دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حفلٌ تأبينيّ للشاعر الفنان د. سليم مخولي/ آمال عوّاد رضوان

لجنة التأبين في كفرياسيف وخارجها في الجليل؛ المؤلفة من آل مخولي وآل بولس، ومجلس كفرياسيف المحليّ، وجمعيّة الفنانين التشكيليّين العرب "إبداع"، ومنتدى الحوار الثقافيّ في مركز "ترات البادية" عسفيا، والمجلس الرّعويّ للرّوم الأورثوذكس كفرياسيف، أقامت حفلاً تأبينيًّا في ذكرى مرور أربعين يومًا على رحيل الشاعر والفنان المناضل د. سليم مخولي 1938 – 2011، في قاعة المركز الثقافيّ البلديّ في كفرياسيف، باعتباره علَمًا من أعلام كفرياسيف، وذلك بتاريخ 17-12-2011، حيث احتشدَ جمهورٌ غفيرٌ شارك في هذا الاحتفال، وقد تمّ اختيار د. منير توما بتكليفٍ من عائلة الفقيد، ليكون عريفًا لاحتفال التأبين ومُشرفًا ومنسِّقًا لهذا الكتاب التذكاريّ، وقد تضمّن البرنامجُ كلماتٍ وقصائدَ لكلٍّ من السيدات والأسياد الأفاضل:

 

 

 

قدس الأب عطالله مخولي، فضيلة الشيخ نعيم هنو، السيد عوني توما رئيس مجلس كفرياسيف المحليّ، البروفيسور سليمان جبران، الشاعر أحمد الحاج، الأديبة راوية بربارة، الأستاذ جريس إلياس، الشاعر عناد جابر، البروفيسور نعيم شحادة، الشاعر رفائيل بولس، الأستاذ خالد خوري، د. خليل إندراوس، الأستاذ صموئيل سعيد، وكريمة المرحوم المربية نبال مخولي حديد، وابن المرحوم ابراهيم سليم مخولي.

 

في ختام الحفل التأبينيّ تمّ توزيع كتاب تذكاريّ أنيق لذكرى المرحوم د. سليم مخولي، شمل كلمات التأبين في الكنيسة والمركز الثقافي، وكلمات كتبها أصدقاءُ ومريدو المرحوم، بالإضافة إلى فصل خاصّ بلوحات الفقيد الفنيّة التي رسمها بريشته، وكذلك فصلٌ خاصّ بصور عائليّة واجتماعيّة وثقافيّة تُظهر النشاطات المختلفة في حياة الفقيد.

لقد شمل الحفل التأبينيّ فقراتِ عرض كولاج صور د. سليم مخولي العائلية، وصور تضمنت نشاطاته الاجتماعيّة والأدبيّة والسياسيّة، بالإضافة إلى عزف شجيّ ذي شجن حزين على الكمان والعود للفنان عماد دلال، من مغناة الوطن لد. سليم مخولي، علاوة على ترنيمة قدّمتها الآنسة الفنانة الصاعدة روزان بولس،

وفي ختام الحفل أعلن د. منير توما عن نية "رابطة إبداع" بتنظيم حفل تأبينيّ خاصّ، مع معرض للوحات المرحوم يوم 21-1-2011 في صالة عرض "رابطة إبداع"!

 

مع توافد الجمهور إلى القاعة التي تطغى عليها رهبة الفقد، أطلّ علينا د. سليم مخولي وقورًا مضيئًا مبتسِمًا من شاشتين معروضتين على المسرح، بكامل هيبته واتزانه المعهودين، وأشعّت عيناه الثاقبتان المُحبّتان لكلّ مَن التقاهُ وعرفه، يُرافقهما صوتُ توأم روحه العريف د. منير توما، يرحب بالحضور ويطلب الوقوف دقيقة صمت إحياءً لذكرى فقيد كفرياسيف ومجتمعنا العربي د. سليم مخولي!

 

د. منير توما عريفُ حفل التأبين افتتح الحفل قائلا:

أيّها الحفل الكريم مع حفظ الألقاب!

في هذا اليوم وبمناسبة إحياء ذكرى فراق أخينا وصديقنا الطبيب والشاعر الأديب والفنان المرحوم الدكتور سليم مخولي، نمضي في هذه الحياة الهزيلة، حيثُ النهارُ لا حواجب له، وليس للشمسِ أهدابٌ طويلة على حدّ تعبير الشاعر الكبير أدونيس.. نمضي وفي كلماتنا رنينٌ لا صدى له، لأننا نعانقُ جُزرَ الوحدةِ والغُربةِ داخلَ بحر الكونِ، عند مساقط أنهُرٍ أضاعت خريرَ الماء الرّقراق الذي نهلَ وارتوى منه أبو حبيب، فتمثل خدمةً إنسانيةً وإبداعًا وخَلقًا أدبيًّا وفنيًّا راقيًا، أتحفنا به الراحل الأصيل، فكان كريمَ العطاءِ، نبيلَ الأخلاقِ، محمود الصّفاتِ، يستحقُ مِنّا كلَّ إجلالٍ وتكريمٍ وإشادةٍ بمناقبهِ، ممّا حفَّزني إلى نظم قصيدةٍ قصيرةٍ إحتفاءً بذكراهُ العطِرة تحت عنوان "سليم الخصال"، مستهلاً هذا الحفل التأبينيّ بإلقائها أمامَ حضراتكم، مع الترحُّم على روح فقيدنا الغالي.

