دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الخميس 9/1/1440 هـ الموافق 20/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الى متى ستستمر القيادة الفلسطينية في سياسة الدهن والمدارة ....تميم منصور
الى متى ستستمر القيادة الفلسطينية في سياسة الدهن والمدارة ....تميم منصور

  عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، من قبل بريطانيا وفرنسا واسرائيل ، سارعت الحكومة السورية آنذاك - باعتراف عبد الناصر – بطلب لدخول المعركة لمساعدة مصر على دحر العدوان ، لكن عبد الناصر رفض حفاظاً على سوريا ومنعها من الوقوع في شرك القوى الامبريالية .

حينها قال عبد الناصر ، هناك خيارات كثيرة لدعم مصر ومساعدتها في صد العدوان ، على إثر ذلك سارع السوريون بالانتقام من بريطانيا وامريكا حيث فجروا أنابيب البترول التابعة للشركات الاجنبية ، والتي كانت تنقل هذا السائل الحيوي من السعودية الى الموانىء اللبنانية والسورية كي يصل إلى أوروبا .

هذا العمل الوطني التلقائي الذي قام به السوريون يُعبر عن روح التضامن العربي ، ويؤكد أيضاً أن الاجماع القومي العربي كان قائماً بشكل غريزي. كذلك الأمر فإن عمال ميناء وهران في الجزائر رفضوا تفريغ سفناً تابعة لامريكا وبريطانيا وفرنسا تضامناً مع مصر ، مع أن الجزائر لم تكن قد حصلت على الاستقلال . كذلك الأمر ظهر هذا الاجماع القومي بشكل تلقائي عندما اقيم حلف بغداد عام 1955 ، حين حاولت بريطانيا الضغط على الملك حسين في عمان الانضمام الى هذا الحلف ، إلى جانب العراق وتركيا وايران والباكستان ، كان الملك حسين عاجزاً عن رفض الطلب البريطاني ، لأن بريطانيا كانت تقدم معونة مالية للاردن تُقدر ب 12 مليون جينه استرليني ، فلم يمانع من الانضمام لهذا الحلف ، لكن الشعب في الاردن انتفض مرة واحدة ، وقام بمظاهرات في مدينة عمان وفي مدن الضفة الغربية ، ورفعوا شعارات مطالبة الملك بعدم الانضمام لهذا الحلف الاستعماري ، كما طالب المتظاهرون بتعريب الجيش ، وهذا الطلب كان ضرورياً وحيوياً مكملاً لاستقلال الاردن ، لأن الجيش الاردني كان رهينة لبريطانيا ، بسبب المعونة المالية المذكورة ، ولأن قائد هذا الجيش ويدعى " غلوب " كان بريطانياً ، لم يكن القائد العام بريطانياً فقط ، فقد ترأس ضباط بريطانيون قيادة معظم تشكيلات هذا الجيش .

استجاب الملك لمطالب الشعب وقام بعزل " غلوب " عن قيادة الجيش ، كما تم طرد جميع الضباط الاجانب ، وأعلن عن تشكيل حكومة وطنية حسب رغبة الشعب ، وكلف سليمان النابلسي بتشكيل أول حكومة وطنية في الاردن .

فوجئت بريطانيا من هذه التحولات فأعلنت عن وقف المعونة المالية السنوية لهذا البلد ، ادرك وقتها كل من شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية وجمال عبد الناصر ان وقف المعونة المالية البريطانية لحكومة الاردن يعني افلاس هذا البلد ، فسارعوا الى عقد مؤتمر لعدد من القادة والزعماء العرب ، حضره عبد الناصر والقوتلي وملك السعودية ، اتفقوا في هذا المؤتمر على دفع المعونة المالية التي كانت تقدمها بريطانيا لحكومة عمان ، بهذا ترجموا الاجماع والوحدة والتضامن العربي الى واقع حقيقي ملموس ، والذي آمنت به غالبية الشعوب العربية وكانت تسعى اليه .

دفع المعونة أكد أن بإمكان العرب قيادة وشعوباً أن يكونوا كالبنيان المرصوص ، يشدون إزر بعضهم البعض وقت الشدة . اليوم يعيش الفلسطينيون في ظروف لا تختلف كثيراً عن الظروف التي عاشها الاردن في تلك الفترة ، فقد قرر الرئيس الامريكي " ترامب " أن يمسك الفلسطينيين من العضو الذي يؤلمهم ، ظاناً أنه إذا أوقف دعم منظمة وكالة غوث اللاجئين – الانروا – سوف يستسلم الفلسطينيون ، أنه يجهل شدة وقوة تحمل هذا الشعب ، من المجاعة الى الطرد و التشتت الى الملاحقة والبطالة والفقر ومصادرة الأراضي والاسر والسجون وكسر العظام والاغتيالات وغيرها ، ولكن احداً لم يستطع كسر عزيمته ، أنهم حملوا شعار " الضربات التي لا تقتلني تقويني " فكان الصبر والكفاح والمقاومة الثالوث الذي التصق في حياة الفلسطيني ، لقد عرف أن كرامته وعزته والتمسك بهويته أعلى وأغلى من الرغيف ولقمة العيش .

من المخجل أن منظمة الأنروا ليست أمريكية ، وعندما أقرتها الأمم المتحدة أصبحت دولية وقانونية ، وواجب المساهمة في تمويلها أصبح الزامياً وليس اختيارياً ، مع ذلك يقوم الرئيس الأهوج " ترامب بالدوس على كل شيء ، فها هو يرى بهذه المنظمة وسيلة للضغط على الفلسطينيين للاستجابة لمشروعه التصفوي الداعم لاسرائيل ، بعد أن دعم العدوان الاسرائيلي في كل مكان ، وفي استمرار محاصرة الشعب الفلسطيني ، حتى أنه يعمل لاسرائيل أكثر مما كانت تتوقع منه حكومة نتنياهو . أن ترامب لم يقم بوقف الدعم لولا أنه يعرف ويدرك بأنه يتعامل مع قادة عرب كالنعاج يسوقهم كما يسوق الراعي القطيع ، أنه يعرف بأن الاجماع القومي العربي الذي كان قائماً زمن أزمة السويس ، وما تبعها من حروب وتطورات سياسية لم يعد قائماً ، لا يوجد عبد الناصر آخر ينادي ويجمع الدول العربية ويساهم في دفع المعونة ، مع العلم أن أي أمير من امراء النفط العرب قادر على تسديد هذا المبلغ الذي يلوح به ترامب . لكن السؤال لماذا لا تقوم القيادة الفلسطينية بالإعلان صراحة وبقوة أن الانظمة العربية أو بعضها قادرة على حل جميع قضايا الشعب الفلسطيني المالية ، بدلاً من التفتيش عن ردود فعل خائبة فاشلة مطاطية ، تزيد من اليأس في نفوس الفلسطيني ، ويكشف مدى ضعفهم وعجزهم وفقدان استقلالية ارادتهم ومواقفهم .

لماذا لا يتحول قرار ترامب الى فضيحة تكشف مواقف الأنظمة العربية الهزيلة المتواطئة ، الى متى ستستمر القيادة الفلسطينية في سياسة الدهن والمدارة ؟؟؟