دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سالم جبران أحد روّاد الحركة الأدبيّة الفلسطينيّة/ آمال عواد رضوان

متابعة وتقرير :آمال عواد رضوان

 

ندوة أدبيّة أقامتها مؤسّسة محمود درويش للإبداع في قاعة المركز الثقافي- كفر ياسيف الجليل، تحت عنوان "سالم جبران أحد روّاد الحركة الأدبيّة الفلسطينيّة"، وذلك بتاريخ 25-2-2012، بحضور عدد كبير من المثقفين والشعراء والأدباء ومن عائلة ومُحبّي ومريدي سالم جبران، وقد تولّى عرافة الندوة الممثّل القدير محمّد بكري، وافتتحَ الندوة بحوارٍ مصوّر أجراهُ مع الأديب سالم جبران، يدورُ حول طفولة سالم وأيّام النكبة!

 

ثمّ جاء في كلمة بروفيسور فاروق مواسي "سالم جبران مفكرًا":

على كثرة الدّراسات التي تناولت هذا الأديب أو ذاك في كتاباته شكلاً ومضمونًا، إلاّ أنّ من الندرة أن نجد دراسة لفكر أديب بيننا من حيث منطلقاته ورؤيته، أو على سبيل التجاوز فلسفته ونظريته،أو موقفه- والإنسان موقف.

يُلقّب هذا شاعر المرأة، وذاك شاعر العروبة، هذا شاعر القضيّة الفلسطينيّة، وذاك شاعر الكنعانيّة، ونجد مسمّيات أخرى ككاتب الأرض وكاتب الوطن وأديب المقاومة...إلخ

أما ما معنى ذلك باتّساع الشرح، وتعمّق الفكرة، باستقصاء المعنى، وبأن يوشك المدلول على أن يكون جامعًا مانعًا فهذا ما لا سبيل إليه. 
سأتناول في هذه الصّفحات فكر سالم جبران في مرحلة ما بعد  انفصاله عن الحزب الشيوعيّ، ذلك لأن المرحلة الشيوعيّة النشطة كانت غير مستقلّة  التعبير، فهو جزء من آلة، وعضو من جسم، حتى ولو كانت له آراؤه الخاصّة، فما دامت غير منشورة فهي لا تقع في هذه الدّراسة ضمن دائرة المساءلة.
يشفع لي في دراسة سالم جبران المفكر القلق المنظر طول صحبة، سواء في مكان عمله في جبعات حبيبة القريبة من سكناي، أو في الزيارات المتبادلة، أو في المؤتمرات التي عقدتها منظمة التوجيه السّياسيّ الألمانيّ، حيث شاركنا في سبعة مؤتمرات- خمسة منها في ألمانيا، وواحد في جبعات حبيبة، وواحد في أريحا، وهي تضمّ أدباء فلسطينيّين وإسرائيليّين وألمانًا. ولا أنسى قراءتي له في المقالات التي نشرها في الصّحف والمجلات والمواقع، وهي كثيرة وفيرة في البلاد وخارجها.
وقد أصدر مجلّة الثقافة التي شرّفني بأن أكون عضوًا في هيئة تحريرها، كما أصدر مجلة المستقبل.
ومَن يبحث عن دلالة الأسماء على طريقة جينيت في بيان وظائف العنوان التعيينيّة والوصفيّة والإيحائيّة، يستطيع أن يطمئنّ إلى أنّ عنصرَ الثقافة كان مُوجّهًا في حسابه نحو مستقبل هذا الشعب- أو الأهالي، (سمّى صحيفة رأس تحريرها هذا الاسم)- الأهالي  الّذين يُؤرقه حالهم، ويبحث لهم عن كلمة مقرونة بالفعل.

يرى سالم أن ليس هناك فصل أو عزل بين الثقافة والمجتمع، بين الإبداع الرّوحيّ والنّضال الاجتماعيّ، فالإبداع هو وليد طبيعيّ للمجتمع، ومن أجل مستقبله يُساهم في التغيير. (المستقبل، عدد نيسان 2005، ص 4)، وفي السّطرين اللّذيْن سطرَهما على غلاف هذا العدد الأوّل من المستقبل ما يؤكّد ذلك:

"نحو المستقبل- منبر للثقافة والنقد، منبر للحوار والصراع والتغيير".

في العدد الأوّل من مجلة الثقافة التي حرّرها  سالم (كانون الأول 1992) يُقدّم "بطاقة هُويّة" تعريفيّة لطموحات المجلة، فيبدأ  بمقولة  شبلي الشّميل: "إنّ مجتمعنا العربيّ الرّاكد الخامل بحاجة إلى هزّة ورجة".

لا أظنّ أنّ سالم لم يكن وراء النصّ الغائب، ووراء النصّ المُنبثق من قرارته وقراراته، فهو يرى أنّ من واجبه أن يُحرّكَ ويتحرّكَ في هذا العالم، الذي يموجُ بالمتغيّرات السّياسيّة والثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة.

ويسوق لنا في مكان آخر مقولة الشاعر إبراهيم نصرالله: إنّ "المثقف ينسجُ حلمًا ويقترحه على شعبه" – (الثقافة – العدد الثاني كانون الثاني،1993، ص 4)، ففي رأي سالم أن هذه الرّؤية التي يتبنّاها هي ماركسيّة حقيقيّة، ويستشهد بقول غرامشي الإيطاليّ: 
"إن الشّكّ فقط يوصل لليقين، ويجب عدم الخلود لليقين لحظة واحدة، فكما أنّ المادّة في حركة دائمة هكذا أيضًا هي المعرفة الإنسانيّة. الطموح إلى التجديد، والصّراع في سبيل التجديد هو روح الثورة".[1]

وقد طالعنا في افتتاحية العدد الأوّل من مجلة المستقبل (نيسان 1995)، أنّه يريد أن يجعل من المجلة ساحة نقاشاتٍ وصراعات حقيقيّة بين الأدباء في إطار من احترام التعددية، وانتهاج الصّراع كشفًا للحقيقة، فغياب الصّراع هو الموت الثقافيّ، وحيويّة الصّراع هي تجدّد الحياة والثقافة.

إذن؛ فمِن أجل تحقيق التغيير يرى أن نوليَ الصّراعَ أهميّةً بالغة، حتى نترجم الحقيقة إلى بناء، إلى جدوى.[2]

يعرف سالم الذي ثقف الماركسيّة وسار بوحيها أنّنا بحاجة إلى العلميّة، أن نسأل وأن نشكّ، وأن نبحث، وأن نحاول أن نعرف، فنحن لا نعرف جوابًا قاطعًا صحيحًا وكاملاً لأيّ سؤال، فاليقين المُطلق يُغلق المنافذ لهواء صحّيّ.

يقول سالم: "نحن لا نخاف من الأسئلة التي لا أجوبة لها، فالتساؤل هو أساس المعرفة الإنسانيّة، وهو الضّمان لاستمرار تطوّر المعرفة" (المستقبل، عدد  نيسان 1995، ص 4)
إنّه مؤمنٌ بأنّ كلّ تغيير يبدأ حلمًا ثقافيًّا، يتحوّلُ بعد ذلك إلى فكرة اجتماعيّة، وما يلبث أن يصبحَ حركة اجتماعيّة.

