
حوار أجراه جميل حامد
حصول فلسطين على عضوية في منظمة اليونيسكو حمل أكثر من دلالة، فالموقف العربي الذي احتشد في صوت فلسطين، والصوت الفلسطيني الذي علا في الحاضنة العربية فوق كل الضغوط والتهديدات، مثّل الدلالة الأولى في حجز المكان لشعب يُسرق تراثه يوميا، وتُنتهك مقدساته، ويُسلب موروثه الثقافي على يد احتلال يصر على حرق التاريخ بقرارات الأمم، وبالتأييد الأعمى لسياسته التهجيرية، فجاءت التهديدات الأمريكية لتمثل الدلالة الثانية في السلسة المفقودة، من حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي سلب الآخرين حرية الرأي والتعبير عن آرائهم ومواقفهم الإنسانية والسياسية.
الأمين العام للتربية والثقافة والعلوم في منظمة التحرير الفلسطينية إسماعيل التلاوي، كشف لـ”الجديدة” عن كلمة السّرّ في النجاح العربي والفلسطيني في اليونيسكو، مُشيرًا إلى الدور السعودي في هذه الكلمة التي جاءت نتيجتها عضوية كاملة لفلسطين في المنظمة الدولية، مستهجنا في الوقت نفسه أسلوب “الإشاعة” التي لاحقت العرب والفلسطينيين في أروقة المنظمة الدولية، إبان التصويت على قبول فلسطين عضوا كاملا في المنظمة في 31 أكتوبر الماضي.
أخيرا حازت فلسطين على العضوية الكاملة في “اليونيسكو” هل هذه هي المحاولة الأولى لنيل العضوية؟
حصلت فلسطين على عضوية مراقب في اليونيسكو على إثر خطاب الرئيس ياسر عرفات في الأمم المتحدة عام 1974 واعتراف الأمم المتحدة بعضوية منظمة التحرير الفلسطينية كمراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي عام 1988 عندما تم الإعلان عن الاستقلال في الجزائر، تقدمنا بطلب العضوية الكاملة لليونسكو في الدورة 26 للمؤتمر العام لليونيسكو في العام 1989، ومنذ ذلك الوقت كان بند انضمام فلسطين مثبت على جدول الأعمال، أي منذ 22 عام ونحن في كل مؤتمر عام لليونيسكو ينعقد، يتم تأجيل مناقشة هذا البند للمؤتمر الذي يليه.
التأجيل تحت أي بند وما هو المبرر؟
لم يكن هناك من مبرر، لم يكن هناك قرارا سياسيا من جانبنا لمناقشة هذا البند، لذلك كنا دائما نقبل بتأجيل هذا البند إلى المؤتمر العام الذي يلي، علما إنه كان هناك إمكانية واضحة للحصول على قرار بانضمام فلسطين في تلك الفترة، ولا سيما ليس هناك فيتو أمريكي، بل كانت الولايات المتحدة منسحبة من اليونسكو.
لماذا الآن؟
لماذا الآن؟ سؤال وجيه فعلا، هذا التحرك الدبلوماسي والسياسي للقيادة الفلسطينية في المدة الأخيرة، وبخاصة خطاب السيد الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة، دفعنا بكل قوة لأن نناقش في هذه الدورة 36 للمؤتمر العام هذا البند، حيث أنه يجوز لفلسطين بأن تطلب الانضمام إلى منظمة اليونيسكو دون أن تكون فلسطين عضوا كامل العضوية في هيئة الأمم المتحدة طبقا للميثاق التأسيسي لمنظمة اليونيسكو، وهكذا بدأت المعركة في المجلس التنفيذي لليونيسكو الذي يسبق انعقاد المؤتمر العام، والذي انعقد في نهاية شهر سبتمبر عام 2011، عندما طلبت المجموعة العربية في المجلس التنفيذي مناقشة هذا البند، وفعلا نجحت المجموعة العربية من خلال تصويت المجلس التنفيذي على توصية للمؤتمر العام بقبول فلسطين عضوا كامل العضوية في منظمة اليونيسكو، والمعروف أن المجلس التنفيذي مكون من 58 دولة يمثلون 194 دولة هم الأعضاء في منظمة اليونيسكو، والدول الـ”58″ يتم انتخابهم من قبل المجموعات المكونة