دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
النّرجسيّة! / مطانس فرح

مَن منّا لا يحبّ نفسه - يحبّها على طريقته - بشكل أو بآخر؟ فحبّ النّفس أو الذّات صفة إيجابيّة؛ فمَن لا يحبّ نفسه يصعب عليه جدًّا حبّ الآخرين. لكنّ ذلك الحبّ يجب ألّا يُبالَغ فيه، كَيْلا يصل حدّ النّرجسيّة..!
وهذا ما لمسته، مؤخّرًا، لدى بعض الأشخاص - بعض المفكّرين والمتعلّمين والمثقّفين وأشباههم، وبعض أصحاب الأموال ومَن هم على شاكلتهم، وخصوصًا بعض "الجميلين" و"الجميلات".. والفنّانين والفنّانات.. و"أشباه أشباه صغار الفنّانين والفنّانات" - الّذين يعتقدون بأنّهم وصلوا مرتبةً "فكريّة" أو "علميّة" أو "ثقافيّة" أو "مِهْنيّة" أو "إداريّة" أو "جماليّة" أو "فنيّة"، تؤهّلهم لتألِيه أنفسهم وتمجيد ذواتهم!! فيفرضون أنفسهم على الآخرين، ويضعون مصلحتهم الشّخصيّة - أيّـًا كانت - فوق كلّ اعتبار، وينظرون إلى الآخر باستعلائيّة واستخفاف وازدراء.. معتقدين أنّ الخالق فضّلهم على رُسُله وأنبيائه، وميّزهم عن غيرهم من البشر، وأحاطهم بهالة من "العظَمَة"، تؤهّلهم للتّربع على قمّة العالم؛ ولكنّهم على خلاف ذلك، تمامًا!
وقد جاء في تعريف النّرجسيّة أنّها تعني حبّ النّفس المُفرَط، وهي عبارة – غالبًا - عن اضطّراب نفسانيّ في الشّخصيّة. يتميّز صاحبها بالغرور، التّعالي، الشّعور بالأهمّيّة، والنّصر الدائم، حتّى إن كان ذلك على حساب أقرّب المقرّبين إليه.
ويعود أصل كلمة «نرجسيّة» إلى أسطورة يونانيّة، ورد فيها ذكر «نارسيس»، ذلك الشّاب الّذي كان آيةً في الجمال، عشقَ نفسه حتّى الموت، حين رأى صورة وجهه في الماء.. عشق نفسه حتّى الموت(!!).
إنّ الصّفة الأساس في الشّخصيّة النّرجسيّة (Narcissism) هي الأنانيّة؛ فالنّرجسيّ عاشقٌ لنفسه، يجزم أنّه الأفضل والأجمل والأذكى، ويرى النّاس أقلّ منه قيمةً وقدْرًا ومستوًى؛ لذا يستبيح لنفسه استغلال النّاس، والسخرية منهم.. والنّرجسيّ يهتم كثيرًا بمظهره وأناقته، ويدقّق كثيرًا في اختيار ملابسه، ويعنيه جدًا كيف يبدو في نظر الآخرين، حيث يهمّه جدًا إثارة إعجابهم؛ فيستفزّه كثيرًا تجاهله من قبل الآخرين، ويُحْنِقه (يثير غيظه) النّقد، فلا يعنيه أن يسمع إلّا المديح أو كلمات الإطراء والإعجاب.
كما يصاحب النّرجسيّ شعور «العظَمَة»، فيشعر بأنّه "نادر الوجود"، أو "فَريد عصره"، ينتظر من الآخرين احترامًا خاصّـًا لشخصه وذاته و"أفكاره" – وغالبًا ما يكون دماغه "فارغًا" من أيّ أفكار تُذكر؛ فيتحوّل هذا "الفارغ" إلى استعلائيّ، استغلاليّ، ابتزازيّ، وصوليّ، يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم لتحقيق مآربه الشخصيّة؛ فيصبح غيّورًا، مُتمرَكِزًا حول ذاته منشغلًا بالـ"أنا" والـ"إيچو" فقط..!
في الأسبوع الأخير، التقيت عددًا من الأشخاص (إناثًا وذكورًا)، معارف وأصدقاء حقيقيّين؛ وحادثت وناقشت عددًا آخر من "الأصدقاء الافتراضيّين" عبر صفحة التّواصل الاجتماعيّ ("فيسبوك")، لأكتشف في بعضهم وبعضهنّ (أساسًا) حبّ الذّات المُفرَط؛ فعلى ما يبدو - التّنافس اللّا-نهائيّ في مجتمعنا (الشّرعيّ والطبيعيّ) منه، و(اللّا-مشروع واللّا-أخلاقيّ) كذلك، والصّراع اليوميّ على مواكبة التّغييرات والتّحديثات والتّطوّرات، وتصدّر العناوين، والبقاء في مركَز الأحداث؛ حوّل جزءًا من أفراده – من "أصغرهم" قيمةً وقدْرًا إلى "أعلاهم" ثقافةً وعلمًا وفنّـًا وجمالًا (لا أعمّم) – إلى نرجسيّين بامتياز، فأٌصيبوا بـ"جنون العظَمة" و(عَ الـ.. يا لوزة)!!
من الصحّيّ والضّروريّ جدًّا، التّباهي والافتخار والاعتزاز بالنّفس، وعيش نشوة النّجاح أو الانتصار؛ ومن الطبيعيّ، أيضًا، الشّعور بالغرور أحيانًا، ولكن من دون أن يتحوّل شعورنا هذا إلى نهج حياة يوميّ، فيؤدّي إلى اضطراب أو مرض نفسانيّ.
وأنا شخصيّـًا - بَشريّ كباقي البشر - يمسّني الغرور حينًا، وتكتنفني نشوة السّعادة و"النّجاح" أحيانًا، حين أحقّق أهدافًا شخصيّة، أو عندما أوفّق لِمـَهمّة صِحافيّة، أو أفلح في كتابة مقالة نقديّة، أو تقرير خاصّ، يتحوّل إلى "حديث السّاعة". لكنّي أعمل على "مَحو" الغرور والنّشوة بأسرع وقت، لهدف المُضيّ قُدُمًا في عملي، فما زال المشوار أمامي طويلًا.. أتعلّم من إخفاقاتي أحيانًا، ونجاحاتي حينًا.
دعونا نتساءَل: كَم من "مفكّر" يفتقد الفكر؟ كَم من "مثقّف" يفتقد الثّقافة؟ كم من "متعلّم" يفتقد العلم؟ كَم من "قائد" يفتقد القيادة؟ كَم من "مدير" يفتقد الإدارة؟ كَم من "مدرّب" يفتقد التّدريب؟ كم من "معالِج" يفتقد العلاج؟ كم من "فنّان" يفتقد الفنّ؟ كَم من "كاتب" يفتقد الكتابة؟ وكَم..؟ وكَم..؟ وكَم من "إنسان" يفتقد الإنسانيّة؟!.. وكَم منهم يتربّع على عرش "النّرجسيّة"؟!!
رحم اللّه امرَأ عرف قدْرَه فوقف عندَه..!!
(*) صحافيّ حيفاويّ فِلَسطينيّ، مدير تحرير صحيفة "حيفا".

2013-02-01