يعود سالم ليستشهد بقول لينين أمام طلاب جامعة موسكو: "إنّ الإنسان بحاجة ماسّة إلى القدرة على  الحلم، وإذا فقد القدرة على الحلم فقد القدرة على الإبداع، وبالتالي فقد العطاء الإنسانيّ الخلاق" (الثقافة،عدد نيسان 1993، ص 4)، فالحلم هو عماد التغيير، ويورد سالم في هذا السّياق إجابة سارتر لمن سأله عن صفات المثقف الحقيقيّ: "القلق الدائم، الشّجاعة الدّائمة للانتقاد، عدم الاكتفاء الدّائم، القدرة الدّائمة على الحلم"، فيجد سالم نفسه مُتحمّسًا لهذا الحلم:
"إنّنا نعتقد بأنّ القوى التقدميّة الطليعيّة الثوريّة سوف تجد الطاقات الخلاقة فيها، لتقييم المرحلة لصياغة رؤية متجدّدة – لصياغة الحلم، أو على الأقلّ لإعادة صياغة الحلم".
ويأتي السّؤال: كيف يرى سالم التغيير؟

يؤمن سالم بأنّ الحركة بركة للمجتمع، فالنّهر الّذي يكفّ عن التدفق إلى أمام سرعان ما يتحوّل إلى مياهٍ آسنة، فالحقيقة نهر متحرّك متدفّق، والحياة نهر متدفّق أبدًا، وهكذا الفكر، وهكذا الثّقافة.   (المستقبل، عدد نيسان 1995، ص 4).

يرى سالم ضرورة تصفية الموقف الرّجعيّ من المرأة، وإلى رفع الغبن عنها، وإلى النّضال لمشاركتها على قدم المساواة مع الرّجل في المجتمع، وعليه، فيجب محاربة المحاولات الخطيرة لاستخدام الأديان لمحاصرة النّضال الاجتماعيّ والسّياسيّ للنّساء، فــ"لا رب الكون ولا أنبياؤه يقبلون أن تكون المرأة ذليلة محاصرة، أو مشلولة عاجزة سياسيًّا" (المستقبل، عدد تموز 2005، ص 5)، فالمرأة هي مُربّية الأجيال، فإذا كانت مقموعة فإنّ الأجيالَ ستنشأ مقموعة ومُعقّدة نفسانيًّا واجتماعيّا، الأمر الذي يُحتّم النّضال ضدّ كلّ الآراء المسبقة الرّهيبة الظلاميّة، فكأنّما الرّجال المقموعون من النظام الحاكم "يَفشّون غُلَّهم" في النّساء.
ويذهب سالم إلى أنّ هناك فكرًا نيِّرًا مُدهشًا أخذ تدريجيًّا يُطالبُ بحرّيّة المرأة وحقها في العلم والعمل والتمثيل السّياسيّ، وهذا في رأيه "ممّا ينسفُ الشّعوذة الأصوليّة التي تلطّخ تاريخنا وتلطّخ حاضرنا ومستقبلنا."

انظر الرابط:  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107324
ثمّ إنّ التّغيير في المجتمع العربيّ أحوجُ ما يكون إلى التعدّديّة، لا إلى "ثقافة القطيع" (المستقبل، نيسان 1995، ص5)، وإلى أنّه يجب أن نُسقِط العقليّة الطائفيّة والممارسة الطائفيّة وصولاً إلى فصل الدّين عن السّياسة، واعتبار القضايا الضميريّة خيارًا شخصيًّا بلا ظلاميًّة، وبلا تعصّب أو إكراه. 
التغيير يجب أن يُسقط العائليّة المقيتة[3]، وما تفرزه سياسيًّا، ويُسقط مظاهرَ تقديس الشّخصيّة، لأنّ التقديس نوع من التأليه، وهو مسخٌ وتعطيلٌ لطاقاتِ الشعب.

من هنا فهو يرفض أن يستمرّ الفرد في منصب ما طويلاً حتى يتعفن ويشلّ عقليًّا، وإلاّ فسيظلّ عقبة في وجه تدفّق الدّم الجديد، فبقاء الشّخص في منصبه لم يعد يُطاق، "ووهم بعض القيادات أن الله خلقها للزعامة هو وهم خطير ومعيب للشخص، وعائق أمام تقدم مجتمعنا عمومًا" (الثقافة – عدد أيار 1993 ، ص 7).

 

يقف سالم طويلاً في أكثر من مقالة على رفض تقديس الزعيم "الرّمز"، ذلك لأنّ هذا يقع على حساب إنسانيّة وكرامة الشعب، فالمعركة ضدّ ثقافة "القطيع" لا تنجح إذا لم تكن فلسفة عامّة للحياة، وطريقة مُثلى للمجتمع. 
يظلّ إذن عنصر التغيير أبرز ما دعا إليه سالم، فالتغيير يتطلّبُ احترام الفرد، واحترام الوقت، واحترام المبادرة للوصول إلى التطوّر العقليّ والاجتماعيّ.
يقول سالم: "نريد التغيير المستمرّ الذي يمنع مراكز قوى، ويمنع استخدام المناصب للمآرب الشخصيّة والفئويّة الضيّقة" (الثقافة عدد أيار 1993، ص 7).

التغيير يلحُّ عليه مطلبًا مُلحًّا: "صرخة للقوى العقلانيّة والعصريّة والدّيمقراطيّة في شعبنا للتغيير – تغيير الأشخاص، وبالأساس تغيير الأسلوب والفكر وصولاً إلى مجتمع ديمقراطيّ وعصريّ وقادر على التطوّر وباستمرار.
التغيير شغل سالم الشاغل، وهو يرفض استخدام  لفظة "التاريخ" بصورة مبتذلة ومهترئة، فما من خطاب أو خطوة أو عمل إلاّ وهو – على حد زعم هذا أو ذاك أنه-  تاريخيّ، ففي رأيه أنّ الزعيم التاريخيّ الحقيقيّ هو ذلك الذي يُبشّر فعلاً بمرحلة جديدة، ويقود نحو التغيير. (الثقافة  تشرين الأول 1993، ص 5)

من هنا فالدّيمقراطيّة هي مُتّسع للتعبير، فيجب تبعًا لمتطلباتها أن نقضي على اللاّمبالاة وعلى أن يكون الفرد على الرّصيف أو الهامش، فالمشاركة الفعّالة ضروريّة، بل من المفروض أن يكون هناك توجّه من كلّ منا - جذريّ ومسؤول لقضايا المجتمع.
يرفض سالم الانكفاء على الذات، ويدعو إلى التّحدّي، وإلى الانخراط بمسؤوليّة وحماسة في البحث عن صياغة جديدة لقيم جديدة للعصريّة، اندماجًا مع الرّوح الحضاريّة العالميّة، كلّ ذلك دون الانقطاع عن هُويّتنا الوطنيّة وملامحها المتفرّدة، ويستشهد سالم بقول لوركا: "إنّ قوميّتنا هي إنسانيّة شعبنا، وكلّ ما ليس إنسانيًّا لا نقبله جزءًا من روحنا القوميّة".

ويذهب سالم بعيدًا ليقول: "مَطلب السّاعة هو الدّيمقراطيّة الفعليّة والعميقة لإنساننا العربيّ ولمجتمعنا العربيّ، وعندما نفعل ذلك فإنّ كلّ الأصنام والأطر المُتحجّرة والعقليّات المحافظة والرّجعيّة يجب أن تترك المسرح لقيادة جديدة وعصريّة، لأطر إنسانيّة مُتفتّحة، ولعقليّة قادرة على التعامل العصريّ مع تحديات العصر (الثقافة عدد آذار 1993، ص 27.)، فالنظريّات الاجتماعيّة يجب ألاّ تكون ثابتة، فإذا تحوّلت إلى دين سقطت، وتجمّدت حتى الموت.[4] 
التقدّميّة والدّيمقراطية لا تَجَزُّؤَ فيهما، فهما لا تُعارضان الحكومة وسياستها فقط، بل تعارضان الرّجعيّة السّياسيّة، والتعصّب والانغلاق، ومحاربة الصّنميّة  السّياسيّة، فالتقدّميّة لا تُقاس في الموقف السّياسيّ فقط، بل في وجهة نظر شاملة عن العالم.