للمؤتمر العام، وهي المجموعة العربية والمجموعة الأوروبية ومجموعة دول أميركا اللاتينية، بالإضافة إلى المجموعة الإفريقية. ولابد أن أسجل للملكة العربية السعودية وهي عضو في المجلس التنفيذي على المستوى الرسمي، وعلى المستوى الشخصي لمن يمثل المملكة العربية السعودية في منظمة اليونيسكو موقفا حازما وقويا وقوميا بكل المقاييس. وفي المؤتمر العام الذي عقد خلال الفترة من 25 أكتوبر لغاية 10 نوفمبر بدأت المجموعة العربية تعقد اجتماعا يوميا لمناقشة مجريات الأمور وجميع السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تحدث وذلك لمواجهتها، وبدا الحشد فعلا والعمل من قبل جميع أعضاء الوفود العربية، وأنا بصفتي كنت مشاركا في الوفد الفلسطيني، رأيت هذه المجموعة العربية التي كانت تتحرك بكل قوة بين الدول لتحشد ولتقنع ولتتحرك لدى الدول الأخرى، وظهر يوم 31 أكتوبر كان التصويت، وعندما خرجت النتيجة كان المشهد عظيما، كان المشهد عرسا عربيا وقوميا وإسلاميا وإنسانيا بامتياز، فقد شعرت بأن كل دولة عربية أو إسلامية أو صديقة صوتت لفلسطين بنعم وكأنها تدخل اليونيسكو لأول مرة، وهذا يعكس تقدير شعوب العالم لنضال شعبنا الفلسطيني ومعاناته على مدى الستة عقود الماضية.
في ظل عدم التصويت لفلسطين عضوا كامل العضوية في مجلس الأمن جاء قبول فلسطين عضوا في منظمة اليونيسكو مما خلق انطباعا بأن هذا القبول جاء بمثابة الترضية للفلسطينيين لخلق نوع من التوازن في التعامل الدولي وخاصة الأوروبي مع المساعي الفلسطينية،هل توافقون مع هذا الرأي؟
ليس هناك ربط بين ما حصل في اليونيسكو وبين ما كان يحصل في الأمم المتحدة، حيث لم يكن هناك مؤشرات واضحة بعدم موافقة الدول التسعة المطلوبة لمناقشة طلب فلسطين في مجلس الأمن الدولي، حتى لحظة التصويت لصالح عضوية فلسطين في اليونيسكو، ما حدث في اليونسكو عكس إرادة المجتمع الدولي على رد الظلم والقهر الذي لحق بفلسطين وشعبها، لذلك ما حدث باليونسكو هو تصحيح لهذا الظلم التاريخي الذي لحق بشعبنا وحرمانه من أبسط حقوقه. لذلك أنا لا أرى بأن هناك ترضية أعطيت لفلسطين في منظمة اليونيسكو من أجل أن تسكت فلسطين عن عضويتها في الأمم المتحدة، حيث أن الأمور في الأمم المتحدة كانت تتجه بقوة وبإصرار القيادة الفلسطينية السياسية على أن استمرار التحرك باتجاه الأمم المتحدة دون النظر إلى عضويتنا التي حصلنا عليها في منظمة اليونيسكو. لكن بالنتيجة باعتقادي لابد من استثمار ما حصلنا عليه في اليونيسكو على المستوى السياسي، والاستناد عليه وعلى إرادة المجتمع الدولي التي صوتت بكل قوة لصالح فلسطين.
ما سبب تغير الموقف الفرنسي ووقوفه لصالح عضوية فلسطين في اليونيسكو؟
فرنسا كانت قد أبلغتنا قبل 24 ساعة من التصويت بأنها ستمتنع عن التصويت، ولكننا بصراحة فوجئنا بأن فرنسا قالت نعم لفلسطين، وقالتها بقوة!!! وهذه الكلمة “نعم” لم تكن ترضية لفلسطين، وإنما جاءت لتعبر عن الموقف الفرنسي الرافض للتهديدات الأمريكية ولأسلوب الولايات المتحدة في التعامل مع عملية انضمام فلسطين لليونسكو، فقد شعرت فرنسا بأن هذا التهديد الأمريكي موجه لكرامة فرنسا التي تحتضن منظمة اليونيسكو في عاصمتها، لذلك فرنسا انتصرت لكرامتها ولمبادئها ولحقوق الإنسان التي تؤمن بها، وفرنسا هي التي أفرزت أعظم المفكرين والمثقفين في أوروبا، والذين انتصروا لحقوق الإنسان والديمقراطية.