مضى سليمٌ ذو الخِلالِ لربِّهِ/ فلّلهِ مِن ساعٍ إلى رَبِّهِ حُرِّ/ مضى وهو موفورُ الكمالِ مُحققًا/ لهُ بيننا آمال أصحابهِ الغُرِّ/ مضى ولهُ في كُلِّ نفسٍ صداقةٌ/ رفيقٌ لهُ ذِكراهُ بالقلبِ والصَدْرِ/ كذلكَ كُنّا معه قبلَ رحيلهِ/ نوَقِرّهُ في السِرِّ مِنّا وفي الجَهْرِ/ وما حالُنا إلا أسىً ببعادهِ/ فأمسى الأسى فينا لهُ فاقد الصَبرِ/ إذا ما ذكرناهُ تطيبُ خِصالُهُ/ فنذكرُ مِنْ تفصيلها أجملَ الذِكْرِ/ تُخلِّدُكَ الذكرى لعينيَّ شاعرًا/ تُحمِّلُنا ممّا أطلَّ مِنَ الفِكرِ/ وتَصمتُ حينًا ثمَّ تنسابُ داعيًا/ إلى الجِدِّ تُغري بالفضيلةِ مَنْ تُغري/ رواك الندى مِنْهُ وطيفُكَ لم يَزَلْ/ بذِكراكَ بعدَ الحيِّ مُتَّبِعَ الأمرِ/ فما أنتَ مَيتًا إذ حصادُكَ شاهدٌ/ على مدى العَهدِ حولَ الشِعْرِ في رائعِ النَشرِ/ لَعَلّي بذا أوفي سَماحَكَ حقّهُ/ وإن كان لا  يُوفى بشِعْرٍ ولا نَثْرِ

ثمّ تابع العريف قوله: 

لم يألُ المرحوم د. سليم مخولي جهدًا في بذل كلّ ما في استطاعته لخدمة كنيسته، ولا ننسى انّه كان رئيسًا للمجلس المليّ الأرثوذكسيّ في كفرياسيف خلال فترة من الفترات المهمّة في حياته الزاخرة بالخدمات الإنسانيّة والاجتماعيّة، فمع الصّلاة والمحبة قدسُ الأب عطالله مخولي راعي طائفة الروم الأرثوذكس في كفرياسيف وقريب المرحوم يدلي بكلمته:  

"قم يا الله واحكمْ في الأرض لأنّك ترثُ جميع الأمم"!

ينتصرُ المسيح على الموت، جاعلاً حياتنا ذات مفهوم ومعنى آخريْن بقيامته المجيدة. تعاظمت معركة الحياة والموت بين المسيح والقُوى الأرضيّة في هذا العالم، وكأنّه في هذا الخضمّ يضعف في مراحل كانت تتلاشى أحلام طابع جوهره الإلهيّ، فكان يقوى جاعلاً من الضعف قوّة "لتكن مشيئتك يا رب"، سبق الألم ساعة الموت الناتج عن ضغينةِ وحقدِ وضعفِ قاتليه، لتتأتّى القيامة مغيِّرةً وجه التاريخ ومفهوم الموت.

بالألم قهر الألم وبآدميّته الجديدة بطش آدم الخطيئة التي سبّبت الموت، فليس مبتغى خير يحصل إلاّ بالجهاد والصّبر وطول الأناة.

أيّها الرّاحل.. تركت لنا إرثًا وذخرًا لا يفنى، لأنّ الفِكر لا يموت كالحياة الآتية من الله. لم تبخلْ بإيصال المواهب التي مَنَّ الله عليك بها إلى حيّز الوجود، لتصبح نبراسًا في شتى المجالات، فزِدت الأجنحة ريشًا ولم تترك مجالاً إلاّ وتألقت به، ولم تقم بعمل إلاّ وأبدعت به، فلوّنت السّماء والأرض اللتيْن عشقتهما حتى الثمالة بفكرك المتألق وشِعْرك وأدبك، وأصبحت جسر الأبديّة في فكر كفرياسيف، ورمزًا عظيمًا تُقلّدُه الأجيال وتذكره جيلاً بعد جيل.

واصلت الليل بالنهار عندما كان الليل يوشك على الانتهاء، نافضًا عباءته الحالكة قبل ولادة نهار جديد، كانت قصائدك وفنك يتناغمان بفكرٍ سامٍ لامع في الكلمات، لتصحب القارئ إلى لا حدوديّة المعاني، ليس سرابًا بل إيصال في رحلة أشعارك لجمهور قرائك إلى واحة الأدب والشعر والفن والمعرفة.