يرى سالم  وهو ينظر إلى العالم العربيّ وتصدّعاته السّياسيّة أنّ هناك حاجةً إلى استنهاض طاقات البرجوازيّة الوطنيّة، الرّأسماليّة، (نعم الرأسمالية)، واستنهاض الفلاحين، أكثريّة جماهير أمّتنا، واستنهاض طلاب الجامعات والثانويّات لخلق جبهة وطنيّة عريضة، مُتفقة على الدّيمقراطيّة والتعدّديّة والنظام الدّيمقراطيّ والقضاء النّزيه، وفصل الجيوش عن السّياسة، وتداول السّلطة، وتشريع دساتير ديمقراطيّة تكون فوق الرّئيس وفوق الحكومة، مع إفساح المجال للأحزاب السّياسيّة والنقابات كي تعمل بحُرّيّة في إطار القانون، والعمل لتحرير الجامعات من العبوديّة للعسكر ونظام العسكر والمخابرات.
يُعارض سالم إقامة "نظام الحزب الواحد" الذي يمسك بكلّ الخيوط، لأنّ ذلك يجعل النخبة القياديّة للنظام قشرة عسكريّة فقيرة ثقافيًّا، مُتغطرسة سياسيًّا، احتكاريّة اقتصاديًّا. ويسأل سالم: 
"هل صدفة أنّ أنظمة الحزب الواحد العسكريّة سابقًا، العسكريّة إلى الآن فعليًّا، قادت إلى الجمود الاقتصاديّ وإلى التقهقر القبليّ وإلى الفساد واستيلاء النخبة- العصابة الحاكمة على كلّ خيرات البلاد ومقدراتها؟

هل صدفة أنّه بينما كلّ الدّنيا تتقدّم علميًّا واقتصاديًّا وتطويريًّا وتتفاعل مع العالم، فإنّ عالمنا العربيّ مثل البقرة المُكسّرة الرّجلين، هابطة، عاجزة، حتى عن السّير، وعاجزة عن الحلم؟! (انظر مقالة سالم "المدخل للنظام الدّيمقراطيّ العربيّ" على الرابط:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107324
من جهة أخرى وأولى يرى أن الأزمة الحضاريّة العربيّة هي في عدم وجود سياسة عربيّة تنويريّة لحركة الترجمة، ورواج الكتب الهابطة التي تُعنى بقضايا الطبيخ وقضايا السّحر والشعوذة، بالإضافة إلى إغراق السّوق العربيّة بالكتب التي ظاهرها دينيّ، بينما هي ترويج للتطرّف الأعمى، وإضفاء صفة القدسيّة والشّهادة على الإرهاب والكراهيّة العمياء للثقافات الإنسانيّة الأخرى، والقَدَرِية التي تجعل الإنسان عاجزًا عن التفكير الحُرّ وعاجزًا عن العمل الفعّال لتغيير الواقع العربيّ.
ممّا يؤلم سالمًا أنّ العالمَ كلّه يعيش يقظة علميّة مدهشة، فبالإضافة إلى دور النشر التي تقدّم للشعوب نتاجًا حضاريًّا، علميًّا واقتصاديًّا وأدبيًّا وفنيًّا واجتماعيًّا منوّعًا، إلاّ أنّنا نحجم غالبًا عن متابعة الثقافة العالميّة، ويمضي إلى القول وبحدّة موقف:
هل نحن بحاجة إلى أن نُحلّلَ وحشيّة البطش والإرهاب السّياسيّ والإرهاب الفكريّ والإرهاب الدّينيّ، الذي يمنع ترجمة عشرات ألوف الكتب من الإنجليزيّة والفرنسيّة والرّوسيّة والإسبانيّة وغيرها إلى اللّغة العربيّة! 
المشكلة الحقيقية في رأي سالم هي في غياب المشروع النّهضويّ العرفانيّ، المنفتح على الحضارة العالميّة، وغياب الإصرار المُبرمَج لنشر العقليّة العلميّة والعطش للمعرفة وقبول الأفكار الجديدة والأساليب الجديدة، وبالأساس- القبول الطبيعيّ للآخر عمومًا، وللأفكار الأخرى عمومًا.

يقول: "إننا ما زلنا إلى الآن نسمع دجّالين قومجيّين ودجّالين أدعياء التديّن يُعلنون في عنتريّة غبيّة (رفض الأفكار المستوردة)". ويُنبّهنا إلى أنّ لفظة "المستوردة" هي لدى القائلين بها في سياق سلبيّ يشبه الكفر؟

ويسخر سالم  في مرارة: إنّهم يقبلون السّيّارات المستوردة وكلّ أثاث قصورهم مستورد، وحتى الخادمات في قصورهم مستوردة، كما أنّهم يقضون أكثريّة السّنة في القصور في أوروبا، وأغلب الظنّ أنّهم هناك يخلعون الحطّة والعقال ويتفرنجون تمامًا!!
يستنتج سالم في نهاية مقاله إلى  ضرورة تعميق وتسريع عمليّة الترجمة الشاملة، مِن منطلق الإفادة من هذه النهضة التي يدعو إلى أن نلحق برِكابها.
"فإذا نجحنا في الزّيادة المستمرّة للأجيال المشبعة بحبّ العلم والتقدّم العلميّ، والاستفادة من كلّ ثقافة وافدة وتعلّم أكثر ما يمكن من اللّغات الأجنبيّة، وإذا شجّعنا الأجيال الصّاعدة على المنهجيّة العلميّة، فإننا نضع الأساس ليس فقط لنهضة علميّة وثقافيّة متفاعلة مع العصر وعواصفه، بل نضع الأساس أيضًا لإسقاط أنظمة الجهل والتخلّف والتطرّف والفساد التي تحكم أوطاننا العربيّة وتُشبع شعوبنا جوعًا وذلاًّ وهوانًا."

(انظر مقالة سالم: "كتب الدين والطبيخ" في الرابط:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=105556
أمّا عن الواقع بين العرب المقيمين في إسرائيل، وفي العلاقة مع الشعب اليهوديّ فلسالم آراء طرحها في كثير من محاضراته، يقولها بجرأة وبلا تلوّن موقفيّ، إذ يدعو سالم إلى مُواكبة الثقافة العبريّة بترجمة نماذج منها، حتى يتعرف القارئ العربيّ إلى الأدب العبريّ، وكذلك إلى الآداب العالميّة.

