Fri05182012

للإعلى حوار الوسط اليوم حوار.. جفاف امرأة في "كامل مشمشها"

حوار.. جفاف امرأة في "كامل مشمشها"

alt

بثينة حمدان

بعد عشر سنوات على وفاة زوجها، نظرت حولها لتجد ابنها سيف وقد جاوز العشرين من العمر، وابنتها سلام التي تجتاز اليوم عتبة السابع عشرة نحو الجامعة.. سنوات قاسية تدحرجت ما بين الألم والوحدة والبكاء ليلاً، على حب وافته المنية مبكراً، ليقصم ظهر هذه العائلة.

مرت السنين على جسدها فأبقته بارداً متعطشاً.. طوال الليل، كانت تمد يديها لتسحب غطاءً آخر يغطي بدنها المقشعر دوماً، يغطي معالم أنوثتها ويخفي أحلامها الطويلة. كانت تستيقظ كل يوم فتزيح عنها جبلاً، تغسل وجهها الناعم، تمسد شعرها، تتذكر صورته، ثم ترتدي ملابسها لتواجه المجتمع: أرملة. وتواجه أولادها: أماً وأباً!

رسمت الأيام خيوط حزن على بشرتها لم تلحظها إلا اليوم، وهي ترى ابنها العاشق، وترى شعر ابنتها الكستنائي والكحل في عيونها السوداء. لم تر هذه الخطوط إلا حين غازلها ذلك الرجل طالباً بحب أن يقتحم حياتها شريكاً. اهتز جسدها كما لم يحدث لها منذ عشرة سنين، وتناثرت أفكارها، طارت عن الأرض، أمسكت لأول مرة بتذكرة السفر نحو آفاق الحب والدفء والحنان.. لتتذكر خيالاتها الملاصقة لها..

* * *
سيف (الابن): أريد امرأة مثل أمي، تحمل كل هذا الكم من الوفاء، امرأة لا تفكر إلا بالعائلة، جميلة، حنونة، صابرة، عاشقة لرائحة طهيها. يا إلهي لازالت تعلق صور أبي في غرفتها، تتذكره كلما أعدت لنا أطباق الحلو التي كان يحبها، لازالت تحتفظ بملابسه في مكانها، تغسلها كل فترة، تحبه حتى الآن كما لو أنه بيننا.

عفاف (الأم): قررت أن أوزع ثياب والدكم إلى الفقراء.. وهذا إكراماً للميت. لقد تعبت من النوم في غرفة الذكريات، في غرفة مليئة بالغبار والصور، والخيالات التي لا تفارقني ليلاً، أريد أن أنام بهدوء، وأن أبدل الشراشف إلى ألوان زاهية أكثر حداثة. أريد أن أشعر أنني أعيش معكم في هذا الزمن، فأنا لست ماضي، أنا حاضر تعيشونه معي.

سيف: معك حق يا أمي، مع أنني حين أشتاق لأبي أذهب إلى ملابسه أستمع إليه، وكأنه موجود. –وقد رآى والدته تحزم أمتعة والده الميت منذ سنوات- لا أستطيع أن أصدق ما تقوم به أمي الآن.. لماذا الآن وعلى مرآى منا!

عفاف: وهذه الصور التي تملأ غرفتي.. مَن هذا الرجل الذي يعتلي حائط نومي؟ هنا يقبلني، وهناك يضع في يدي خاتم الخطوبة، وهنا صورة عائلية، وهنا في شهر العسل: مَن هذه التي تقف إلى جانبه وهي في "كامل مشمشها"، وعينيها في كامل بريقهما، بشرتها نضرة، وقفتها واثقة، شعرها طويل وثقيل..؟ مَن هي هذه السيدة وقد فقدت الكثير من المشمش؟ من هو هذا الرجل الذي لم أره منذ سنين؟ لا أعرف شيئاً عن تفاصيل "حياته" ما بعد الموت، كيف يقضي حياته المفقودة في ذلك القبر؟ أين هو من هذه العائلة؟

(نزعت الصور من الحائط ووضعتها في صندوق أطلقت عليه صندوق الذكريات، وأبقت صورة واحدة؛ صورة العائلة)
سلام: هل ستنسين والدي يا أمي؟

عفاف: (حضنت ابنتها) لا يمكن لأحد أن ينساه؟ لكنه غير موجود. لقد تعبت بدونه، وتعبت من الناس ومن نظرتهم لامرأة تعيش بلا رجل حتى ولو كان ميتاً، الناس الذين ظلوا يذكرونني بألمي وضعفي وكأن الضعف حكر على الأنثى. الحب بلا شريكين يصبح وهماً أو ماضي. لم تتركني حتى المضايقات التي ترى في الأنثى الوحيدة باباً لا بد من تكهن ورؤية ما بداخله، أو ترى فيها وردة يعتقدون أن التكالب على استنشاقها ولو قسراً.. أمراً طبيعياً.