في أدبك تستريح نفوس المتعبين. قصائدك باتت مرآة عاشق لبلدهِ وحنينًا من أناس هجروا، ليتحوّل شعرك دعمًا وسندًا لأفكارهم التي ترنو من بعيد إلى الوطن الغالي، شعرك أحيا فيهم بعد اليأس، أحيا فكرًا غير جريح وغير قتيل، ليصبح أملُ العودة قريبًا مهما كان لون هؤلاء العائدين؛ أحمر، أسود، أبيض أو أخضر! يبقى أسير هذه الألوان مهما طال الزمان وبطش الظالم بعشوائيّة، متعاميًا عن جذور حضارة عميقة جذورها في باطن الأرض، أرض هذا الوطن.

حيٌ أنت! مطرٌ لأرض لا تمطر أنت، حنين للأرض والشجر والعشب أنت!

أمل البلاد والوطن كنت وحركة ضياء فلسطين القديمة العنيدة كما رسمتها، متفاعلة نحو الخير والسيادة والاستقلال الحقيقيّ عبر نظامها العلمانيّ الحُرّ، والحافظ لمستقبل ووحدة أبنائهم وحرّيّتهم الفكريّة.

قائمٌ أنت بالمسيح في شيخوخة إبراهيم! في صرخة الأرامل والأيتام! في جوف الحوت بالنبي يونان، وفي عالم الرّوح والأدب والشعر والفن والطبّ أنت قائمٌ وحيٌ أبدًا.

رافقت في هذا الدرب الزاخم زوجةً عكست الشمس محيّاها ليبقى نيّرًا، فهيّأت لك الأجواء لإخراج كلّ عمل لك إلى حيّز النور، وعرينكما قد خلد فيه أشبالٌ قد عَرفوا للبِرّ منذ خُلقوا طعمًا، أسرة ستحيا على ذكراك بالصّلاة ومواصلة الحياة، لتصحو وتغفو أسيرة واحتك ومائك وأصالتك.

مع القدّيسين هناك تسمع الصّوت المشتهى "تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا المُلك المُعدَّ لكم قبل إلقاء العالم". فليكن ذِكرُكَ مؤبّدًا" ووداعًا يا ابن العمّ.

 

تمّ تعتيم القاعة لعرض الصور العائلية للمرحوم ترافقها موسيقا كلاسيكيّة مميّزة، تُناغم ماضي العزيز، فيقول د. منير توما:

لقد كان يربط المرحوم سليم علاقات من الودّ والاحترام أيضًا مع جيران كفرياسيف من القرى والبلاد المجاورة، على مختلف الانتماءات والشرائح والأطياف، ومن جولس سعادة القاضي فضيلة الشيخ أبو كامل نعيم هنو قاضي محكمة الاستئناف الدّينيّة الدّرزية يلقي كلمته قائلا:

بسم الله الرحمن الرحيم/ الحمد لله رب العالمين/ والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين

الحكيم الحكيم سليم قضى؟!

يعز عليّ أن أكتب عن الراحل الكريم الإنسان الحكيم وحكيم الإنسان "سليم"، أو أتحدّث عنه بضمير الغائب، وإن فعلت ذلك فهو من باب المَجاز لا الحقيقة، لأنّ أمثاله أحياءٌ وهم أموات، لِما تركه من الأثر الطيّب والسّيرة الحسنة المحمودة، ولِما كان يتميّز به من جليل الصّفات، وبما اكتسبه من علم ومعرفة في مجال الطبّ والحكمة والأدب.

حقًّا المَصاب أليم والخطب جلل والخسارة فادحة، ليس لأهله وذويه وإنّما للمجتمع الإنسانيّ عامّة، غير إنّنا نقف عاجزين أمام مشيئة الله سبحانه وتعالى، راضين مُسلّمين لحُكمهِ وإرادتهِ التي لا مانع لقضاه ولا مَردّ لحكمهِ، يُحيي ويُميت وهو على كلّ شيء قدير، فله ما أعطى وله ما أخذ، متمسّكين مؤمنين بقول الحقّ جلّ وعَلا كما جاء في محكم تنزيلهِ حيث يقول، بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

"بسم الله الرحمن الرّحيم "قُل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلاّ ما شاء الله، لكلّ أمّة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخِرون ساعةً ولا يستقدمون"، صدق الله العظيم.

فالحمد لله المستحق لغاية التحميد، المتوحّد في كبريائه من غير تكييف ولا تحديد، حَكم على عباده بالموت فما لأحدٍ عنه محيص ولا محيد، فكم أبكى خليلا بفراق خليله، وكم أيتم وليدًا وشغلهُ ببكائهِ وعويلهِ، هدم بالموت مشيد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذا الدار، "لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سنّةً ولا نوم، له ما في السّموات والأرض"، "فسبحان الذي بيده كلّ شيء وإليهِ ترجعون".

كنت قد خبرت المغفور له د. سليم منذ عهد الدّراسة، عندما كنت تلميذًا في مدرستَيْ كفرياسيف الابتدائيّة والثانويّة، وإنّي لم أكن زميله على مقعد الدّراسة، كونه كان يكبرني سنًّا، غير أنّ سمعته وسيرته كانت على لسان الكبير والصّغير من الطلاب، لِما كان يتميّز به من ذكاء وتحصيل ونجاح في العلم والمعرفة، إلى طيب معشرهِ ودماثة خلقهِ وإبائهِ وعزة نفسهِ وكبريائهِ مع تواضع وشهامة.