بماذا تفسرون تأييد بعض الدول الفقيرة والكثير من الدول للموقف العربي ولعضوية فلسطين رغم تعرضها للضغوط والتهديدات الأمريكية؟
على الرغم من التهديدات الأمريكية التي بدأت منذ ما قبل انعقاد المؤتمر العام، أي منذ أن صدرت التوصية من المجلس التنفيذي ولم تكن التهديدات الأمريكية على مستوى مندوب أمريكا في اليونيسكو، وإنما صدرت من كبار المسئولين في البيت الأبيض الأمريكي، وبالذات من خلال وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ولم تخف الولايات المتحدة هذه التهديدات، لقد شعرت هذه الدول بالإهانة والابتزاز والانتقاص من كرامتها وقراراتها السيادية، ففضلت الانتصار لإرادتها ومبادئها على مصالحها التي قد تتضرر نظرا لغضب الولايات المتحدة من مواقفها. لقد ظنت الولايات المتحدة أنها ستكسب نوعا من الدول التي من الممكن أن تتأثر مصالحها الاقتصادية، لكن على الرغم من ذلك تم رفض هذه التهديدات. نحن نستغرب موقف الولايات المتحدة الذي يوظف المساعدات الإنسانية ومساهماتها في المنظمات الدولية للضغط على الدول لاتخاذ مواقف مغايرة لإرادتها، وبالتالي تعمل الولايات المتحدة لتوظيف هذا المال لإغراض سياسية. والولايات المتحدة التي تؤمن بحقوق الإنسان والديمقراطية والتي تعلن من حين إلى آخر أنها تقف إلى جانب إرادة الشعوب العربية فيما يسمى بالربيع العربي، بينما تفرض علنا على الدول ضغوطا هائلة للتصويت ضد حقوق الإنسان والديمقراطية.. دعني اشرح لك مشهدا حدث ظهر يوم التصويت، إحدى السيدات وهي مندوبة لجزر القمر، وهذه الدولة معروف أنها دولة فقيرة، وهي الدولة العربية رقم 22 في الجامعة العربية، جاءت قبل التصويت بساعتين، كانت تبكي بحرارة!! قلت لها يا سيدة أمينة لماذا تبكين؟ قالت لأنني سأحرم من أن أرفع يدي في اللحظات التاريخية القادمة لأقول لفلسطين نعم!! قلت لها لماذا؟ قالت: لأن جزر القمر لم تسدد اشتراكاتها لدى اليونيسكو، لذلك ستحرم جزر القمر من عملية التصويت. هذا الشعور والإحساس العربي لم يكن تضامنا فقط، وإنما كان إحساسا بعظمة تلك اللحظات، والتي شعرت بأن جزر القمر هي التي ستنضم لليونسكو، ففلسطين هي جزر القمر وهي السعودية وهي الكويت الخ…، وشعرت بأن السيدة أمينة لم تسنح لها الفرصة لتقول لا للتهديدات الأمريكية… نعم لفلسطين. لذلك جاءت التهديدات الأمريكية عكس ما تمنته الولايات المتحدة، بدليل أن من قال لا لفلسطين هم فقط 14 دولة، ومن قال نعم 107 دول وهذه أغلبية ساحقة بعرف نظام التصويت في اليونسكو، حيث أن من امتنع عن التصويت لا يحسب في نظام التصويت، وعلى الرغم من أن مواقف الدول الممتنعة نعرف إنها مع الحق الفلسطيني، فقد كان المشهد في اليونسكو انتصارا عظيما للحق الفلسطيني الثقافي والتربوي والإنساني، وهزيمة ساحقة لإسرائيل وللتهديدات الأمريكية.