سالم مِن الذين يعيشون الواقع بدون تشنُّج، فهو يردّ على أولئك  الأدباء الذين يحجمون مِن بيننا عن  أخذ حقوقهم: "من حقّنا قانونيًّا وعمليًّا أن نأخذ حصّتنا في كلّ مجال، أسوة بالأدباء والمبدعين العبريّين، وهذه ليست "عطوة" أو "رشوة"، بل هي حقّ، وبإمكاننا أن نستفيد من (أمنوت لَعام) ودائرة الثقافة ووزارة المعارف دون أن نقدّم مُقابلاً سياسيًّا، بل يجب أن يكون حصولنا على حقنا إنجازًا سياسيًّا أيضًا لنضال شعبنا للمساواة" – (الثقافة – آذار -1993 ، ص 5)، فالانغلاق باسم القوميّة ظاهرة يجب التخلّص منها في رأيه، بل هو يرى أنّ ثمة مخطّطات سلطويّة لإظهار العرب في إسرائيل أنّهم ضحايا تشابُكِ الانتماءات، وبالأساس لطمس الانتماء القوميّ بوصفه الانتماء الحاسم والمُقرّر في هُويّتنا، وفي تعاملنا مع السُّلطة، وفي تعامل السُّلطة معنا. يقول بصراحة إنّنا أوّلاً عرب، ونحن كذلك فلسطينيّون ومواطنو دولة إسرائيل، فالمُصطلح الذي أطلقه عبد العزيز الزعبي: "دولتي تُقاتل شعبي" يُبرّر في رأي سالم قمع العرب في البلاد، بحجّة أنّنا مِن المُسَلَّم به ضدّ الدّولة، فانتماؤنا القوميّ سيكون تبعًا لذلك عقبة في وجه المساواة. نحن ضدّ السّياسة الحكوميّة الرّسميّة، ونحن ضدّ الاحتلال، ومن أجل تقرير حقّ مصير الشعب الفلسطينيّ. ومصلحة الشعب الفلسطينيّ- في رأيه-  تتطلّب سلامًا عادلاً مع الشعب الإسرائيليّ لا استسلامًا، فالمصلحة الحقيقيّة تُلزمُنا برفض الحلول المغامرة، وحلّ القضيّة القوميّة العامّة هو في إطار الرّؤية الإنسانيّة.
هناك من ينظرون إلى الأبحاث التي يجريها أساتذة إسرائيليّون بعين الرّيبة والغضب، وينظرون إليها بمركب النقص من ناحية، والكراهية من ناحية أخرى، فهؤلاء يسألهم سالم: "ماذا تفعلون لدراسة واقعنا دراسة حقيقية"، فهناك انطباع عامّ بأنّنا كلّما تطوّرنا أكثر مِلنا إلى السّطحيّة، مِن هنا فواجب باحثينا ومُختصّينا أن يكونوا قوّة تغيير وتثوير في مجتمعنا للترويج للرّؤية الجديدة، وعدم التسليم بالواقع، وعدم الخضوع للرّوتين، بل الانطلاق الدّائم للتساؤل والتشكيل وللنّقد وللحوار. (الثقافة عدد حزيران 1993، ص 6).

من واجبنا - كما يرى-  في محاربة التعصّب الطائفيّ، وهذا هو الباطون المُسَلّح لبناء الوحدة الوطنيّة للشعب المتجذّر في وطنه، ويجب تفضيل دائرة القوميّة على أيّة دائرة انتماء-  طائفيّة أو عائليّة أو إقليميّة؛ فالإيمان الدّينيّ مسألة ضميريّة، بينما الانتماء القوميّ أو الوطنيّ مسألة سياسيّة اجتماعيّة عصريّة، وفصل الدّين عن الدّولة ليس عزلاً للدّين، بل هو احترام للدّين ورفض لإقحامه في مطاحنات سياسيّة وحزبيّة.
آلم سالمًا هذا التعصّب الطائفيّ والقبليّ الذي هجم علينا في السّنوات الأخيرة هجمة مُنكَرة، فيقول:
"عدنا إلى القبليّة وعدنا إلى الاحتراب. لقد ولدنا وكبرنا ووخط الشيب رؤوسنا ونحن نعتقد أن الصّراع بين السّنّة والشّيعة هو من الماضي السّحيق، إلى أن جاء يوم صار فيه العدوان على مساجد السُنة "فريضة" شيعيّة، والعدوان على مساجد الشّيعة بالتدمير والحرق "فريضة "سُنّيّة!! كنّا نعتقد خلال عقود أن المصريّين، انصهروا شعبًا واحدًا، فإذا نحن كنّا واهمين، والأقباط مدعوّون أن يدفعوا "الجزية" للسّادة المُسلمين!

كان المسيحيّون في بلاد الشّام طليعة ثقافيّة وحضاريّة وقوميّة، طليعة لنشر العروبة التي تصهر كلّ العرب أمّة واحدة عصريّة، فإذا هم الآن "غرباء" مشكوك في انتمائهم إلى أوطانهم، وإذا "المشايخ" عندنا يتكلّمون عن "الأمّة" يقصدون غير ما نقصد، لا يقصدون الأمّة العربيّة الواحدة التي تصهر كلّ أبنائها من الطوائف والقبائل والعائلات، كيانًا واحدًا، عصريًّا مدنيًّا، بل يقصدون "أمّة الإسلام".
إنّ الارتطام الرّهيب الذي حدث للأمّة القوميّة لحقه التمزّق، وكلّ تمزّق قاد إلى مزيد من التمزّق، فصرنا طوائف وشيعًا وقبائل، وهذا قاد إلى استنزاف الدّم والحيويّة والقوّة وإلى الضّعف الذي قاد إلى الهاوية، وإلى الهوان المُعزّز الذي أغرى الغزاة والمُحتلّين بنا. كلّ هذا الهوان هو نتاج التخلّف العلميّ والاقتصاديّ والثقافيّ والاجتماعيّ. كلّ هذا الهوان هو نتاج التمزّق الدّاخليّ، فكأنّما كلّ العالم حولنا يتقدّم بينما نحن "نتقدّم" في التخلّف!! (انظر مقالة سالم: "هل نأخذ مصيرنا بأيادينا ونصنع مستقبلنا أم نواصل رقصة العجز والتفكّك والموت؟!على الرابط:  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=93893)

هناك قِيمٌ عُليا دعا إليها سالم في أكثر من مقالة، كالأخوّة الإنسانيّة، وكلّ تعصّب عرقيّ أو قوميّ أو دينيّ هو مسلك مُعادٍ لها، والعدل الاجتماعيّ قيمة عليا، وكلّ ظلم أو استغلال يُناقضها، والمساواة بين الناس قيمة عليا، وكلّ وثنيّة أو تقديس للأفراد هي أمور مناقضة. مِن هنا فهو يدعو إلى الكرامة الإنسانيّة ومحاربة الظلم والزّيف والنّفاق والسّطحيّة والابتذال، إلى أن نلجأ إلى الصّراحة (التفكير الحُرّ، والكلام الصّريح)  والكرامة الإنسانيّة.

نخلص إلى القول إنّ أضواء الفكر الماركسيّ كانت دعامة له في فهم الصّراع والتغيير والتثوير، وأنّ لسالم جبران حلمًا ورؤية ومنطلقًا وموجِّهًا في كتاباته الشّعريّة والنثريّة، فقد ناضل بالكلمة، واستلهم الثقافة الإنسانيّة، داعيًا بحججه القويّة السّاطعة إلى الدّيمقراطيّة والتّعدّديّة والعصرنة والاعتدال والانفتاح على عالم أرحب، والدّعوة إلى الترجمات المنفتحة، ذلك أنّ العطش إلى المعرفة وقبول الحضارة الجديدة، والرّوح العلميّة هي أهمّ ما يجدر بنا أن نتبنّاه.
يخشى سالم على الأمّة العربيّة من مصير أسود، ولن تكون لنا حياة حضاريّة "إذا بقينا متخندقين في الجهل والتعصّب ومعاداة العلم والحضارة، وفي استعباد المرأة، وفي الاحتراب الطائفيّ، بل هل نبقى كأمّة، إذا انطلق موكب العالم في التقدّم إلى الأمام وبقينا نحن مُصرّين على التخلّف؟ إنّها النّهضة التي يدعو لها: "فالنّهضة ليست خيارًا نقبله أو نرفضه. إنّ النّهضة هي المدخل الحتميّ إلى التقدّم العلميّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، والبديل لذلك هو المراوحة في المكان، والموت البطيء والاندثار!
إن التغيير يكون بالمبادرة إلى حركة قومية ديمقراطية ذات رؤية شاملة، اقتصاديّة اجتماعية ثقافيّة، ذات حلم عظيم ينقل هذه الأمّة من العجز والانحطاط إلى الثورة الشاملة الإنسانيّة التي تُطهّر وتُوحّد وتوقظ الطاقات العظيمة. هذه الثورة التي تتصدّى للغزاة الأجانب، هي في الوقت نفسه الثورة التي تقاتل الانحطاط في داخلنا، وتقاتل التعصّب المجنون وتتحالف مع العلم والتقدم.
إنّ السّؤال الكبير الرّهيب الذي يطرح نفسه أمامنا الآن هو: هل نأخذ مصيرنا بأيدينا ونصنع مستقبلنا، أم نواصل رقصة العجز والتفكّك والموت؟!!