وخبرته طبيبًا مهنيًّا متمرّسًا في علم الطب الذي تخصص به وأتقنه ولمع به، واشتهر بمهارته بتشخيص الدّاء وتعيين مواقع الدّواء.

خبرته إنسانًا يحمل في نفسه آلام الآخرين وهمومهم، مقتديًا بتعاليم دينه التي وردت في الكتاب المقدّس:

"تخلّصوا من كلّ حقد ونقمة وغضب وصياح وشتيمة وما إلى ذلك من الشرور، وليكن بعضكم لبعض ملاطفًا رحيمًا غافرًا كما غفر الله لكم في المسيح".. و"لتكن المحبة صادقة. تجنّبوا الشرّ وتمسّكوا بالخير، وأحبّوا بعضكم بعضًا كإخوة".

هذه القيم والتعاليم آمن بها راحلنا الكريم وجسّدها قولاً وعملاً، وأخرجها من القوّة إلى الفعل، فكنت تراه حنونًا كالشّمس، كريمًا كالأرض، واسعًا كالبحر، كلمته الطيبة الحنونة شفاء، وبسمته العريضة الوديعة دواء، ولمسته الرقيقة اللطيفة تُزيل الهمّ والغَمّ وتخفّف عن مرضاه الألم والمعاناة، وتزيل عنه الكدر والسّقم وتعيد إليه عافيته.

لقد خاطب الناس بالكلمة الطيّبة وعاملهم بالحسنى، فاستمالت قلوبهم إليه، وكثر محبّوه وروّاده والمؤمنون بقدرته وخبرته في شفاء المرضى وتخفيف المعاناة عنهم ومعافاتهم.

آمن بالطبّ رسالة سماويّة لا مهنة ومصدر معيشة فحسب، متخذًا من السّيّد المسيح القدوة الحسنة، ولنا في رسول الله القدوة الحسنة، وقد أثّر ذلك في نفوس مُريديهِ ومرضاه، وانعكس على أحوالهم النفسيّة فهدأت نفوسهم واطمأنت قلوبهم وتحسّنت أحوالهم، وعادت البهجة والآمال تملأ قلوبهم ونفوسهم، والسعادة تغمرهم ومَن حولهم، فكان الراحل طبيب نفوس كما كان طبيب أجسام، فطوبى لمَن خصّهُ الله بمثلِ هذا الفضل العميم من العلم والرّشد والهداية والمواهب العقليّة والإنسانيّة.

وخبرته الأديب والكاتب والشاعر الذي أغنى المكتبات بقصائده ومقالاته في شتى المواضيع الأجتماعيّة والثقافيّة والأدبيّة، فكان يحسّ ويشعر بأحوال الناس والمجتمع، ويترجمها في قصائد ومقالات رائعة نثرًا وشعرًا، قويّة العبارة بعيدة الإشارة مملوءة بالدّفء  والموضوعيّة.

فمِن ثمارهم تعرفونهم! كيف لا وقد نشأ وترعرع في بيتٍ كريمٍ أصيل له مكانته الأجتماعيّة والأدبيّة والعلميّة، كشجرة أصلها بعيد عميق في الأرض ورأسها شامخ في السّماء، في تربة طيّبة ترتوي من عين ماء زلال، فأعطت وتعطي أكلها في كلّ حين.

لقد طوى الرّدى طبيبًا حاذقًا ماهرًا، وفي علومهِ متبحّرًا، إنه الإنسان الحكيم وحكيم الإنسان، وقد أجمع كلّ من أبّنهُ يوم وفاتهِ على كونهِ مفخرةً وعَلمًا من أعلام الطبّ، أديبًا وشاعرًا وكاتبًا أصيلاً، وناشطًا اجتماعيًّا ترك بصمات لا تمحوها السّنون في مجتمعه، فقد كان لنعيهِ وقع شديد في نفوس أصدقائه ومعارفه وزملائه، فتهافتوا على قريته كفرياسيف العامرة ذات الفضل العميم على الكثيرين من روّاد العلم والمعرفة طيلة سنين، يُقدّمون واجب التعزية لأهله وذويه، وقد أقيم للراحل الكبير مأتم مهيب يليق بمقامه، شارك فيه رجال دين وشخصيات مرموقة من مختلف الطوائف والديانات في هذه البلاد، ثمّ أودع مقرّه الأخير بين الزفرات والعبرات والأسى والأسف واللوعة والحسرة، وهكذا عادت روحه إلى باريها راضية مرضيّة، "فيا أيّتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة، وادخلي في عبادي وادخلي جنتي". صدق الله العظيم.

وأخيرًا.. أرفع أحرّ التعازي القلبيّة إلى أهله وذويه، وأخصّ بالذّكر شقيقته المُربّية الفاضلة أم ميخائيل سهام، ولكلّ مَن عرفه من قريب وبعيد.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. والحمد لله رب العالمين في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء.