ألمانيا لم تمتنع عن التصويت بل عارضت التصويت لصالح عضوية فلسطين وأعلنت عن وقف تمويلها لمشاريع منظمة اليونيسكو، برأيكم ما سبب هذا الموقف المتأرجح للألمان، وهل هو خضوع للتهديدات الأمريكية؟
كنت أتمنى أن تمتنع ألمانيا عن التصويت في اليونيسكو، لكن للأسف هي أخذت موقفا مضادا وقالت لا لفلسطين، فهو موقف متأرجح كما ذكرت، وهو ليس منسجما تماما مع السياسة الخارجية الألمانية في بعض الأحيان، فهي تقول كلاما ايجابيا وتوبخ القيادة الإسرائيلية مرة، وتقف ضد فلسطين مرة أخرى، ونحن لا نفهم هذا الموقف عندما تقول لا لفلسطين. موقفها باعتقادي ليس من أجل إسرائيل، بقدر ما هو تابع لأمريكا.. فلم تكن راغبة أو قادرة على إغضاب الولايات المتحدة كما كان الحال أيضا بالنسبة لكندا التي وقفت بقوة ضد عضوية فلسطين باليونسكو.
ألمانيا تفتح قنوات من الاتصال عبر مؤسسة دويتشة فيلا التابعة لوزارة الثقافة الألمانية مع وسائل إعلامية ومؤسسات ثقافية فلسطينية وتعارض انضمام فلسطين لليونيسكو… هل تعتقدون أن هذا التصويت بلا سيعيق برامجها في الأراضي الفلسطينية وينزع الثقة من توجهاتها؟
المفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية انسحبت من منظمة اليونيسكو لأكثر من سبعة عشر عاما تحت مبرر أن اليونيسكو انحرفت عن أهدافها الثقافية والتربوية وانحازت للعمل السياسي، الآن أمريكا هي التي تدخل منظمة اليونيسكو في القضية السياسية، نحن في منظمة اليونيسكو نتعامل بالتربية والثقافة والعلوم، وعضويتنا في هذه المنظمة ليست عضوية سياسية بل دخلناها لنحمي هويتنا الثقافية التي تسرق من قبل إسرائيل، لذلك كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن لا تدخل اليونيسكو في الصراع السياسي، وبالتالي كان على ألمانيا أن لا تنجر لما ترمي إليه الولايات المتحدة، وكل ما نطلبه من منظمة اليونيسكو حماية ممتلكاتنا التراثية الثقافية والطبيعية وهذا حقنا، وإمكانية أن يسمح لفلسطين بالتوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المنضوية تحت منظمة اليونيسكو، وبالذات اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي لعام 1972 وعن معاهدة حماية التراث غير المادي لعام 2003 وعن توقيع فلسطين لاتفاقية التنوع الثقافي لعام 2010، هذا ما كنا نسعى إليه، ونسعى إليه الآن من خلال عضويتنا الكاملة في اليونيسكو، وبالتالي بعض المؤسسات الثقافية الألمانية تدعم بعض المؤسسات الثقافية الفلسطينية. كنت أتمنى على ألمانيا أن تنسجم مع مواقف الشعب الألماني ومؤسساته الداعمة لحقوق شعبنا. وبالتالي أنا لا أرى أي تغيير على البرامج والمشروعات التي تدعمها ألمانيا في الأراضي الفلسطينية.