انظر الرابط:   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=93893
 ويستطيع المُتابع أن يتقصّى شعرَهُ ليجد في شعره الوطنيّ رُنُوًّا للمستقبل[5]، وحلمًا بالأجمل[6]، ودعوات للتغيير، في كلمات من القلب صريحة، وغير محدّدة الإقامة، يلقيها على رفاق الشّمس[7] والحياة. 

أمّا في كلمة البروفيسور نعيم عرايدي.. وداعا سالم جبران يا قوس قزح!

1 - قوس قزح: من نصّ للكاتب الكبير إميل حبيبي جاءت فيه الجملة التالية:

"أعجب لهذه الحياة التي  تنتهي بالموت. حبيبي الشيوعيّ القائد والمفكر، الأديب والإنسان، رغم كثافة الأحداث وتقريريّة الفكر دوّن لحظةً تأمّليّة في هذه الحياة بعيدًا عن العمل، والسّياسة والفكر بنظرة وجدانيّة تُلخّص عبثيّة الحياة الإنسانيّة، حياة الفرد رغم الأمل والإيمان بالعمل والعقلانيّة المُجرّدة. حياة الإنسان الفرد عاطفيّة يعرف وجدانها حدود العمر، ويحزن".

فعلاً، أعجبُ لهذه الحياة التي تنتهي بالموت، وفي كثير من الأحيان دون إنذار مُسبق، وبشكل مفاجئ وقبل الأوان إن صحّ القول. هكذا سنستذكر سالم جبران. لم يعش حياة طويلة وانتهت حياته بالموت قبل الأوان بكثير. ومع ذلك فالعزاء يأتي من نظرة عريضة أفقيّة لحياته المليئة المُكثّفة.

منذ شبابه الأوّل شارك جبران بمجهود كبير بالنشاطات العالميّة الحزبيّة، وانخرط عاملاً متظاهرًا، صحفيًّا مُفكّرًا وشاعرًا في أولويّات الأمور وفقًا لسياقاتٍ زمنيّة، من منطلقات أيديولوجيّة مَرِنة، تتعامل مع الظروف التاريخيّة بمنتهى الوعي والإدراك، وبشفافيّةٍ لم يسبق لها مثيل.

شفافيّة سالم جبران تتجلّى في المواقف العامّة والمواقف الخاصّة، ومنحته الثقة التامّة بصدق مسيرته المتنوّعة، سائرًا بخطى واثقة من درجة إلى أخرى في سلّم القيادة السّياسيّة والفكريّة والصّحافيّة. وفي القصيدة التي يستهلّ بها مجموعته: قصائد ليست محدودة الإقامة (الأعمال الكاملة ص 99) (هناك،1970) ختم قصيدته بالمقطع التالي:

"يا إخوتي إن متّ/ مدّوني على الأرض/ بلا قبرٍ ولا لحدٍ/ وخلّوني شهيدًا/ في عناق التربة الشّهيدة".

إنّ ما كشفه إميل حبيبي ظلّ متواريًا عند سالم جبران. نقول ذلك لنؤكّد أنّ الأخير لم يتخلّ عن العاطفة، بل استطاع أن يوازنها بالمنطق العقلانيّ المُدرك.

في قوله "إن متّ ادفنوني" منطق لقبول الموت بشكل عقلانيّ، لا تدخل فيه عاطفة الخوف من الموت كصفة إنسانيّةٍ قويّة، ومع ذلك فإنّ العاطفة تدخل إطار الإدراك بقوله: "وخلّوني شهيدًا.. في عناق التربة الشهيدة".

في منهجيّة الموت لدى جبران معادلة التوازن عن طريق ثنائيّة المنطق والعاطفة. قد يتراءى المنطق في تعابيره الواقعيّة لينقل إلى المُتلقي ما يشبه الغطاء العقلانيّ لكلّ توزيعات العاطفة في مفاعيلها المتنوّعة وِفقًا للسّياقات، لكن جبران يجعلها تتخلّل المواقف والظروف بشكل واضح بما يلائم منهجية الثنائيّة في التوازن.

في قصيدة له من المجموعة المذكورة (ص 109) جاء:

"أشعر بالحزن والفرح/ جميع أيّامي التي مرّت وأحلامي عن المستقبلِ/ ملفوفة ببعضها تُطلّ لي/ أشعر أنّ العمرَ ليلٌ دامسٌ/ وأنّه أجمل من قوس قزح .."

هذه القصيدة جاءت تحت عنوان "الشبح"، تُبرز بمواراة الموت لتبدو وكأنّها تختلف عن جميع قصائد الشاعر، بنهجه المعروف الذي يسير حسب معادلة الاشتراكيّة الواقعيّة المُدركة لذاتها، ولذا فهي تكشف عن معادلة التوازن التامّ بين تجسيد الواقع الحياتيّ من ناحية، وبين العاطفة الوجدانيّة التي تلفت النظر لذاتها بشكل واضح، حيث تبدأ مقاطع القصيدة بفعل العاطفة: "أشعر– أشعر بالحزن والفرح، وجميع أيّامي ملفوفة ببعضها". ثنائيّة مزدوجة حدّ التناقض لولا التفافها حول بعضها، ولهذا نستطيع رغم ذلك أو ربّما لذلك، أن نقيس "أشعر أنّ العمر ليل دامس" بمقياس العاطفة، بينما الشقّ الثاني من هذه الازدواجيّة: وأنّه أجمل من قوس قزح" بمقياس الإدراك الذهنيّ.

نادرة هي القصائد التي يحار فيها الشاعر بين الإدراك والعاطفة، الواحدة على حساب الأخرى:

"وبين وعدٍ ظلّ/ في عوالم الأمس ووعدٍ لغدٍ/ من حيرة أدورْ/ أشعر أنّ قلبي/ في وحشة القبر ... وفي نضارة الزهورْ" (هناك).

وحشة القبر ليست مرادفًا أو بدلاً "لليل الدّامس" في بداية القصيدة، ففي هذا الأخير رغم عتمة العمر هنالك جمال خاصّ لهذه الظلمة كجمال قوس قزح، أمّا وحشة القبر هي الموت، ولا يشعر به الإنسان سوى أنه شبحٌ مخيف، ستوضع عليه الأكاليل أو تزرع حوله الزهور فتبقى ناضرة. هذا الشبح سيتساوى عن طريق المناقضة لقوس قزح، لأنّ العمر رغم عتمته هو جميل، وسرعان ما يتحوّل في القصيدة إلى الشيء الملموس.