الله أعطى والله أخذ, فليبق اسمُ الرّبّ ممجَّدًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ومرة أخرى تُعرض صور اجتماعيّة وادبيّة للمرحوم فيقول العريف: لقد كانت كفرياسيف دائمًا في قلب المرحوم فأحبّها وأخلص إليها بكلّ جوارحه شكلاً ومضمونًا، وعبّر عن ذلك من خلال خدمته الطبيّة والعمليّة والإنسانيّة والثقافيّة أدبًا وشعرًا وفنًّا، فالسيّد عوني توما رئيس مجلس كفرياسيف المحلي يقول:

أيّها الحفل الكريم مع حفظ الالقاب!

نجتمع اليوم لإحياء ذكرى الأربعين لرحيل أحد أبناء كفرياسيف الأبرار، وعَلم من أعلامها في ميادين الطبّ والأدب والشعر والفنّ التشكيليّ، حيث فقدنا بغياب المرحوم رجلاً اعطى الكثير من جهده وطاقته لخدمة البلدة والمنطقة، من خلال مهنته كطبيب، بالإضافة إلى أعماله التطوعيّة في مجال إحياء تراث كفرياسيف، وإبراز عراقة هذا الوطن الذي ينتمي إليه، فقد تجسّد ذلك في رسوماته ولوحاته وقصائده وكتاباته الأدبيّة والاجتماعيّة.

لقد جمعت بيني وبينه صداقة ومودة قديمة بكونه جارًا عزيزًا لنا على مدار سنوات طويلة، قبل انتقاله إلى داره الجديدة التي سكن فيها إلى حين وفاته، حيث لمست فيه دائمًا الإنسان الوفيّ الذي امتاز بأخلاقه الكريمة وتواضعه وحُسن طويّته، ولقد تواصلنا بشكل أوسع منذ أن تسلّمت رئاسة مجلس كفرياسيف المحلي، فربطت بيننا علاقات وثيقة وطيدة من خلال النشاط الدؤوب للمرحوم د. أبي حبيب، في جمعيّة الفنانين التشكيليّين العرب "إبداع"، حيث سعى دائمًا للتعاون معنا كمجلس محلّيّ من أجل تقديم الدّعم للجمعيّة، بغية تطوّرها وازدهارها فنيًّا وثقافيًّا واجتماعيّا.

لقد كان المرحوم إنسانًا وفيًّا للشعب والأرض والوطن، وقد عبّر عن نزعته الإنسانيّة والوطنيّة هذه في مختلف أعماله الأدبيّة والفنيّة، علاوة على مواقفه الوطنيّة الشريفة التي تجلت في دوْره ومساهمته في الدفاع عن الأراضي.

وأخيرًا.. فإنّ كفرياسيف لن تنسى المرحوم أبا حبيب صاحب الفكر الثاقب والرّؤى الإنسانيّة السّامية والمواهب العلميّة والأدبيّة والثقافيّة والفنية المتعدّدة، التي تمتّع بها في حياته والتي سيكون لها الأثر الهامّ والمساهمة الكبرى في تخليد ذكراه إلى أبد الدّهر. رحم الله فقيدنا الكبير، ولأسرته وذويه وعموم أهالي بلدتنا أحرّ التعازي، ضارعين إلى المولى عز وجل أن يلهمَهم الصّبر والسّلوان وحُسن العزاء.

 

ثمّ كان عزفًا منفردًا شجيًّا على الكمان للشابّ الصّاعد سهيل جريس فقال د. منير توما:

للزمالة والصّداقة دوْرٌ كبير بارز في بلورة شخصيّة الإنسان، ولقد كان للمرحوم ذكريات عزيزة وعلاقات متينة مع زملاء صفّه ورفاقه في المدرسة الثانوية والجامعة، ومن هؤلاء الزملاء البروفيسور سليمان جبران من البقيعة، فلنسمعه يقول: شيئا من ذاتي فقدت!

هل الموت حقّ فعلا، كما علّمونا ونردّد، أم هي قولة العاجز لا يعرف متى ينقضّ عليه هذا الذئب الغادر، ولا كيف يغالبه أو يتّقيه؟ ما وجه الحقّ في خروج الشابّ، من بيته في الصّباح، سعيًا وراء رزق عياله، فيعود في المساء محمولاً على الأكتاف، وجاره العجوز المُقعَد، سئم الحياة وسئمته، يطلبُ الموت صباح مساء، فلا يحقّق له الموت مبتغاه؟ هل من الحقّ أيضًا أن يدخل سليم إلى سريره، يستريح في غفوة قصيرة من متاعب القلب والفكر، فتكون غفوته الأخيرة دونما وداع أو تسليم؟ ليس الموت حقّا، إنه حكم بالإعدام جائر، لا قِبل لنا بإلغائه أو إرجائه، فنسمّيه حقّا تطييبًا للجروح، وتعزية للنفوس!

