دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هل تحشرجت الثورة بين مشاريعَ خيريّةٍ ومشاريعَ نهب!؟/ آمال عواد رضوان

في السّنواتِ الأخيرة أخذت وسائلُ الإعلام – وخاصّة الغربيّة – تربط أوتارَ حمَلاتِها الإنسانيّة، بكثيرٍ مِن المواضيع الخيريّة والتوعويّة الخاصّة بحقوق الإنسان والحيوان والطبّ والأعمال الخيريّة، وجعلت تعزفُ أسماءَ مشاهير مِن الممثلين والمغنيين والفنانين وعارضي الأزياء، وشخصيّات أخرى ثريّة ومشهورة ومحبوبة في مجالاتٍ كثيرة، وذلك عند عقد اتفاقيّات وإبرام صفقاتٍ، أو جمع تبرّعاتٍ ورعاية مشاريع وتمويلها. كثيرة هي الحالات الإنسانية التي تتطلب وقفة صنديدة في دعمها ومؤازرتها، خاصّة في النكبات والحروبات والكوارث الطبيعيّة والأوبئة وعلاجها، وتَعمَدُ وسائلُ الإعلام إلى الاستنجادِ بمشاهيرِ الشخصيّات والاستعانة بهم. لماذا؟ ما الذي يجعلُ وسائل الإعلام تلجأ إلى هؤلاء المشاهير؟ هل للاستفادة من ثرائهم وتمويل المشاريع؟ هل لترويج الحملاتِ التوعويّة، مِن خلال قدرة المشاهير في التأثير على الشعوب وإقناعهم؟ جون دي روكفلر رجل أعمال أمريكي، جمَع ثروته من عمله في مجال البترول، وفي وقت لاحق أصبح من المشهورين، وكان روكفلر أكثر رجال العالم ثراءً في الفترة ما بين الأعوام 1839م ـ 1937، ولم يتوانَ في   إنفاقِ ما يُعادلُ مبلغ 550 مليون دولار أمريكيّ تقريبًا، في مشروعاتٍ خيريّةٍ خلالَ مشوارِ حياته. أمّا النجمة السّمراء العالميّة أوبرا وينفري، والتي كُرّمت قبل فترة وجيزة تكريمًا مميّزا ومؤثرًا،  فقد تألقت أيقونةً تُشعُّ إنسانيّة في سماء الإعلام الأميركيّ لرُبع قرن، وقد كفلت ورعت خمسة وستين ألفًا من المحتاجين عبر مؤسّستها الخيريّة خلالَ مشوارها الإعلامي، وبكامل السّرّيّة وبلا مِنّة قدّمت لهم منحًا دراسيّة وحياة كريمة غير منقوصة، وبعدَ أن انهَوْا مشوارَهم الدّراسيّ، وصاروا قادةً في مجالاتِهم، تبرّعوا بمبالغ طائلة دعمًا لها ولمؤسّستها الخيريّة، وتكريمًا لشخصيّتِها وإنسانيّتها. وهذا الممثل الأميركيّ كريستوفر نوث، والذي مثّلَ في عشراتِ المسلسلات التلفزيونيّة الناجحة، اِنضمّ إلى مؤسّسةٍ طبّيّةٍ تعمل على حملات توعية لموضوع السّكر، وأهميّة الفحص، وتقديم النصائح اللازمة حول أهمّيّة الغذاء والرّياضة كجزء من علاج مرض السكّر. وأمّا المغنّية الأميركيّة ماندي مور، التي احتلت المركز الخامس بين أجمل الممثلات في مجلة بيبول، وقد تجاوزت مبيعاتُ البوماتها العشرة ملايين دولار، فهي سفيرة للمنظمة الصّحّيّة الدّوليّة “خدمة السّكّان”، والتي ترعى موضوع مخاطر الملاريا والإيدز، وتقدّم ندواتٍ توعويّةً في هذا المجال، وهي المتحدّثة أيضًا باسم الجمعيّة الأميركيّة لسرطان الرّحم! وهذه أيضًا الممثلة الأميركيّة جينيفر غارنر، فهي بالإضافة إلى دورها في التمثيل، تساهم أيضًا في أعمال الجمعيّة الأميركيّة لأمراض الرّئة، وهي المتحدثة الرّسميّة باسم جمعيّةٍ متخصّصة بالتوعية، وبأهمّيّة التطعيم ضدّ الإنفلونزا، والذي يحصدُ كلّ عام 36 ألف أميركيّ! وهناك العديد والكثير من الأسماء المشهورة، اخترت بعضها كنموذج يثيرُ تساؤلاتي المشاكسة: ما الذي يدفعُ بهؤلاء المشهورين الأثرياء إلى إنفاق أموالهم وتعبهم على البسطاء والفقراء، وتقديم الأعمال الخيريّة بوجوهها وأشكالها المتعدّدة، وهم على مساحةٍ شاسعة من الشهرة والمحبة؟ هل هي الثقة بالنفس تزوّدهم بقوّة تتخطى الفشل، وتحقّق لهم نجاحًا أكبر؟ هل كثرةُ المبالغ والنقود والأموال أفقدتهم لذتها، فأحبوا العودة إلى الفقراء المُعدَمين؟ وبالمقابل؛ ما الذي جعلَ رئاساتنا العربيّة تستحوذ على قوتِ شعوبها وصدَقاتها وأموالِ الأطفال والنساء والشيوخ، فتكدّسُها لحسابها الخاصّ وللورثةِ والمشاريع الخاصّة، وتترك شعوبَها في عراءِ الفقر والمعاناة، دون غطاءٍ إنسانيّ يسترُ جوعَ الأمعاءِ الخاوية؟ أسوق قصّة قصيرة تمثل مرآة لحياتنا الأرضيّة برموزها وإشاراتها، فقد تعطّلَ محرّك إحدى السفن الضخمة، واستعان أصحابُها بجميع الخبراء الموجودين، لكن لم يستطع أحدٌ منهم إصلاحَ المحرّك، فاستقدموا شيخًا طاعنًا في السّنّ لاستشارته، وكان خبيرًا في إصلاح السّفن منذ أن كان شابًا يافعًا، وحين حضرَ الشيخ كان يحملُ حقيبة أدواتٍ كبيرة، وما أن وصلَ حتى باشر العمل، وجعل يفحص المحركَ بشكل دقيق في كلّ جهاته وزواياه، وكان اثنان من أصحاب السفينة معه يُراقبانه، راجيان الله أن يتمكّن الشيخ من إصلاح المحرك. بعد أن انتهى الشيخ من الفحص، أخرجَ من حقيبته مطرقة صغيرة، وبهدوء طرَقَ على جزء معين من المحرك، وعلى الفور عاد المحرّك للحياة وتمّ إصلاحُ الخلل، ثمّ أعادَ الشيخ مطرقته بعنايةٍ بالغةٍ إلى مكانها. بعد أسبوع استلم أصحاب السفينة فاتورة إصلاح محرك السفينة من الرجل العجوز، وقد فوجئوا بالمبلغ المسجّل؛ عشرة آلاف دولار!؟ طلب أصحاب السفينة فاتورة مفصلة من العجوز، ليتبيّنوا إن كان هناك خللٌ في الأرقام، فأرسل العجوز الفاتورة مفصّلة: الطّرْقُ بالمطرقة كلّف 2.00$، ومعرفة أين تطرق بالتحديد كلف 9998.00$! فماذا يكون عزاء الكادحين ممّن يبذلون جهودًا جبّارة في حيواتهم، في أماكنها الصّحيحة وغير الصّحيحة، ويكون المردودُ بالتالي بخسًا، أو شبهَ ناجح؟ وماذا عن جهود الكادحين المبذولة بخطواتها الكثيرة الصّحيحة والمتعثرة، هل هي حقا تؤمّنُ نجاحات للكادحين تعادلها وتوازيها في القيمة، أم أنّ المردودَ يعودُ على ذوي النفوذ والمُستعبِدين والمُشغِّلين؟ وكيف استطاعت الرئاسات العربيّة بأصابعها وأطرافها المغروسة في أعناق الكادحين والفقراء، أن تستولي على هذه الجهود والمردودات لجيوبها الشخصية؟ هل استطاعت تحديد الأهداف والخطوات المدروسة والطرق الموصلة بدقة في تخطي العقبات؟ هل أحصت زعاماتنا عدد خطواتها جيّدًا وأجادت في حساباتها؟ إذن ما الذي جعلها تتعثر فجأة وتفقدُ توازنها، وتسقط سقطتها المُدوّية؟ وأخيرًا.. هل خطوات الرّبيع العربيّ مدروسة، أم أنّها عشوائيّة في مداراتها ومساراتها، لم تُحدّد بعد أهدافها وطرق الوصول إليها بنجاح، وبأقلّ وقتٍ وأقلّ جهد؟
-0001-11-30