"العالم الملموس في يديّ ما أطيبه"! بينما سيبقى الشبح ووحشة القبر بمثابة المجرّد المدرك بعاطفة الخوف وهلوسة الحياة : "وفي صميمي رهبةٌ/ من طلّة الشبح .."

2 - الموت والشعر: الكتابة عن الموت هي موضوع رئيسي في شعر سالم جبران, بما يغاير النهج الآنف ذكره, أي فيما يتعدى التعبير الوجداني والعاطفي الذاتي. ومع ذلك نبدأ بالموت الذي لا يزال يخص المحيط الشخصي / العائلي, وهو لا يزال ممزوجاً بالعاطفة وبالذات الوجدانية. القصيدة التالية تؤكد هذه الظاهرة جاء في قصيدة رقاق الشمس (الناصرة، الكاملة: ص 166):

"أمي ماتت وأشقّائي ماتوا/ وحبيبي مات/ لم أذكرهم لم أكتب عنهم حرفاً/ من سنوات ... "

إنّه بالرّغم من وجود الموت في المحيط القريب، ممّا يخصّ الشاعر كما تقول القصيدة بشكل واضح، إلاّ أنّ الحِسّ الإدراكيّ لدى المتلقي يقرأ أنّ ذِكر الأمّ والأشقاء هنا لا يعني فعلاً ما يرمي إليه الدالّ بالمعنى الحرفيّ، فقد يكون ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تصبح الأمّ هنا رمزًا وهكذا الأشقاء. لكن ما يهمنا في هذا السّياق الاعتراف الممزوج بالحسرة العاطفيّة، بأنّه لم يكتب عنهم حرفًا من سنوات، وليس غريبًا أن يتّضح لنا خلال القصيدة بأنّ موضوعَها الرّئيسيّ ليس الموت أو الأموات، كما يوحي عنوان القصيدة "الأموات" والمقطع الأول منها. الوحدة هي الموضوع الرّئيسيّ هنا: "وحدي في الدّنيا وحدي/ أمشي في الصّحراء/ بحثًا عن ماء .. ". إنّه  بالرّغم من التوجّه الواقعيّ المدرك لموضوع الموت، ورغم امتزاجه بعاطفة الحسرة، فإنّ وجدان الشاعر منصبّ بوحدته، والتي هي أشبه بالتائه في صحراء الحياة مُتعطّشًا لقطرة ماء ، ومع ذلك ما أثار انتباهي في هذا التوجّه هو المقطع الأخير الذي يومئ بنهج كامل تجاه الموت:

"جيراني غنّوا، شربوا/ أكواب الخمر/ حتى الفجر/ وأنا وحدي، يا عيد الميلاد/ ما أقسى الوحدة في الأعياد".

سالم جبران يضع حدودًا للأشياء، فرغم الموت لا يذكر من ماتوا بطريقة مألوفة سواء في الشعر أو في الحياة، والوحدة توضع في إطار المناسبة وليست شعورًا طاغيًا لفترة طويلة، والوحدة قاسية في الأعياد، وإثر تأمّل في نصوصه وجدت أنه ينظر إلى الموت، سواء بالموت الطبيعيّ أو التضحية في النضال والحروب، نظرة بُعدٍ عقلانيّة. فهو يرفض الرثاء ويستبدله بالأمل والغناء.

في سياق موضوع الموت في شعره يرتبط اللون الأدبيّ كحلقة أساسيّة تجيب بوضوح على السّؤال، ما هو النهج الشّعريّ لدى سالم جبران؟ وليس غريبًا أن نقول بوضوح إنّ شعره مباشر واضح بيًن وموزون تمامًا، كما أراد الشعر العربي أن يتميز به منذ العصور القديمة، مع فارق العصر على المستوييْن الشكليّ ببُنيته الحديثة والإيقاع بتفعيلته الحديثة.

الرّثاء في الشعر العربي يحتلّ مكانًا مركزيًّا في أنواع الشعر، أما شاعرنا فيرفض البكاء والثناء على الميّت كما ألفنا في الشعر القديم، والمرثيّة الوحيدة المُصنّفة تحت هذا العنوان جاءت في مجموعة "رفاق الشّمس" (الناصرة، 1975) :

"أمجّد ذكراك من غير أنْ/ أزورَ ضريحكَ/ يا صانع المعجزاتْ/ لأني إذا زرتهُ/ سأموت حياءً/ فأنا كل صنعته يدي –/ كلماتْ.."  (المجموعة الكاملة 162)

الشاعر هنا يرثي نفسه كمن لا يصنع إلاّ كلمات، فإنّ تمجيد ذكرى المفعول وزيارة ضريحه ونعته بصانع المعجزات، جاءت لتفيدنا بطريقة المقارنة عن المرثيّ له، وهو الأنا المتكلم. فلكونه لا يصنع المعجزات كما يجب أن يكون، فإنّه في عداد الأموات لكونه صانع كلمات. إذن ليست هذه مرثية بالمعنى المألوف، والمرثيّة غير مرغوب فيها في  شعر جبران الهادف. ففي مجموعة أخرى "قصائد ليست محددة الإقامة" (بيروت، 1970)، نجد قصيدة بعنوان "بدلاً من مرثيّة" بمبنى أقرب إلى هذا النوع الأدبيّ، وهذا يؤكّد مرّة أخرى ما أبرزناه سابقًا، من أنّ موضوع الموت إذا كان في إطار محيط الشاعر الشخصيّ، فإنّه يتميّز بالنهج الأقرب إلى العاطفيّ منه إلى العقلانيّ، وفي هذه القصيدة يحدث الموت خلال العمل في المصنع، وليس في نضال سياسيّ أو قوميّ. ومن هذا المنطلق يتخذ الشاعر مرجعيّة المرثيّة القديمة للتعبير عن هذا الموت:

"كان طويلاً جاري/ وجميلاً كالنخلة/ كانت ضحكته صافية/ طاهرة كالفلة". (المجموعة الكاملة، ص 136).

الجزء الأكبر من المرثية يُكرّس لمدح الفقيد، وهنالك من يقول إنه لو فصلنا هذا الجزء عن المرثيّة لأصبح قصيدة في المدح. إنّها تمدح الفقيد لتثير العاطفة لدى المتلقي وتجعله يتضامن مع هذا الفقدان، فهنالك بالإضافة للمديح الجزء المثير للشفقة والخوف:

"بعد ثماني ساعات الشغل بمصنع "نعمان"/ كان/ يرجع للبيت ليأكل ويغسّل/ ويلاعب إيتان .../  فوق حصان خشبي/ ساعات كان يلاعب إيتان" (هنالك).

ومع ذلك فلا تنتهي هذه القصيدة بتقبّل الموت والتعبير عن العزاء والإيمان بسنّة الحياة في الانتهاء بالموت.

"والإعلان الأسود في حارتنا/ يعلن زخّة دم أخرى/ روّت رمل الصّحراء العطشان/ يعلن : مصرع إنسان".

الأسوَد والأُطر السّوداء في القصائد المتعلقة بالموت هي أيضًا توزيع لموضوع آخر هو الألوان، وقوس قزح في شعر سالم جبران، لن نتطرق إليها في هذا الإطار، ونوصي ببحثها لِما فيها من إثارة وأهمّيّة في فهم هذا النهج المثقف المدرك لذاته في كتابات سالم جبران. إذن الشّاعر يستبدل الرثاء بالغناء، ويعتبر نفسه مُغنّيَ الثورة :

"قدري أن أغنّي/ أن أجوع/ وأبقى أغني/ أن تنَزّ جِراحي/ وأبقى أغني/ وإذا متّ في المعركة/ فالأغاني/ سوف تحتلّ، بين الرفاق، مكاني/ وتحارب عنّي". (المجموعة الكاملة ص 150).