    قبل وفاة سليم بأسبوع كان لنا لقاء في حيفا، في أمسية ثقافيّة. سلّمنا وتبادلنا قبل بدء الأمسية حديثًا قصيرا، أهداني بعده نتاجه الأخير؛ مسرحيّة "الزينة". افترقنا على أمل لقاء آخر قريب، و"زينته" ما زالت على مكتبي تنتظر قراءتها، ليُبلغني جاري بعد أيّام أنّ سليم رحل عنّا؛ فارقنا ولا لقاء بعد. سمعت النبأ الفاجع، فلم تبكِ السّماء، ولم تهتزّ الأفلاك، ولا غابَ القمر في المحاق، لكنّي بفقده فقدت شيئا من ذاتي، شيئًا في داخلي سقط ولن يعود.

    سليم صديق صباي، ولا أغلى من الصّبا وأصدقاء الصّبا. وأنا لا أقول إلاّ سليم، عاريًا من الألقاب والكنى، لأننا ما التقينا مرّة منذ أيّام الثانويّة البعيدة حتى أمسية حيفا تلك، إلاّ كان هو سليم وأنا سليمان. سليم صديقُ الدّراسة والصّبا والولدنة؛ لا أعود مرّة إلى تلك الأيام الحلوة الغابرة إلا وتربّع سليم ذاكرتي، ولا التقينا مرّة إلاّ ومثُلت تلك الأيّام بكلّ تفاصيلها نُصبَ عينيّ.

    جئت كفرياسيف يافعًا فقيرًا غريبًا، كأني مسافر إلى ما وراء البحار. كفرياسيف اليوم قريبة من البقيعة، لكنّها في أيامنا تلك كانت بعيدة، بعيدة جدّا. والحياة ذاتها كانت أيضا قاسية ناشفة؛ حُكمٌ عسكريّ يقيّد الأسفار والألسنة والأفكار، وضيقٌ في ذات اليد لا نكاد معه نقوى على دفع رسوم المدرسة، أو أجرة الغرفة، أو تكاليف العيش. جئت كفرياسيف غريبًا، لكن لم تمضِ عليّ أيام كثيرة حتّى غدت كفرياسيف لي بلدًا، وأهلها لي أهلا، وبيت حبيب مخولي، أبو سليم، بيتا دافئا مفتوحا في وجهي دائما على مصراعيه. يقولون إنّك لن تعرف الناس حتى تجرّبهم، وأقول إنك لن تعرفهم كما يجب إلاّ إذا دخلت بيوتهم. في أوّل مرّة دخلتُ هذا البيت شعرت كأني في بيتي: أبو سليم بقمبازه وعقاله وقشاطه العريض، كأنما هو أب ثان لي في الغربة، وبيت عريق يعبق برائحة الأرض والوفاء والنقاء.

     سنوات أربع قضيناها جادّين حينا، هازلين أحيانا؛ نلهو معا، وندرس معا، وننجح معا. وإذ نتنافس، وفي الصفّ تكون المنافسة أيضا، نتنافس دونما خلاف أو عداء أو ضغينة. مرّت السنوات الأربع تلك سريعا، لتأخذنا الحياة بعدها كلا في طريق: أنا إلى التعليم وسليم الرومانسي الحالم إلى الطبّ بالذات، يداوي جروح الناس وأوجاعهم. إلاّ أنّ خدمة الناس في العيادة ما كانت لتمنع سليم من مواصلة خدمة شعبه بقلمه وبريشته أيضا. كتب القصائد الكثيرة، ورسم اللوحات العديدة، مدفوعًا برغبة واحدة وحيدة؛ خدمة أهله وبلده ووطنه. قبل سنوات أخبرني أنه اعتزل العمل في الطبّ ليكرّس وقته كلّه، وجهوده كلّها، في محراب الأدب والفن. لكنّ الموت، كما ترَوْن، لم يمهله فخطفه من بيننا، بغير وجه حقّ، وهو في أوج عطائه.

    عاش سليم حياته كلّها نظيف اليد والقلب واللسان، مستقيما كالشعاع، حتى ليبدو لبعضهم ناشزا في بيئة يغلب عليها الانحراف والزيف. حياته كلّها قضاها في خدمة قريته وشعبه ووطنه، وإذا كان "ذكر الفتى عمره الثاني"، فسليم باق بيننا بذكره الطيّب، بشعره وأدبه ولوحاته، وإن غاب عنا بجسده!             

 

يتابع العريف: لقد عشق المرحوم الأدب والشعر فأجاد وأبدع فيهما، ممّا جعله يحظى بمحبّة وتقدير زملائه من الشعراء المُجيدين المبدعين أمثال ابن كفرياسيف البارّ الشاعر أحمد الحاج الذي يقول: دَمعة وفاء لروح المرحوم الأخ الشاعر الدكتور سليم مخولي:

أنا ماشئت، ولكن/ هكذا القهّار شاء/ أنت ما شئت، ولا/ أعتمت الردى/ خلّاً/ لكن الدّعوة جاءت/هبطت/

حطّت الدعوةُ/ تُزحيها السماء/ كنت مِطواعًا/ فلبّيت النِداء/ تَزحمُ الساعات شوقًا/ للقاء/ تأفكُ النفسَ عنِ

الأهواءِ واللذاتِ/ عن حُبِّ البقاء/ عن متاعٍ زائلٍ/ زيف، هراء/ لا يُلبِّي دعوة البارئ إلاّ/ غارقٌ بالزهدِ/ موفور الحياء/ من يجتبي؟ من يصطفي؟/ من ينزل الأضياف؟/ هل يصطفي بارئ النسمةِ/ إلا الأتقياء؟!

