دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 7/3/1440 هـ الموافق 16/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قراءة سياسية لمجريات الأحداث - الحلقة الثانية - ...حمادة فراعنة
قراءة سياسية لمجريات الأحداث - الحلقة الثانية - ...حمادة فراعنة

 صمد الأردن على جبهتي المواجهة الدامية التي كانت تستهدف أمننا الوطني، تلك المواجهة التي جعلتنا أسرى الموت والخراب والفوضى كما هو سائد من حولنا، فقد جرت جبهة المواجهة الأولى على حدودنا الشمالية مع سوريا، والشرقية مع العراق، عبر محاولات التسلل واختراق الحدود بواسطة دوريات قتالية مجهزة واستعداد عالٍ من العداء والتطرف ورغبة في الانتحار والموت، من قبل تنظيمي داعش والقاعدة، ومن لف لفهما وتحالف معهما، ومن لديه رغبة الانتقام غير المفهومة ضد الأردن دولة ومؤسسات وشعباً، كما حصل في أحداث الفنادق في تشرين الثاني 2005، التي أيقظت الأجهزة والمؤسسات ودفعتهم نحو الاستنفار المتواصل.

 

محاولات التسلل واختراق الحدود، تم احباطها وافشالها من خلال وعي ويقظة حرس الحدود وكتائب الجيش العربي، باستثناء خديعة مخيم الركبان التي أدت الى استشهاد سبعة من جنودنا، وهكذا فشل الاختراق طوال سنوات الربيع العربي الذي اجتاح سوريا والعراق، وأقام الدولة الاسلامية على حدودهما المشتركة قبل أن تخبو.

أما جبهة المواجهة الثانية فقد جرت خلال التصادم مع خلايا سلفية متطرفة، نمت أفكارها واتسع نشاطها مع اجتياح موجة من الفكر والثقافة المحافظة وقيم جهادية متطرفة ترعرت في ظل انتشار تيار الأحزاب والتنظيمات الاسلامية على أثر عاملين : أولهما نتائج الحرب الباردة وهزيمة الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي عام 1990، وانعكاس ذلك على تراجع وانحسار أحزاب التيار اليساري في العالم العربي، وثانيهما هزيمة العراق واحتلاله عام 1991 من قبل الأميركيين، وسقوط نظامه البعثي عام 2003، وانعكاس ذلك كله في تراجع دور ونفوذ أحزاب وأفكار التيار القومي، وحصيلة هذا كله : صعود مكانة الاتجاهات الاسلامية والمحافظة على مختلف مشاربها، بدءاً من الاخوان المسلمين، مروراً بالوهابيين، وأحزاب ولاية الفقيه، وليس انتهاءاً بداعش والقاعدة.

الخلايا الكامنة في بلادنا، حققت نجاحات محدودة في عمان والعقبة والفحيص، وفشلت أمام يقظة جهاز المخابرات في اربد والرصيفة والكرك، وهكذا بات الصراع مستتراً حيناً ومكشوفاً حيناً، وسجالاً بين أجهزة الأمن الوطني، وبين قوى التطرف والعدمية التي تغذت على مناخ سائد لدى العالمين العربي والاسلامي وامتدت أثاره الموحشة نحو أوروبا وأسيا، مستغلاً ضعف التيارات السياسية اليسارية والقومية والليبرالية، وغياب المناخ الديمقراطي الدستوري، والمس المتعمد بمؤسستي البرلمان والأحزاب والتطاول عليهما من قبل قوى الشد العكسي المتنفذة.

النجاحات التي تحققت للدولة في مواجهة جبهتي الحدود والخلايا الكامنة لتنظيمي داعش والقاعدة، لم تعد كافية لتحقيق الاستقرار والطمأنينة الأمنية والسياسية والاقتصادية، أمام جبهة ثالثة تتحرك داخلياً بفعل عوامل موضوعية اجتماعية وسياسية، وبفعل تحريك مفتعل ظهرت أثاره على خلفية اشاعات وافتراءات وأكاذيب مقصودة يسميها أصحاب مهنة العالم الافتراضي الالكتروني « الذبابة الطيارة الالكترونية « التي تنشر خبراً حتى يتم تداوله لدى آلاف الناس، فيؤثر على خياراتهم وأولوياتهم ودفعهم نحو الاحتجاجات المبعثرة أو المنظمة.

العامل الأول ظهرت نتائجه بانتفاضة الثلاثين من أيار على الدوار الرابع التي أدت الى سقوط حكومة هاني الملقي والتجاوب الملكي مع الحراك بحنكة سياسية وأمنية في غاية الادراك والتفهم، وتعامل معها جلالة الملك باحترام الى الحد الذي شارك فيها ولي العهد تقديراً لطرفي العلاقة الدافئة بين الجمهور ورجال الأمن، وأدت الى ولادة حكومة عمر الرزاز الذي أشاد فيه جلالة الملك وعقد رهانه عليه في أن يدفع الأردن خطوات الى الأمام مع ادراكه كما قال أنه يعرف أن معيقات قوية ستواجه حكومته.

أما العامل الثاني فقد لخص جلالة الملك رؤيته لمعالجة الاختلالات السائدة في وقت مبكر كما قال من خلال الأوراق النقاشية التي ألمح لضرورة تبنيها في مؤتمر وطني تتداعى له قوى حية تعمل على بلورتها بصيغ برنامجية عملية واقعية.

لقاءات جلالة الملك كما فهمنا ستتواصل مع الاعلام الذي عليه دور، ويجب أن يبادر لتولي دوره الوطني هذا، ولكن التواصل الملكي سيشمل النقابات المهنية، والنقابات العمالية، وأساتذة الجامعات، ورؤساء البلديات، وقادة الأحزاب، تسهيلاً لخلق جو من الحوار الوطني والتداول بما هو مطلوب وطنياً، ولذلك يمكن الركون الى أن لقاءات جلالة الملك لن تكون حملة علاقات عامة، بل سبر لمكونات المجتمع الأردني وتفعيلها بما هو متاح، وكما نتطلع معه وبه كرأس للدولة وقائد للمجتمع الأردني بأسره.

[email protected]