هذه القصيدة بحدّ ذاتها أغنية في الشكل والمضمون والرّسالة، إيقاعها سلسٌ موسيقيّ، تحتوي أبياتها على مقاطع من التفعيلة سريعة الإيقاع والتي تمنح القراءة موسيقية الغناء. أمّا في مضمونها فهي تعبّر بشكل واضح ومباشر عن أسباب الغناء مهما كانت السّياقات، وتحمل رسالة الحثّ على الغناء، غناء الجوع وغناء الجراح وحتى غناء الموت، شريطة أن نتنبّه إلى نوع الموت: وهو الذي يحدث نتيجة التضحية، بما يختلف عن الموت القريب الذي تحدّثنا عنه في بداية الفصل، ويجيء هذا النهج على أساس فكرٍ متعقّل، رسالته أنّ الثوريّ لا يبكي. هكذا في قصيدة تحت هذا العنوان (حيفا، 2012).

يحاور الشاعر وضع البكاء كحاجة إنسانيّة، هي التي تميز إنسانيّتنا، ومن ناحية أخرى لا يجدر لهذه الصّفة التي تعكس ضعفنا البشريّ أن تؤثر على مواقفنا في مجابهة الحياة. هذه القصيدة المميّزة لو حلّلناها مقطعًا  مقطعا، لوجدنا أنّها هي ملخّص الملخّص لكتابات سالم جبران، ففيها كما أسلفنا البكاء الآنيّ كصفة إنسانيّة، ومِن ثمّ الخروج من هذا البكاء لمواصلة المسيرة باستعمال ذهننا وإدراكنا، وفيها أسباب الحزن والبهجة، وفيها قبول المراحل ورفض الواقع المهزوم:

"كان قلبي جامحًا إلى التمرّد المفتوح/ لم أغيّر قلبي/ لكنّني خرجت برفقته من القفص/ إلى الفضاء الرّحب/ وداعًا يا كلّ الصّياغات الجاهزة/ وداعًا أيّها الكذب المقدّس/ وداعًا أيّتها العبوديّة طوعًا/ كلّ الألوان جميلة/ ومن مزج عددٍ وغير محدود من الألوان/ يولد عددٌ غير محدود من الألوان الجديدْ .../ بيتي حرّيتي/ حرّيّتي بيتي" (المجموعة الكاملة 232).

وكانت لد. حسين حمزة مداخلة طويلة كبحث أكاديميّ ستنشر لاحقا وأسوق موجزها:

إنّ ما يميّز شعر سالم جبران بساطة التركيب في العبارة الشعريّة، الاهتمام بتفاصيل المشهد القرويّ، ممّا يجعل رسالته تصل القارئ دون وسيط يؤوّل المعنى. إضافة إلى ذلك، فقد امتاز الشاعر بقصيدة الومضة وهي قصيدة قصيرة مكثّفة، وفي اعتقادنا ساهم هذا التكثيف في جماليّة قصيدة الشاعر، وقد اعتمد في ذلك على أسلوب النداء وجماليّات التشبيه. ميزة أخرى تكاد تسِم شعرَه، وهي رصد الصّورة الشعريّة بإيقاع خافت أقرب ما يكون إلى النثر، وقد أدّى هذا الخفوت إلى عرض خطاب الشاعر الحجاجيّ دون انفعال أو الميل إلى الإيقاع العالي الوجدانيّ، الأمر الذي استطاع من خلاله الشاعر أن يوازن بين العقل والقلب، وهو قلّما نجده في قصيدة المقاومة حتى منتصف السّبعينات. وهو من الشعراء الذين قلّما يلتحم فيه خارج النصّ بداخله؛ فقد نشأ منتميًّا إلى الحزب الشيوعيّ وقضى في ذلك، فجاءت قصيدته تعبيرًا عن الطبقات المسحوقة والمظلومة بشفافيّة وجماليّة في آن واحد.

أمّا مداخلة الكاتب نمر نمر، فقد تناولت قصيدة لسالم جبران، تحدّثت عن التجنيد الإلزاميّ  والخدمة العسكريّة لبني معروف في الجيش الإسرائيليّ، واستعرض بإسهاب فِكر سالم جبران الشموليّ لشعبنا الفلسطينيّ ولقضيته، والمناهض لسياسة "حكومة إسرائيل" التي تمارسها بحقّ الشعب الفلسطينيّ في التمييز والاستعلاء، والتقسيم والشرذمة إلى طوائف وأطياف وفئات، وذلك بطُرُق طرْحٍ مشوّقة ومنطقيّة، وبفِكرٍ مُتنوّر ورؤيةٍ ثاقبةٍ لهذه القضايا المصيريّة العالقة، مِن خلال نصوصه الشعريّة ومقالاته الفكريّة!

كما ألقى لشاعر سيمون عيلوطي قصيدة مُهداة للصديق سالم جبران بعنوان "الموجِه كِفْرَت بِالبَحَر..؟!"

مِثْل الحِكايِه الحاوْيِه../ كُل الفُنون/ مَكْتوبِه بِنْجوم الأمَل..../ تُعْبُطْنا عًالصّدْر الحَنون،/ كُنْت الشِّعِر.../ وَسْط اللّيالي البارْدِه.../ تِطْلع فَجِر،/ تِحْمِلْنا بِمْواج العِطِر.../ صوب المَحَبِّه وِالوَفا،/ وْكُنْت المَدى.../ عَ حْدودَك الزّهْر اهْتَدى.../ وِالبُلْبُل بْصوت الصّفا/ رَفِّ وْهَفى.../ بْكِلْماتَك الغِنْوِه.. الحِلِم.../ تِطْوي الغُيوم.../ وْتِضْوي في كوم العَتِم،..،/ كُنْت الطَّريق.../ مْرَسَّم ... وْكان البَريق.../ يْشَعْشِع بْروح الغَريق/ الَتَّايِه بْوادي غّميق،../ وِالْ عانى من ظُلْم الرّفيق،..،../ في ليلِه فارَقْها القَمَر.../ وِالموجِه كِفْرَت بِالبَحَر،..،../ عافت التّزْوير.. تَجْميل الصوَر،/ وَحْدَك مَشيت../ بْدَرْب ما فِيُّو حَدا/ لا زَهْرَه../ لا عَصْفور.../ في جَوَّك شَدَا،/ غابَت عن الشبَّاك قَطْرات النّدى/ وِسْكون خَيّم عا هَدى.../ ما ظّل إلا شِعْرَك/ يْعيدو الصّدى..!!

واختتم الندوة البروفيسور سليمان جبران شقيق المُحتفى به سالم جبران بكلمة شكر للحضور وللقائمين على إحياء هذه الأمسية فقال: أخي سالم

مهمّة غير سهلة أن أتحدّث عن سالم جبران. سالم أخي وصديقي، بل هو توأم روحي، على الأقلّ في عهد الطفولة والمراهقة في القرية، وفي سنوات ثلاث أخرى اقتسمنا فيها الهواجس والرّؤى وغرفة صغيرة في "درج الموارنة" في حيفا. كنّا، قبل أن تختلف بنا المسالك والمساعي، متماثلَين مزاجًا وفِكرًا، مطامحَ ومواقف. لذا، فإنّي إذ أتحدّث عن سالم كأنّما أتحدّث عن ذاتي، وهذا ما لم نتعلّمه في بيتنا، ولا أظنّنا نجيدُه. مع ذلك، أجدني اليوم، وقد رحل سالم عنّا، مُطالَبًا لأوّل مرّة في حياتي بذكر بعض عوامل التكوين في تشكيل سالم الشاعر وسالم الإنسان.