عشت هذا العمر رغدا/ وبلوت العيش خفضا

ما تجرَّعتَ الأسى/ علقمًا يحسُوه/ نارًا/ تحرق الأحشاء/ هكذا ينعمُ، يلهو/ البؤساء/ ما لبست البؤس/ لكن

كلُّ نبضٍ فيك/ يروي قصّةَ القهر/ وذُلّ التعساء/ كيف لا؟!

والنطاسيُّ يجُسُّ/ العرقَ/ يأسو الجُرح/ يُشفي القرحَ/ يشحن الأعراق والآمال/ نبضًا/ يمسح الحزن رفيقا/ يرحض الآلام والأدرانَ/ رحضًا/ يزرعُ البسمة في عيونٍ/ شرقت بالدمعِ/ يمنحً الحبَّ لمحرومٍ/ يكيل العطف والآمال/ محضًا/ يغمس الريشةَ من/ قلب مدمّى، راعفٍ/ همُّه ينبت في الصحراءِ/ روضًا/ صحبَ الناطورَ، يرعاه/رآهُ/ حافظًا للعهدِ، إن أوليتَه، يَعتصي الإيمانَ/ صَلتا/ يدفع الشرَّ/ الذئاب الضاريات/ مَوثقًا أعطاه/ إلى لا يمسُّ العيثُ والعدوانُ/ أرضًا/ ما فقدناكَ، وهل تَعفو/ وهل تُمحى/ خُطىً في الوعي، يخطوها/ الرجال؟!

ما فقدناكَ، وهذي/ تطرقُ الأسماعَ والقلبَ/ وتختالُ القوافي/ تقطعُ الأبعادَ طولاً/ تثني بالزّهوِ/ عَرضًا/ ما فقدناكَ/ وهل تفنى/ أمانيُّ الرجال؟!

حفرتَ في عزمنا/ في دلِّ ربّات الحجال/ هي إرثٌ خالدٌ خلّفته/ أن يختفي من سِفرنا/ أمرٌ محال.

برموش العين، في ركنٍ أمين/ خالدٌ إرثُكَ، مهما/ الليلُ طال/ ما حسبناه، ولم/ يخطر لنا يومًا ببال/ حُبُّنا، حبّكَ/ لم يكن نافلة، أو/ نزوةً عارضةً/ كان دينًا/ كان فرضًا

وقفةٌ تنصُر المظلوم/ تُرجعُ للمغصوبِ/ حقاً/ تهدم الحاجز، تفتح للمَغمومِ/ أُفقًا/ تجمعُ الناسَ على

دربٍ سويٍّ/ في دناه نلتقي/ غربًا وشرقًا/ ليس يفتاتُ قويٌّ/ وحسيرٌ لن يهون/ عالمًا للعدلِ نبني/ فاضلاً/

حقًّا وصدقًا/ بعضنا، ليس يألو جهدَه/ إن لزبت/ يرفدُ بعضا

وابنُ أوسٍ ما به؟!/ دعْه في رقدته/ لاهيًا فيما مضى/ حالمًا فيما سيأتي/ زاهيًا فاخرتهِ/ واثقًا عارضته/ هل يبذُّ السيفُ/ وحيّا في كتاب؟!

مبدعُ الشعر قضى/ والجسم غاب/ بقي الشعر يغنّي/ نفح الزهرُ/ وطاب/ ومضى اللحنُ شروداً/ بعثت روح الشباب/ يا سليم القلب، ارقُدْ/ يا تقيّ الجيب، اربعْ/ صدرُك الواسعُ، للحبِّ/ سيبقى، ولن يحمل بغضًا

سوف، يبقى عبقُ الذِكر/ نديًّا وفتيًّا/ لن يشيخ الذكر/ سوف يبقى في فم الأجيال/ غضًّا

سوف يبقى عبقريًّا/ طيِّب النشر، ذكيًّا/ حسبُنا هذا عزاء/ حسبُك الوجدانُ/ يرضى

 

ومِن ديرحنا الأبيّة لم ينسَ الشّاعر شفيق حبيب واجبَ تكريم ذكرى المرحوم من خلال الشعر، فنظم قصيدة معبّرة عمّا يجيش في صدره من مشاعر نبيلة فيقول: نــُــوَدِّعـُـــكــُم ...

