دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
النِداءُ الأخير/ بقلم خيري حمدان

أدار السائق مفتاح محرّك الشاحنة الذي أخذ يهدر بقوّة ثمّ هبط لإنجاز بعض الأعمال الخاصّة، كنّا نحيط بالحافلة بانتظار إشارة تسمح لنا بالصعود إليها. لم أكن في عجلة من أمري، وكنت في الوقت نفسه متلهفًا للابتعاد عن هذه المدينة. السفر بحدّ ذاته بمثابة هروب نحو عوالم أخرى، قد يكون بعضها افتراضيًا، حسنًا ما الغريب في هذا، ليكن العالم الذي بانتظاري افتراضيّ. لقد سئمت البقاء مُقْعدَا بانتظار حدث. أنا هو الحدث! أدركت هذه الحقيقة مساء الأمس. أنا الحدث، وحدي قادر على خلق دراما في لجّة الرتابة.
لديّ رغبة بأن أكون أوّل الصاعدين إلى الحافلة، لا يوجد مودّعون، فأنا أوّلهم وآخرهم في هذه المدينة. "إلى أين أنت مسافر؟" لم يوجّه أحدهم لي هذا السؤال لكنّي أجبت "سأسافر إلى إحدى المدن البعيدة المتواجدة وسط غابة عذراء" ضحك الآخر من سذاجتي وعقّب قائلا "لم تعد هناك غابات عذراء فوق هذا الكوكب يا سيدي!" أجبتُ بحزم "أنا لست سيدك، أنا لست سيد أحد". لاحظت مؤخرًا بأنّني أستخدم كلمة "أنا" في الكثير من أحاديثي. ما الذي يعنيه ذلك؟ هل أصبحت مسكونًا بهمّي دون الآخرين؟
علينا أن ننتظر بعض الوقت، يوجد خلل بسيط في المحرّك، يجب تغيير حزام المروحة أو شيئًا من هذا القبيل! تبدو رحلتي صعبة حتّى قبل أن تبدأ، ذهبت مع باقي الركاب إلى المقهى القريب، طلبت قهوة وقطعة كعك وجلست في ركن منزوٍ، لم تكن لديّ أيّة رغبة بتبادل الحديث مع أحد، رغبتي الوحيدة هي الابتعاد عن الحضارة والمضيّ نحو الحياة البدائية. لا أدري إذا كانت هناك حقًا حياة بدائية أم أن الأماكن كلّها باتت مسكونة بمخلّفات الحضارة البشرية المُمتهنة؟
-    هل لي بالجلوس إلى طاولتك؟ فتاة في مقتبل العمر، تحمل كأسًا من الشاي وقطعة كعك كبيرة، تطلب منّي الإذن بالجلوس. لو كنّا في غابة أو في سهل عريض مفتوح لما اضطُرّت لطلب الإذن منّي بالجلوس، لكنّها كما قلت "الحضارة" التي كبّلت أيدينا، أشرتُ لها بطرف يدي آذنًا لها بالجلوس - جميلة، مندفعة، شرهة.

-         تفضّلي سيدتي، اجلسي من فضلك.

-    آنسة لو سمحت. ثمّ طفقت بالتهام قطعة الحلوى وشرب الشاي دون أن تعير أحدًا أدنى انتباه. هذه علامة واضحة على ثقة كبيرة بالنفس، لعلها الوقاحة. أضافت قائلة "أكره السفر مع هذه الشركة، غالبًا ما تتعطّل حافلاتهم قبل الانطلاق أو بعد ذلك بقليل، لكنّي في عجلة من أمري."

-         أين وجهتك يا آنسة؟

-    آنا، اسمي آنا. هل قرأت آنا كرنينا لليو تولستوي؟ أبي مولع بالأدب الروسيّ وأصرّ على تسميتي بآنا. أؤكّد لك بأنّ خياراتي أفضل بكثير من تلك الرومنسية المنتحرة تحت عجلات القطار.

وجدت نفسي أمام ثرثارة لا تُحْتمل، وكنت أبحث عن خلوة على وقع عجلات الحافلة المنطلقة كأفعى متلوّية نحو المجهول المعلوم، كم أنا ساذج! أخبرني عن وصفة ما تريحني من ترداد "الأنا". النسيان نعمة يصعب نيلها، النسيان مشروع أنانيّ للغاية، فضيلة مغمّسة بكمّ كبير من الرذيلة. أنا نكرة، لا أحد. أنا مفرغٌ من القيمة المضافة، لا أحد يستحقّ رفقتي.
-    من أنت، أقصد ما اسمك، يجب ان أعرف اسمك لأنّك ستجلس إلى جانبي، رقم بطاقتك 67 وأنا السنة التالية، أنا آنا الثرثارة وعليك تحمّل اقتحامي لعالمك، لا مفرّ من ذلك. أتبعت كلماتها برشفة كبيرة من كوب الشاي دون حرج.

-         أنا نكرة يا رفيقة الطريق، لم يسبق أن عاملتني امرأة بهذه العفوية. هل عليّ أن أجلس إلى جانبك حقًا؟

-    نعم. بالمناسبة، أنا فتاة ولست امرأة، وهذا لا يعني بأنّني بريئة ولا أقبل بمزيد من الأسئلة الشخصية. لكنّي أصرّ على معرفة اسمك.

-    أنا الموظف السامي كارنين يا آنستي. لم تمتلك نفسها عن الضحك وغرقت تقهقه بملء صوتها، لكنّها أحجمت حين رأت عشرات الرؤوس تدور نحوها.

-    كارنين يكبرها بعقدين من الزمن، كارنين صاحب أذنين كبيرتين، رجل غير قادر على إشباع رغباتها بالاندفاع والبحث عن المغامرة. أنت تبدو عكس ذلك يا كارنين.

-    بل أبدو مملا للغاية، أبحث عن الملل وأهرب من المغامرة، لكنّ يبدو بأنّ المغامرة قد بدأت الآن بعد أن تعثرت بك في هذه الرحلة.

-         ماذا تقترح؟

-         أن تصمتي قليلا، هل هذا كثير؟

-         نعم هذا كثير. لن أصمت طِوال الطريق وسترى.

كانت تحدّق في عينيّ بتحدّ واضح وكانت تبتسم، النهار كلّه كان يبتسم لها، إنّها تنتمي لذلك النمط اللعين من النساء، اللواتي يتعذّر الهرب منهنّ ما دمن قد أعلنّ حالة الحرب بأنثوية عفوية ضدّ الرجولة المقيّدة. حاولت النظر بعيدًا علّها تبعد عينيها بعيدًا عنّي، لكنّ هذا لم يجدِ نفعًا، كانت تحدّق وتبتسم وتأكل وتشرب الشاي وتتمتّع بقهري وتعذيبي، كانت تجذبني لعالمها بكلّ سهولة ودون عناء، وأنا أبدو مطيعًا غير قادر على الصمود في وجهها. همست بعد دقائق "هيّا يا كارنين، لقد حان وقت السفر ألم تسمع صوت النداء الأخير؟".

2013-03-19