في البقيعة كان المولد والنشأة، والبقيعة يومذاك على الأقلّ كانت قرية متميّزة. في قلب القرية ساحة كبيرة مبلّطة، الحارة نسمّيها، تقسم القرية بالتساوي إلى شطرين شرقيّ وغربيّ، كأنّما هما الجناحان لهذا القلب الأخضر. ومن أضلاع الصّخر في أقصى الشمال منها، تتفجّر "عين البلد" ثرّة نقيّة عذبة، فتسقي أهلها وتروي حواكيرهم، واحدة تحت الأخرى كأنما هي جنائن معلّقة. في الحارة أيضًا توتة أزليّة رؤوم، هزلت في هذه الأيّام وانكمشت، كانت تحتضن الصّغار والكبار؛ هؤلاء في لهوهم بالبنانير والمراشيق، وأولئك في منتداهم الشعبي؛ يروون الحكايات والنوادر والفكاهات، يردّدون الأشعار والأزجال، ويناقشون القضايا الصّغيرة والكبيرة، فيتّفقون مرّة ويختلفون مرّات، دونما حقد أو ضغينة. المرأة فقط لم يسعفها حظّها في ارتياد هذا المنتدى إلاّ لمامًا ومِن بعيد؛ صبايا تأتي العين في أبهى زينتها، فتملأ جرارها ماء، وقلوب الشّباب حسرات، ونساء يقطعن الحارة في الطريق من البيت أو إليه. في هذه الحارة وتحت هذه التوتة أمضى سالم، أمضينا جميعًا أجمل أيّام الطفولة، فبقيَت راسخة في الأعماق. وإذا كانت ظروف الحياة أقصته عن قريته كبيرًا، فقد ظلّت البقيعة، بحارتها وعينها وتوتتها وحواكيرها و"المستحيّة"، ماثلة في قلبه ووجدانه وشعره، لم تبرحها يوما!

بيتنا أيضا، حيث وُلد سالم وتربّى، كان في حارة عجيبة؛ حارة كوزموبوليتيّة، أو "تعدّديّة" بلغة هذه الأيّام: إلى الغرب من بيتنا كان بيت عائلة يوسف الزيناتي اليهوديّة، حائط لزق الحائط. وتخرُج من بوّابة البيت فترى أمامك مباشرة بيت جارنا "أبو نعمة" المسيحيّ، وعن يسارك، عبر الشارع، كنيسًا لليهود شامخًا يكاد يغطّي الفضاء، تمتدّ أمامه "بيوت اليهود" الخربة. وتنزل في الطريق إلى الغرب أمتارًا، فتمرّ ببيت جارنا "أبو محمّد فارس" الدّرزيّ، مُلاصِقًا لبيت "خالتي زينة" المسلم. نعم، في هذا المحيط الضيّق من الأرض تعايشت تشكيلة كبيرة من العائلات والأديان في سلام ووئام، كأنّهم جميعًا عائلة واحدة؛ يتشاجر صغارهم لأتفه الأسباب، إلاّ أنّني لا أذكر "طوشة" واحدة صغيرة بين كبارهم. قد تبدو هذه الصّورة لكثيرين في هذه الأيّام يوتوبيا متخيّلة، إلاّ أنّها في الأيّام تلك كانت واقعًا يوميًّا طبيعيّا، لم نجد فيه فرادة أو غرابة. فهل من غرابة إذا لم يعرف سالم، وقد ولد ونشأ في هذه الحارة التعدّدية، عصبيّة قوميّة، أو دينيّة، أو طائفيّة؟

العامل التكوينيّ الأخير، ولعلّه الأساسيّ أيضًا، في سالم الشاعر والإنسان والسّياسيّ، هو البيت طبعًا. وأقول، دون مباهاة ناشزة أو تواضع كاذب، وكلاهما واحد، إنّه كان بيتًا مختلفا. بيت طويل من الطراز الفلاحيّ التقليديّ، يجمع بين جدرانه ثمانية أولاد، ستة إخوة وأختيْن، يُعنى بتنشئتهم والدان عانى كلاهما في الطفولة، اليتم والفقر والقهر. إلاّ أنّ الطفولة البائسة هذه أنتجت من والدَيْنا شخصيّتيْن متغايرتيْن تمامًا: والدة يغلبُ صمتها على كلامِها، تقوم راضية مخلصة بمسؤوليّاتها الشاقّة في البيت والحقل، قانعة ببيت طافح بالأولاد والطموح. لكنّها لا تنسى لحظة أنّها "مقطوعة من شجرة"،  لا أخ لها ولا أخت، فتصطبغ حياتها في الغالب بالاستكانة والانكساريّة والضّعف. الوالد أيضًا عاش، كما ذكرت، يتيمًا، "ابن أرملة" بأسلوب تلك الأيّام، في عهد لا يَرحمُ الأيتام ولا الأرامل. إلاّ أنّ الظّروف القاسية ذاتها، مِن يُتمٍ وظلم وإقصاء، خلقت منه ثائرًا بوظيفة كاملة على المؤسّسات والمواضعات كلّها من حوله؛ السّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة. الشّطر الأوّل من حياته كلّه أمضاه في "انتفاضة" مستمرّة على المؤسّسات الجائرة تلك، مُسلّحًا بذراعه وعصاه، وثقة بالنفس لا تهتزّ، وإيمان بالتفوّق راسخ، لا تنال منه الظروف ولا المعوّقات. كان والده، داود الجبران، كما حدّثنا غير مرّة عن أمّه، حاديًا معروفا. وقد مال في شبابه فعلاً إلى اقتفاء طريق أبيه، لكنّه لم يجد في هذا الفنّ غير المديح الكاذب وابتذال الذات، فعزفت نفسه عن هذا المسلك، فلم يبقَ منه فيه سوى حفظ الأزجال وتأليفها أيضًا، وشغف بالأدب عجيب،  وتقديس للشعر والشاعر. لذا، كان شغلنا الشاغل أيضًا، في أمسيات الشتاء الطويلة حول الموقد، حفظ القصائد وإلقاءها، ومساجلات في الشعر والزّجل تبدأ ولا تنتهي. في هذا البيت المشبع فضاؤه بالثورة والشّعر، المحكوم بكاريزما الأب ومُثُله، ولد سالم، وتنفّس هواءه، فحمل شهوة تغيير العالم حتى آخر يوم في حياته. من هذا البيت المختلف، من هذه الحارة التعدّدية، من هذه القرية المتميّزة، كانت بداية سالم. والبقيّة أرجو أن تأتي في مناسبة أخرى، أو مجال آخر.


[1] - في ذلك يرى كارل بوبر في فضح سلطة الحقيقة في المؤسسة العلمية التي تدعي المعرفة اليقينية، وتتخذ طابع النسق المغلق، بينما القوانين العلمية تتميز بقابليتها للدحض، لا قابلية التحقق المطلق. انظر كتاب:الثقافة والمثقف العربي، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، مقالة السيد ولد أبّاه ، ص 204.

[2] - يرى أحمد مجدي حجازي أن الصراع هو جزء لا يتجزأ من الاب

البوم صور
-0001-11-30