دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ما بين شهرةٍ محدّبةٍ ومهرةٍ مُقعّرةٍ.. حقائقُ مُرّة!/آمال عوّاد رضوان

سُؤلَ جحا يومًا: إذا دخلَ القمرُ الجديد فأين يكونُ القديم؟ قال: إنّهم يُقطّعونَهُ ويصنعونَ منه نجومًا…! مَن هُم؟ كيف؟ لماذا؟ متى؟ أين؟ و…؟ ياه.. ما أكثرَ صانعي النّجوم! بهذهِ الطّرفةِ السّاخرةِ أفتتحُ وجعي، والسّماءُ تغصُّ بالآهاتِ وتتوجّعُ مِن ثِقلِ نجومِها، كأنّما لا تتّسعُ للمزيد مِن روعةِ اللغةِ أو فتنةِ النّغمة أو اللون الباهي! فهل تُخفى شمسُ اللغةِ بغربالِ الشّهرة؟ وهل يُشرخُ جمالُ القمر وضوؤُهِ بعتمِ الأنانيّةِ والنّرجسيّة؟ وهل تُمحى الألوانُ الزّاهية بفعلِ المجدِ الذّاتيّ والأرضيّ؟ ما أن تنوي أن تُجالسَ حروفًا تتوقُ أن تلتقيَها بعدَ يومٍ مُتعِبٍ ومُتعَب عصيب، تجدكَ في حضرةِ عشراتِ الرّسائلِ الإلكترونيّة في طغيانها الخاطفِ اليوميّ، تقتحمُ بريدَكَ الإلكترونيّ، وتستفزُّ ما تبقّى مِن أعصابِكَ ، كأنّما خلَت الحياةُ مِن همومِها الفكريّةِ والحياتيّة، ولم يتبقَّ فيها إلاّ همّ الشّهرة! هذا يُعاتبُكَ وذاك يُقاطعُكَ، وهذا يطلبُ أن تُصوّتَ له، وآخرُ يطلبُ أن تتّصلَ وتتركَ رسائلَ س. م. س. ليكبرَ رصيدُ مؤيّديهِ ومُحبّيهِ في اختيارِهِ، ويضمنَ أعلى نسبةِ نجاح ممكن، وذاك يطلبُ أن تُوقّعَ نصَّهُ بكلمةِ استحسان “لايك” حتّى وإن لم تقرأ النّصّ! أحابيلُ النّفاقِ والاحتيال شاسعة المدى وعاليةُ الآفاق، ولكَ أن تتخيّلَ الوسائلَ التّكنولوجيّة الحديثة والسّريعة التي يتهالكون في طرْحِها بشكلٍ مسيءٍ لمُرسِلِها ولمتلقّيها، ولمجتمعٍ يُسيّرُهُ الاستخفافُ بهِ وبذائقتِهِ وقرارِهِ وثقافتِه، ولمجتمعٍ يَحكمُهُ الاندفاعُ واللاّتعقّلُ واللاّمنطق! هل الشّهرةُ معيارٌ يَستوي في العُلا على عرش المجد الخالد، يمكنُ أن يُعوِّلَ عليهِ المبدعُ في انتشارِ اسمِهِ وإبداعِهِ بمصداقيّةِ وفاعليّةِ الإبداع وكينونتِهِ وديمومتِه، بعيدًا عن الإتقان والجَمال؟ ما هي أثمانُ الشّهرة التي تُدفعُ في الخفاءِ وفي عتم الضّمير؟ هل هي شهرةٌ مؤقّتة تَخدمُ لفترةٍ قصيرة، أو لمصلحةٍ تزولُ في مرايا الحقيقةِ الخالدة؟ هل للشّهرةِ المُقعّرةِ والمُحدّبةِ سلطانٌ وسُلطةٌ على المجتمعِ المُثقّفِ الواعي، أم هي نوعٌ مِن أنواعِ التّهميشِ والتّجهيلِ للمجتمع؟ لماذا هذا السّعيُ اللاّهثُ وراءَ الشّهرة التي باتت معاييرُها منقوصةً، في زمنٍ يتكَنْلجُ (تكنولوجيا) فيهِ الأصيلُ بكلّ سُبلِ التّزويرِ والمُداهنةِ والتّملّق؟ ضاعَ حمارُ جحا وأخذ يصيحُ ويسألُ النّاسَ عنه، وحين لم يجدْهُ قال:- ضاعَ الحمارُ والحمد لله! استغربَ النّاسُ وسألوه:- أتحمدُ الله على ضياعِ حِمارِك؟ قال:- نعم؛ لو أنّني كنتُ أركبُهُ، لكنتُ ضعتُ معه! جوابٌ فيهِ مِن السّذاجةِ الظاهرةِ ما فيهِ مِن بلاغةِ أبعادِهِ الخفيّة، فكَم وكم يتوهونَ ولا يدرون، ويسوقُهم حمارُ الشّهرةِ إلى الضّياع! لماذا يطأ الغرورُ قلوبَ مَن يسعَوْن إلى الشهرة، ويُضلّلونَ أناسًا معهم، يسارعون الخطى الملتهبة في جريِهم، وكأنّ أحدًا لا يمكنُهُ أن يُجاريهم، لا في مرامِهم ولا في إبداء الرّأي السّديد والتّعبير عنه بصِدق؟ لحقت مجموعةٌ مِن الأطفالِ بجحا وتحلّقوا حولَه، وأخذوا يسخرونَ منهُ ويضحكونَ عليهِ، فأرادَ التّخلّصَ منهم وقال لهم:- اِذهبوا إلى تلك السّيّدةِ هناك، إنّها تحملُ الكثيرَ مِن الحلوى. ذهبَ الأطفالُ عنه وركضوا مُهروِلين يتدافعون، وما كان من جحا إلاّ أن لحقَ بالأطفال ليأخذ نصيبَهُ من الحلوى، ظنًّا منهُ أنّ كذبتَهُ صادقة! فكم من أناسٍ متمرّسين في الأكاذيب، تنطلي أكاذيبُهم على كثيرين ويصدّقونهم، لكن؛ ما أخطرَ أن تنطليَ الكذبة على مُؤلّفِها فيُصدّقُها ويتعايشُها..! هذا القلقُ المُلازمُ حرفي المشاكس، والمبثوثُ في حروفِ تساؤلاتي مقهورًا، لا ينحصرُ في المُزاودةِ على الشّعر والموسيقا والغناءِ وعلى طقوسِها وشعائرها، بل يتعدّاهُ إلى المُزايداتِ الملعونةِ على الوطن والتّراث والإنسانيّة ذاتها والقِيم المهزومة، وفي جوانب الحياة العامّة الآيلة للسّقوط في هاوياتِ الشهرة! وتأخذني المآسي المبكية إلى فكاهات جحا السّاخرة، إلى زوجتِه حين أعدّت أكبرَ إوزةٍ لديها للحاكم، وأحسنت طهيَها وتحميرَها، كي يفي جحا بوعدِهِ للحاكم، وطمعًا بأن يُنعِمَ الحاكمُ على زوجها بعطاياه، فحملَها جحا ومضى إلى الحاكم، وفي الطريق جاعَ وأكلَ أحدَ فخذي الإوزة، وحين وصلَ إلى القصر، قدّمَها للحاكم الذي استاءَ وتضايقَ ممّا رأى وقال:- ما هذا يا جحا؟ أين رِجلُ الإوزة؟ إجابَ جحا:- كلُّ الإوز في بلدتِنا برِجلٍ واحدة، وإن لم تُصدّقني فتعالَ وانظرْ مِن نافذةِ القصر إلى الإوز على شاطئ البحيرة! وفعلاً؛ نظرَ الحاكمُ ورأى سِربًا من الإوز قائمًا على رِجلٍ واحدةٍ أثناءَ القيلولة، فأرسلَ أحدَ الجنودِ إلى السّرب كي يَهشّها بالعصا، ففزعَ الإوزّ وهربَ إلى الماءِ جريًا على رِجليْه! قال الحاكمُ: ما قولُكَ الآن يا جحا؟ أجاب جحا:- لو هَجمَ أحدٌ على الإنسان بهذهِ العصا لجَرى على أربع، فما بالُكَ بالإوز؟ أتراهُ كان إوزًّا برّيًّا أم مُدجّنًا؟ لماذا هذا التّدجينُ الخطيرُ في سياسةِ قلب الحقائقِ على وجهِ الإبداعِ وأنفاسِهِ وخياشيمِه، ويُحاولُ ما استطاع إليه سبيلا أن يستأصلَ مَلكاتِ وكفاءاتِ ومواهبَ إبداعيّةً حقيقيّةً راسخةً في سماءِ الإبداع، وأن يَهدمَها ويبثّ الصّدأ والتشويهَ في معادنِها، واليأسَ في حامليها؟ شاعر العرب، وشاعر المليون، وشاعر الحب، وشاعر الوطن، وشاعر العام، وشاعر الكون، و…… الخ مِن ألقابٍ رنّانةٍ أخرى كثيرة، تتواثبُ أمام مرأى وناظرَي المبدع الحقيّ الصّامت، الناسك في صومعتِهِ يُخلصُ لفنهِ وشِعرِهِ وإبداعِهِ، مُتفانيًا متسامحًا متواضِعًا، يُسخّرُ نفسَهُ وحياتَه وجهدَهُ في تأديةِ رسالتِهِ الإبداعيّة، بعيدًا عن ضوضاءِ الأضواء! وأخيرًا.. ما الذي يَدفعُ المبدعَ والإنسانَ المثقّفَ إلى زجّ نفسِهِ في قفصِ المزايدات على الشهرة؟ أترانا نعود بتقنيّةٍ جديدةٍ إلى عالمِ الرّقيق وتجارةِ العَبيد؟
-0001-11-30