سلام: ..
سيف: من هم زوارنا التي تريدين منا ان نستقبلهم ونجلس معهم، في حين لم نعتد على الجلوس مع صديقاتك؟
عفاف: زميل جديد معي في العمل، كان مغترباً وعاد منذ عام، قريب من عمري، سيأتي هو ووالدته المسنة وأخته لزيارتنا والتعرف عليكم..
سيف: لماذا؟
عفاف: سنعرف قريباً.
سيف: هل هو عريس؟
-ابتسمت الأم-
سيف: هل تمزحين؟
عفاف: ..
سيف: بعد هذا العمر! هل تفضلين رجلاً على والدي. لماذا؟ لماذا؟ هل تريدين أن يضحك علينا العالم؟ وأن أصبح أضحوكة بين زملائي؟
عفاف: عزيزي، لقد كبرت وستتزوج أنت واختك قريباً. قريباً ستتركون المنزل ليصبح فارغاً إلا من الذكريات التي ستحاصرني، أريد شريكاً يؤنس علي وحدتي، أنا أم لكنني امرأة مليئة بالمشاعر التي ظلت جافة طويلا، أخلصت لوالدك ورفضت بعده الزواج، كرست حياتي وشبابي لرعايتكم، ولأعوضكم عن حرمان الأب. لكنني اكتشفت أنني نسيت نفسي، ودفنت قلبي لرجل غير موجود.

سيف: ومن قال لك أنني سأتركك؟ ستعيشين معي، ومع أحفادك الذين معهم لن تجدين وقتا لتفكري بأي ماضي أليم! سأخدمك بعيوني. لن تكوني وحيدة أبداً. ستستيقظين كل يوم وأنا أطبع قبلة على جبينك. وأنام بعد أن أطبع قبلة على يديك التي رعتني. لن أتركك وأنا أحدثك صديقاً لك كما اعتدنا أن نكون. سأسلط أبنائي عليك واحداً تلو الآخر لمداعبتك ليل نهار. وزوجتي ستختارينها أنت، لأنك يجب أن تحبيها أنت أولاً.

عفاف: أحب حنانك وطيبتك التي تحتل جزءً كبيراً من قلبك، لكنني لن أجعلك تغير شكل حياتك لأجلي، وغداً ستشغلك مسؤوليات أكبر. أما الحب فأنت من يختاره لأنك أنت من سيعيش معه. لا أريد أن أثقل على أحد حتى ولو عليكم. سأجن من الفرحة حين تتزوج ويصبح لك أبناء. لكنني أحتاج إلى أن يحبني أحد، رجل أكون أنا نجمته، وشريكته، يتكيء علي وأتكيء عليه، وستكون أنت وأختك موجودين في حياتي تملآنها فرحة. لقد حثنا ديننا على الزواج، فلماذا تحرمني منه الآن وقد علمتك لتكون رجلاً، لكن رجلاً ليس على أمك! رجلاً في كلمتك وأخلاقك وشرفك. والزواج ليس خطيئة!
سيف: لماذا تريدين تحطيم كل لحظة سعادة بيننا، لقد بكينا سوية على أبي، لقد فقدت شهيتك للحياة بعده، وقضيتي عمرك تلبسين الألوان الداكنة، وتذكرينه في كل لحظة. أين هو الآن منك؟ ونحن هل ستبيعيننا لأجل رجل؟ هل ستحبينه أكثر منا؟ هل ستضحكين معه وتخرجين وتسهرين؟ هل أنت أمي التي ربتني؟ أم أمي التي تريد أن ت..ف..ضحنا؟

عفاف: حبي لوالدك هو حب ترحمنا عليه جميعاً، يبقى حباً لكنه مدفوناً. فإلى متى تريدني أن أعيش مع مرحوم؟ زواجي لا يقلل من شأنك؟ فهو أمام العالم؟ لماذا تكره لي ما رضيه الله لي. وأنت ابني الذي خرج من رحمي وأنا أصرخ ألماً؟ لا تكن سيفا علي يا بني!

سيف: ...
عفاف: كل ما أريده هو أن تتعرفوا عليه وإذا لم تحبوه فقولوا لا.. ولن أحاوركم. لن أدافع عن رجل لم أعشقه بعد.. رجل ما يزال قيد النقاش. وافقت على المبدأ فقد حرك بداخلي جبلاً وحوله سهلاً، بعد أن اعتقدت أن بريقي وأنوثتي وذاتي قد غابت ودفنت.
سيف: لا أعلم إن كنت أستطيع استقباله! –يغادر البيت-
سلام: لقد علمتني أن أكون لرجل واحد.. فماذا تفعلين؟
عفاف: نسيت أن أعلمك أن تكوني لرجل واحد .. حي يرزق!

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com