وما هي أهم الملفات التي ستحظى باهتمامكم بعد نيلكم العضوية الكاملة في اليونيسكو؟
بعد أن وقعنا على الميثاق التأسيسي لمنظمة اليونيسكو قبل يومين في لندن أصبحت فلسطين رسميا عضوا كامل العضوية في اليونسكو، لذلك نحن نعد الآن ملفاتنا التي سنتقدم إلى لائحة التراث العالمي التي سنسجل عليها المواقع التراثية الفلسطينية سواء كانت تراثية أو طبيعية، ومن بينها موقعي الخليل بيت لحم. ودعني أقول أن واقع الاحتلال هو واقع مر، وهو ما زال جاثم على أرضنا وعلى شعبنا وعلى ممتلكاتنا الثقافية والطبيعية، فلا ننتظر أن حصولنا على عضوية في اليونيسكو أن يغير من واقع حال هذه الاعتداءات المتكررة من قبل سلطات الاحتلال على مواقعنا التراثية والثقافية، ولكن دعني أقول بأن إسرائيل حاولت خلال الفترة السابقة تسجيل بعض المواقع الفلسطينية على إنها مواقع إسرائيلية على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، لكنها فشلت نتيجة لتصدي الجانب الفلسطيني والعربي الذي كان يقف دائما بالمرصاد لهذه المحاولات، وبعد حصولنا على العضوية الكاملة في منظمة اليونيسكو، لدينا حوالي 20 موقعا مهيئا الآن لتسجيلها على لائحة التراث العالمي، ومن بين هذه المواقع التي ملفاتها جاهزة هي موقعي الخليل وموقع بيت لحم، لذلك عندما تجتمع لجنة التراث العالمي خلال الشهرين أو الثلاثة القادمة سنتقدم بهذه الملفات، وسنقطع الطريق على إسرائيل من محاولاتها المتكررة، خاصة وأن إسرائيل حاولت تسجيل مسجد بلال بن رباح المعروف “بقبة راحيل” وتسجيل الحرم الإبراهيمي الشريف على إنهما موقعان إسرائيليان، لكنها لم تنجح، ولن تنجح في المستقبل بتسجيل أي موقع يقع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما في ذلك مدينة القدس الشرقية.
الأردن مرتبط بالمقدسات ورعاية شؤونها في القدس المحتلة ألا تخشون من وقوع خلاف مع الأردن في المنظمة الدولية فيما يتعلق بالأماكن المقدسة مستقبلا؟
نحن على وفاق وانسجام كاملين مع المملكة الأردنية الهاشمية في موضوع القدس، وبهذه المناسبة ليعلم القارئ أن موقع القدس في عام 1981 سجل على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر من خلال المملكة الأردنية الهاشمية كموقع عربي، ولم تسعى الأردن بأن تسجل القدس كموقع أردني على لائحة التراث العالمي، والانسجام والوفاق والاتفاق بيننا وبين الأردن لا مثيل له، وقد تمثل هذا من خلال المجموعة العربية والتصويت الذي تم في منظمة اليونيسكو، فموقف الأردن كان وما زال واضحا فهو يقف دائما مع الحق الفلسطيني في القدس كون القدس عاصمة فلسطينية بلا منازع، وأنا لا أتوقع خلافا، بل بالعكس هناك الآن تنسيقا وتعاونا كاملا فيما يتعلق بباب المغاربة، هناك مقترح أردني مقدم لليونسكو وموافق عليه من الجانب الفلسطيني والجانب العربي، ونعمل سويا فلسطينيين وأردنيين وعربا من أجل منع إسرائيل من تغيير المعالم الأساسية لهذا المعلم التاريخي ذو الهوية العربية ومنع إسرائيل من هدمه، وعدم تغيير طبيعة هذا الموقع الأثري التاريخي، فنحن لا نخشى أبدا من دور الأردن في القدس، فدوره يتمثل في الحفاظ على مدينة القدس كموقع عربي وبالتالي كانت الأردن أو فلسطين لا نرى أن القدس موضع خلاف بيننا وبين أي دولة عربية، بل نؤمن جميعا في فلسطين أن حماية القدس هي واجب على كل عربي ومسلم، ونحن نذهب إلى أبعد من ذلك، فالواجب الإنساني لحماية موقع القدس واجب على الإنسانية بشكل عام ، حيث أن القدس أصبحت ملكا للإنسانية بحكم أنها مسجلة على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، ومن واجب العالم جميعه أن يحمي هذا الموقع من التخريب والتدمير الذي يتعرض له من قبل سلطات الاحتلال.
