليوم – أو هذه المناسبة – شيئاً أو حدثاً ملموساً مقدساً ، يفوق في قدسيته جميع المناسبات ، وقد بذل هذا النظام جهداً كبيراً لاقناع المواطنين العرب ، بأهمية هذا العيد وعليه ابداء الفرح والسرور والاحتفال بكل ما بوسعهم بهذه المناسبة .

الهدف معروف طبعاً هو طمس هويتنا، وتغطية جرائم العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين والدوران حول انفسنا ، داخل ما تبقى من الوطن الذي نقف فوق ترابه، كان الحكم العسكري يأمل بأن تكون ذكرى يوم الاستقلال جزء من حياة المواطنين العرب ، وعيداً قومياً لهم ، كما هو الأمر بالنسبة لليهود ، كان يريد أن ننسى المليون فلسطيني الذين شردوا من مدنهم وقراهم، وننسى المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق أبناء شعبنا ، وننسى حالة الحصار التي نعيشها ، ولا نتألم من كرابيج الحكم العسكري التي تسلخ جلود المواطنين العرب بصورة يومية وساعات منع التجوال التي كانت تبدأ من الثامنة مساء فتزيد من ظلمات الليل الموحش القاتل .

كان المواطنون العرب في هذه الساعات يحاصرون في بيوتهم، دون الاهتمام باحتياجات اطفالهم ومرضاهم في الليل الدامس ، الذي كان يزداد وحشة في ظل ساعات المنع ، وقد كانت أصوات الذئاب والكلاب الضالة تزيد من وحشة هذا الليل ، لأنها كانت تدخل القرى العربية بكثرة ، ظانة أن قرانا مهجورة ، كانت أصوات النباح وعواء الذئاب تختلط مع أصوات الطلقات النارية التي كان يطلقها رجال شرطة حرس الحدود ، لترهيب المواطنين ، ومما كان يزيد الطين بلة ، غزوات عصابات من المتسللين الذين كانوا يغيرون من وراء الحدود على القرى العربية ، مستغلين الفراغ الحياتي في هذه القرى ، وساعات منع التجول ، وان احداً لا يستطيع ان يفزع لجاره اذا تعرض لمثل هذه الغزوات .

كان المواطنون العرب بمثابة اسرى بأيدي الحكم العسكري ، يمارس كافة نزواته العنصرية دون أن يراجعه أو يمنعه أحد ، فهو القاضي والخصم المعتدي ، لقد غابت كلمة نكبة عن الأفواه ، لم تتوفر الآليات الهامة الفعالة لمقاومة الاسرلة بالطريقة التي يريدها الحكم العسكري ، باستثناء الحزب الشيوعي ، هو الوحيد الذي كان يحذر من الاسرلة ، ويرفضها ويذكر المواطنين بعودة اللاجئين ، ويفضح ممارسات الحكم العسكري . كثيراً ما استغل الحكم العسكري اصدار تصاريح العمل للعمال العرب أو المزارعين أو بعض الموظفين لتجنيد بعضهم لصالحه ، وقد ذكر الكاتب " هليل كوهين " أن غالبية المخاتير ورؤساء السلطات المحلية في القرى العربية ، كانوا أعواناً للسلطة ومخبرين للحاكم العسكري ، كانوا يقدمون له هذه الخدمات مجاناً دون مقابل .

اذكر انه مع بداية الخمسينات من القرن الماضي استيقظ اهالي بلدتي الطيرة – المثلث - على صوت مكبرات للصوت تجوب شوارع القرية تبلغ السكان بمنع التجول من الساعة السادسة صباحاً الى اشعار آخر ، وعلى المواطنين التزام بيوتهم ، وكل من يخالف هذه التعليمات يعرض نفسه لخطر الموت .

لم يمض وقت طويل على هذا الإعلان حتى باشرت قوات الجيش المدججة بالسلاح بالدخول الى البيوت ، واخلائها من القاطنين فيها ، خرجت مع افراد اسرتي وتم اجبارنا على الجلوس في احدى الساحات القريبة ، وكانت هذه الساحة محاطة بالاسلاك الشائكة ، كما اعدت ساحات شبيهة للنساء ، ووقف وراء الاسلاك جنودا يشهرون السلاح اتجاهنا ، ومنهم من جلس وراء مرابض الرشاشات . لم يعرف احداً من المواطنين وحتى رئيس السلطة المحلية واعضائها اسباب هذا العمل غير الانساني ، وأخذت النسوة بالبكاء ، لأن هذه الاعمال ما هي الا تكرار لسيناريوهات القتل وارتكاب المجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية بحق المواطنين في قرى كثيرة ، او انها فصل من فصول الاقتلاع من ارض الوطن .

قضى الجميع طيلة اليوم تحت كبد الشمس الحارقة بدون ماء ، اذكر انني تعرضت لضربة شمس ، وقد أصيب بعض الشيوخ والاطفال بالإغماء نتيجة حرارة الشمس وعدم توفر الماء .

اثناء ساعات الحصار قام مئات الجنود باقتحام البيوت التي كانت خالية من سكانها ، للبحث عن اسلحة ، فخربوا ودمروا اثاث البيوت ، ومزقوا الفراش ، وقاموا بإتلاف المخزون من المواد الغذائية المتوفرة ، كالزيت والطحين والاجبان والحبوب ، كما اتلفوا ملابس المواطنين، وحطموا النوافذ الزجاجية ، وسرقوا ما وقع تحت ايديهم من مصاغ النساء ومن الأموال ، حتى أن بيت رئيس المجلس لم يسلم من الخراب . اتضح فيما بعد كما اعلن في الصحافة ، ان سبب هذا الاعتداء على سكان آمنين يعود الى اتهام السكان بإسقاط طائرة بالقرب من احدى القرى التعاونية التي كانت محاذية للحدود ، وكانت هذه الطائرة خفيفة تقوم برش المزروعات بالمبيدات ، اجتازت الحدود بالخطأ ، فقام أحد الجنود الاردنيين بإسقاطها وقتل طيارها . احتج المواطنون على هذا التصرف الاجرامي مطالبين بدفع تعويضات عن الاضرار التي لحقت باملاكهم ، فكان رد الحاكم العسكري ، سيحصل كل مواطن على حقه بعد الاحتفال بيوم الاستقلال ، صدق البعض هذه الخدعة التي اعتاد الحاكم العسكري التلويح بها .

يتبع