اخر الاخبار
| الفنانة الفلسطينية سمر غطاس تجربة.. تخلع أبواب النفس و توقظ أسرارها النّائمة |
|
|
|
| الكاتب الوسط اليوم - بشرى بن فاطمة |
| الاثنين, 08 فبراير 2010 15:20 |
|
"عندما تنظر في عيونك عبر المرآة ترى هناك أشخاصا آخرين تعرفهم و تعرف من أين تنظر إليهم و لماذا تتصرف معهم كجزء من ذاتك فتجد أنك طرف في عالم واسع يحتوي على تفاصيل مركبة
و قصص حياتية مختلفة أثرت فيك و أغنتك عن سذاجتك و جهلك تشكلت و توحدت معك في همومك من خلال همومهم"... بهذه الكلمات إختزلت سمر غطاّس رحلة فنيّة شيّقة أسّست من خلالها تجربة جديدة تجاوزت الواقع نحو سرياليّة سردت قصصا و هموما لشخصيات ليسوا بغرباء عنها
و لا عن بيئتها حكاياهم تشبه حكاياها و حكايا كامنة داخل نفسيّة كل متلق لكن الإحساس و المشاعر بكل تلك الحكايا يختلف مما يعطي دفعا مستمرا لخوض تجربة الغوص في أعماق النفس
و التأثر بما ترويه و تصميم حبكة فنيّة لترسيخ القصّة و الفكرة و طرحها للمتلقي كي يتأملّها بكل أفكاره و وجدانه و يعيد تفكيكها و استيعابها، لتتسّم الأعمال إجمالا بالشفافيّة و القدرة على السّرد الفني دون المساس بالذّات و النفس التي هي المكان و الزمان والأفكار التي تنبض في داخلها بالحياة.
سمر غطاس و نظرة إلى النفس
سمر غطاس هي فنانة فلسطينية من مدينة بيت لحم، درست الفن في أكاديمية الفنون بأكرانيا، تخرّجت بدرجة ماجيستير في إختصاص غرافيك ديزاين عملت في عدّة مجالات كما أتيحت لها فرصة التّدريس بجامعة بيت لحم، كانت لها مشاركات فنيّة في معارض داخل فلسطين في بيت لحم، القدس و رام الله و خارج فلسطين في ألمانيا، إيطاليا و الولايات المتحدة الأمريكيّة.
و لديها أعمال مميّزة بمتحف "فرحات للأعمال الإنسانيّة" تصل إليها 25 عملا. تتميز أعمال سمر بعدّة خصائص أكسبتها طابع الندرة و الإنفراد في الطّرح، كانت نتيجة تأثّر بالمحيط الذي تطغى عليه قضيّتها الأم القضيّة الفلسطينية ثم القضايا ذات المواضيع الإجتماعيّة و الإنسانيّة التي تهم الإنسان الفلسطيني لأنه إنسان عادي له مشاعره و همومه البسيطة التي تشبه أي إنسان آخر في أيّ جغرافيا أخرى من هذا العالم ثم نجد تأثر سمر الذاتي الذي تمتزج فيه كل هذه المواضيع إضافة إلى ميزاتها كإمرأة داخل تلك الجغرافيا.
يتنوّع أسلوب سمر غطّاس الفني فهي تستخدم الألوان المائيّة، كما تقدّم أعمالا حديثة تعتمد على التصوير الفوتوغرافي و المونتاج و التصميم على الكمبيوتر الذي تتشكّل فيه الصور وفق أفكار تستنبطها من خلال أشخاص تلتلقيهم و تسمع قصصهم و أوجاعم و آلامهم و آمالهم.
فتمزج أفكارها مع أحاسيسها لتولّد عملا فنيا مختلفا يطبع السّمة التي ميّرت و تميّز أعمال سمر غطاس من خلال ذلك الإبتكار المتمثّل في التلوين الإنساني العميق الذي يصبغ أفكار المصور المستمع و أفكار المصور الراوي و هو ما يعكس مشاعرعميقة تنبع في أعمالها تعبر عن القلق و المعاناة عن الحيرة و الإستمرار، عن الماضي و الإنتظار عن النفور و الحنين.. فكأننا بسمر تصوغ تحفة فنية إنسانية حديثة عميقة الأبعاد تحيلنا إلى تلك الكلمات المعبّرة للأديب جبران خليل جبران " أنا لا أبدّل أحزان قلبي بأفراح الناس و لا أرضى أن تنقلب الدّموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي و تصير ضحكا، أتمنى أن تبقى حياتي دمعة و إبتسامة، دمعة تطهر قلبي و تفهمني أسرار الحياة و غوامضها و إبتسامة تدنيني من أبناء بجدتي و تكون رمز تمجيدي.."
أشياء في النفس
إن المتأمّل في أعمال سمر غطاس يلاحظ مدى إشتباك العقل و الروح من أجل السمو بما تقدّم،
لتخلق علاقة إنسانية بين الواقع و الفن ،فمن الإرتواء من نبع الشخصية المنتقاة و ما تخفيه من أشياء داخل النفس إلى صقل ذاتي فني يصل إلى المدى الإنساني، تعتمد فيه على تقنيات ضوئية
و أساليب تؤسس لمونتاج يعتمد على الترميز الذي يقرب من أعماق الشخصية، التي تظهر من خلال عينيها "العين" تلك النافذة المشرّعة التي ترينا الداخل العميق و تطلعنا على الأفق، تركز سمر على العين لأنها في حد ذاتها حكاية فهي اللسان و هي العمق في نفس تتحدث عن الأنا من الداخل و عن الآخر في المحيط،و العين هي التي تحتضن كل الأسرار فتنير ذلك الضوء الداخلي الذي تستخرجه سمر لتسطع به في أعمالها، فتظهر حكاية كل عين في مختلف الرموز الأخرى التي تمس قضية فلسطين مثل الجدار، شجر زيتون، الصبار، الطريق، الجندي و الحصار، أو القضايا الفردية البسيطة اليومية التي تهم المستقبل و حالة الإنتظار و الحب و التأمل و الحياة و الإرهاق و الضغوط النفسية..
و بهذا تمكنت سمر غطاس من أن تبتدع لغة فنية تبنت الواقع بالغوص في الوعي لتنتشل منه أسرارا و تفك غموضه الذي يعبر عن الإنسان من خلال ذلك الخيط الرابط بين الحياة و التشبث بها و الإستمرار فيها. |