ما هو وجه الإثارة في الموقف العربي وأنتم تنتزعون اعترافا بعضويتكم في اليونيسكو؟
أشرت في بداية حديثي لهذا الموقف العربي، والذي لا نستغربه ولا نشك به لحظة من اللحظات بأنه موقفا عربيا واضحا ومتضامنا بشكل جيد للقضية الفلسطينية، ولكن هناك نقطة يجب دائما أن نتمسك بها، وهي أن محيطنا العربي هو العمق الاستراتيجي لقضيتنا الفلسطينية ويجب المحافظة عليه، ونتسلح به، والنقطة الثانية تتمثل بأنه كلما كان موقفنا واضح، كلما حصلنا على احترام وتقدير من الآخرين، وكلما كان هناك تماسك عربي قوي إلى جانبنا بالإضافة إلى موقف أصدقائنا، النقطة الثالثة تتمثل بمشاعر وأحاسيس الأشقاء العرب جميعهم وبدون استثناء، هذه المشاعر التي عكست مدى الحب الذي يصل إلى درجة الذوبان مع القضية الفلسطينية، وأضرب مثلا هنا على سبيل المثال لا الحصر، سفير المملكة العربية السعودية في منظمة اليونيسكو الدكتور زياد الدريس الذي بدا قويا بشكل غير عادي في الدفاع عن الموقف الفلسطيني وعن انضمام فلسطين، وبدا واضحا من خلال تحرك الدكتور زياد باتجاه بعض الدول الأخرى، هذا التحرك الدبلوماسي الخلاق المقنع والمتسلح بالحق الفلسطيني لكسب أصوات هذه الدول لصالح فلسطين، ونائب السفير الكويتي الذي بدا يتحرك من زاوية لأخرى ليتأكد من أن الدولة الصديقة هي حاضرة وليست غائبة ليتأكد من عدد الأصوات، هؤلاء هم العرب الذين عملوا بشكل ممتاز إلى جانبنا لنصنع هذا النصر الكبير، وحتى ما بعد التصويت طلب الدكتور زياد سفير السعودية الكلمة ليرد بقوة على التهديدات الأمريكية، وألمح بشكل واضح بأن اليونسكو لن تترك وحدها أمام أي أزمة ستنشأ من جراء وقف الولايات المتحدة عن دفع مساهماتها، ومعروف عن المملكة وعن مبادراتها ومساعداتها للدول الفقيرة المحتاجة عبر اليونسكو وعبر المنظمات والمؤسسات الدولية الأخرى، وأنا واثق أن المملكة ستستمر في دعم العديد من البرامج الثقافية والتربوية لصالح الدول التي ربما تتضرر من وقف المساهمات الأمريكية لليونسكو، فلذلك كل الشكر والتقدير للدكتور زياد الذي مثل المملكة العربية السعودية ملكا وحكومة وشعبا. النقطة الأخرى ويجب أن أشير إليها، وقبيل التصويت ومنذ 25 أكتوبر أي بداية المؤتمر العام حتى 31 لم نسلم لحظة من اللحظات من الإشاعات التي كانت تبث هنا أو هناك من قبل الجانب الإسرائيلي في الصحافة والإعلام، ومن قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وللأسف في بعض الأحيان بعض التصريحات كانت تصدر هنا وهناك وهذه التصريحات لم تكن دقيقة، بالتالي وضعتنا في حالة من الإرباك، إلا أننا تغلبنا على هذه الشائعات وبالتالي كان وعينا ومعايشتنا في الميدان كان يحسم الأمر بصورة ايجابية .
أنتم تحدثتم عن الإشاعة خلال التحضيرات للتصويت على عضوية فلسطين في اليونيسكو وفي نفس الوقت دأب الإعلام وبعض الشخصيات الفلسطينية على الأخذ بالرواية الإسرائيلية المترجمة عن الصحافة العبرية ما الخلل برأيكم وأين الرواية الفلسطينية والرقابة على التصريحات؟
أقول للأسف من يريد أن يتحدث من الجانب الفلسطيني إعلاميا عليه أن يكون متيقنا من صحة الكلمة التي يتفوه بها والتي يجب أن تكون واضحة ومستندة إلى المعرفة بحقيقتها ومصدرها وصدقيتها قبل أن يدلي بها، ويجب أن تخدم الموقف الفلسطيني السياسي، ومن ناحية أخرى الاحتلال الإسرائيلي يدفع ملايين الدولارات لتمرير الرواية الإسرائيلية بوسائل عدة، لذلك الحذر مطلوب والتدقيق مطلوب حتى نتجنب الوقوع بالشرك الإسرائيلي. إذن انأ أقول على الإعلاميين والمسئولين الفلسطينيين الذين يتحدثون إعلاميا بين