نودِّعـُكمْ واحدًا واحـدًا أيّها الرّاحِلـونْ!!/ ونبقى هـُنـا رَهـْنَ عَصـْف ِالمـَنـونْ/ لماذا تركتـُم نِـضالا ًمريـرا؟؟/ وفِكرًا أسيرا؟؟/ ودمـعًـا هـَتــونْ؟؟/ وأرضًا حـَبـَـتـْكمْ بحُبٍّ جميلٍ/ وعِـشـْقٍ دفيـنْ؟؟/ يعــزُّ علينا فراقُ الألى يمنـَحـونْ/

عـُصاراتِ فـكـرٍ/ وضـوْءَ العيـونْ/ ولكن .../ ستبقى النهاياتُ رمزَ اليقيـنْ ...

*  *   *

لماذا تركتَ رنينَ القـوافي/ وشهـْـدَ الفـُنونْ؟؟/ بكـَتْ "لوحةُ العـيـنِ"/ في كـَفـْرِ ياسيفَ دمعًا سخينْ/ وزيتونةٌ كَبّلتها ضلوعُ الإطارِ/ تقصُّ علينا حديثَ السّـنـيـنْ/ وتروي حكايا../ وبوحَ الـشُّجونْ/ بكتـكَ المَنابـرُ يا شاعري !!

بكـَتـْكَ المعارضُ مِلءَ الجُفــونْ/ ستبقى هـنــا رمزَ عِـشـْقِ النـُّسورِ/ لأعـشـاشِهــا ../ أيُّ نـَـسْـرٍ يهـونْ؟؟ ؟

      *  *   *

نودِّعـُكمْ واحدًا واحـدًا أيّها الـخالِدونْ!!/ ونبقى هـُـنا رَهـْنَ عَصـْفِ الجُـنـونْ/ أعِدّوا لـنا منبـرَ الشــِّعـْرِ في داركـمْ/ فإنّا..../ على صَهْوة ِالشــِّعرِ والمَجْـدِ يا إخوتي! قادمـونْ.../ ليأتِ امرؤُ القيسِ والمتنبّي/ وشـَوقي ودرويـشُ والسّابقونْ/ كسَرْنا السُّـيوفَ/ حَمَلـنا الحـروفَ/ قطفــنا القـطوفَ/ حَمَلـْـنا إليكم نبيذَ الأماني/ كما تحلمـونْ/ وأشواقَ مَن تعشقـونْ/ فأنتم لسـانُ الزمـانِ الذي لا يخونْ/ أعـِدّوا لنا مِنبرَ الشــِّعرِ مِنْ/ أرزِ لبنانَ ../ مِنْ سِنديانِ بلادي يكـونْ.../ أقيموا ... !/ أقيموا عُكاظَ القـرونْ/ إذا ما سَكِرْنا بخمرِ القوافي/ ستطـربُ منّـا السّـماءُ/ وتخضَرُّ عَدْن/ وتهتـزُّ خُضرُ الغصـونْ/ فإنَّ القوافي خمـورُ إلهٍ/ تـدورُ بها الحُورُ زهـوًا/ ويشربُها العارفـونْ....

كَرهـْـنا المَـنافي.../ وظُلمَ السّوافي .../ كَرهْـنا التـّشرُّدَ في كلِّ أرضٍ.../ كَرهْـنا السّجونْ ../ وأضحت سياساتـُهم/ مِن ضـُروبِ المُجونْ../ هنيـئًـا .. هنيـئًـا ../ لكلّ الألى  يرحلـونْ .../ صُعـودًا... صُمودًا .. ففي أرضِ أجدادِهم يرقـُدونْ ...

 

العريف: كان المرحومُ من مُؤسّسي رابطة الفنانين التشكيليّين العرب "إبداع"، حيث كان فعّالاً جدًّا في نشاطاتها من خلال الإسهام بريشته في إبداع اللوحات الفنيّة الرّائعة، وإثراء الرابطة بخلفيّته الثقافيّة على مختلف الصُّعد، فرابطة "إبداع" بممثّلتها الأديبة راوية جرجورة بربارة تقول:

مساؤكم خيرٌ ببركَةِ مَحبّة القدّيسة بربارة التي نُحيي اليومَ ذكرى إيمانِها، لنَفهمَ رمزَ قمحِها، وتَجدُّدَ الحياةِ بسنابلِ أبنائِها أمثال د. سليم مخولي، الذي لن يموت بوجودِ مُحبّيه.

هو الجسدُ لباسٌ يُعتِقنا عائدًا إلى أصله وذرّاته الترابيّة، لكنّه لا يستطيع أن يواريَ معه روحَنا، فتبقى محلّقةً تَعُدُّ أنفاسَنا وتحرسُها... وها هي روحُكَ، دكتور سليم، سليمةٌ تبثُّ الحياةَ في الذين تركتَهم بَعْدَكَ.

وها هي روحُكَ لوحةٌ شفّافةٌ تُقرّبُ بُعْدَكَ. ها هي كلماتُكَ أوزانٌ ووقعٌ ومعانٍ تُحلّقُ بفكرِكَ على جناح المخيِّلَة، لتبقى معنا ولا تفارق. وتلك ريشتُكَ تطيرُ في مهبّ الإبداع، تملأ الفراغَ الذي تركْتَهُ ألوانًا وخطوطًا.

-0001-11-30