الحين والآخر باسم هذه الجهة أو تلك، أن يتأكدوا تماما مما يقولونه، وأن يرجعوا إلى أصل الرواية، وانأ لا أريد أن أقول أنها ترجمات إسرائيلية بقدر ما هي عدم معرفة بما يجري في الميدان. وعلى سبيل المثال صدرت بعض التصريحات عن بعض المسئولين الفلسطينيين قبل التصويت، مفادها أن التهديدات الأمريكية نجحت إلى حد ما بالتأثير على بعض الدول الأعضاء في اليونيسكو، وبدأت الدول الأعضاء تتراجع عن التصويت لصالح فلسطين!!!.. بصراحة هذه التصريحات ساهمت إلى حد ما في وضع الساحة الفلسطينية بحالة إحباط، وحالة من الإرباك الميداني لما نقوم به في منظمة اليونيسكو، ولكننا نجحنا بالرد على هذه التصريحات من واقع الميدان الذي كان يؤشر بوضوح على أن الأمر محسوم لصالح فلسطين، وبالتالي لم يكن لهذه التصريحات أي مصداقية إطلاقا في نقل الصورة ميدانيا، بدليل أن عدد الدول التي صوتت لصالح فلسطين بلغ 107 مقابل 14 دولة صوتت ضد القرار، وهذا يؤكد أن التصريحات والأقاويل التي صدرت وكانت تشكك في نتيجة التصويت لم تكن ترتكز على أي أساس من الدقة في التشخيص لما كان يحدث في الميدان.
أنتم عضو في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في ظل ما يسمى بثورات الربيع العربي هل هناك تنسيق وتواصل بين أعضاء المنظمة، خاصة في تلك الدول التي شهدت تغييرات وهل تتوقعون تغييرات نحو الأفضل؟
بعد عودتنا من باريس، كان هناك اجتماع للأمناء العامين للجان الوطنية العربية للتربية والثقافة والعلوم، وعقد هذا الاجتماع في تونس في الفترة بين 16 و18 نوفمبر تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أي جامعة الدول العربية، تخلله نقاشا مثمرا وجادا، وأسفر عن بعض القرارات المهمة جدا خاصة بعد حصولنا على العضوية الكاملة في منظمة اليونيسكو، وعلى رأس هذه القرارات هو تفعيل وتعزيز دور وحدة فلسطين بالمنظمة العربية، وهذا يعني أن المشاريع الفلسطينية الممولة من المنظمة العربية ستكون أكثر فاعلية وأكثر قوة، وبنفس الوقت سنحتاج من المنظمة العربية تأهيل وتدريب الجانب الفلسطيني على كيفية ممارسة الاتفاقات الدولية التي أشرت إليها في بداية الحديث، وهذا يحتاج إلى دورات ستقيمها المنظمة العربية لتدريب الجانب الفلسطيني على كيفية التعامل مع هذه الاتفاقات والمعاهدات الدولية هذا جانب. وفي الجانب الثاني في المدة الأخيرة نالت إسرائيل من المنهاج الفلسطيني في مدينة القدس بالذات، وقامت بحذف بعض النصوص في مواد التاريخ واللغة العربية وحتى مادة الرياضيات والتربية المدنية، وتم توزيعها من قبل بلدية الاحتلال في مدينة القدس على الطلبة والمعلمين، وعليه أعددنا تقريرا شاملا وموضوعيا نوضح من خلاله المواد التي حذفت وتغيرت، وعرضنا ذلك على الاجتماع، والذي قام بدوره بإصدار قرار للتحرك الفوري والعاجل لدى منظمة اليونسكو لوضعها في صورة ما يحدث. لذلك لا بد من منظمة اليونيسكو أن تتخذ موقفا تجاه هذا الانتهاك الواضح والصارخ لعملية التعليم. أما فيما يتعلق بما يجري في الوطن العربي من حراك ويما يسمى بالربيع العربي، ما زالت الأمور غير واضحة المعالم والهوية غير واضحة والبوصلة ما زالت غير مرئية بوضوح إلى أين تتجه. نأمل أن يكون التغيير فعلا نحو الأفضل وبما يخدم المواطن العربي وقضاياه الحياتية اليومية وتحفظ كرامته وتسمح له بالمشاركة الفعلية بصنع القرار، ونتمنى أن تكون القضايا العربية القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية من بين القضايا الهامة التي ينبغي أن تكون على رأس جدول أعمال الأمة العربية
| < السابق | التالي > |
|---|