دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قضية مصعب خليفة / حماده فراعنه

ها هو مصعب خليفة يضع المدماك الأول ، ويصنع من جسده الضحية ، الشجاعة الأولى ، لمواجهة الفقر والبطالة وسوء الحال وقلة الحيلة ، وهو لا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين ، ولا صلة له بالأحزاب اليسارية أو القومية ، ولكنه نموذجاً للعامل الأردني المسحوق حتى النخاع ، تحت وطأة الرغبة الجامحة للحياة ، ولولا فقدانه لمتطلبات الحياة وشروطها الكريمة ، لما تنازل عنها بقوة ، نظراً لحالة الحرمان الأكثر قسوة والتي غلبت لديه خيار الأنتحار والأحتجاج القاسي ، على حالة  إستمرارية الأنحياز للحياة .

لم يختر مصعب ترف المواجهة بالأضراب أو الأعتصام أو الأحتجاج المدني السلمي التراكمي ، ولكنه ذهب لنهاية الشوط ، وإختار الأسلوب الأكثر تدميراً للنفس ، كي يترك الأثر الفعال ، ليس على نفسه وحسب ، بل على الشريحة الطبقية التي ينتمي إليها ، شريحة العمال والفقراء والكسبة والشغيلة ، أبناء الريف والبادية والمخيمات والأحياء الفقيرة المسكونة بالولاء للوطن ، لأن ليس لديهم وطناً غيره ، ولا مجال للإنتقاء ، بين وبين ، بين مواطنتهم ، وبين رحيلهم  إلى المجهول  !!.

إختار مصعب الرحيل ، من فوق تراب الأردن ، وإستعجل ليدفن تحت تراب الأردن ، لعل جسده المحترق يترك بصماته وأثره وإمتداده ، لمن يملك سلطة إتخاذ القرار والأدارة ، والمسؤولية  ، كي يتوقف ويسأل لماذا إختار مصعب هذا الطريق وهذا الأسلوب وما هو حجم المعاناة التي إجتاحت نفسه ودفعته للإنتحار ؟؟ .

مصعب خليفة ، ضحية ، لنا وعلينا ، فدق لنا وأمامنا ناقوس الخطر ، دقه بقوة وعنف ، بدون أن يؤذي أحداً ، أذى نفسه وضحى بها ، كي نصحو ، أخلاقياً وضميرياً ، وإنسانياً ، على واقع يصعب تحمله من قبل إناس هم أهلنا وشعبنا  ، وبعضهم قد ينام  وأطفالهم جياع .

ما قام به إلياس جريسات رجل الأعمال ، هو الرد العملي الواقعي من رجل مقتدر ، على رجل " محتاج " فهو قدم مبادرته المالية للدولة ، والعامل قدم نفسه ضحية أمام الدولة ، وكلاهما قدم تضحية ، الأول بالمال والثاني بجسده ، كل بطريقته ، فرجل الأعمال يملك مالاً ، والعامل يملك روحه ، والحصيلة من هو الثالث الذي سيشق طريقه ليقول لنا ها أنذا أستجيب للفعل من أجل أردن أكثر إستقراراً ودفئاً وتضامناً ، أردن النخوة والتقاسم والمواطنة ، أردن التعددية والديمقراطية  ، لعلنا نعبر حالة القلق والمديونية والأفقار ، إلى حالة من الطمأنينة الجماعية تعيد لنا صياغة مكوناتنا ، كي تكون الأدارة منتخبة من رحم الأردنيين ومساماتهم ، وممثلة حقيقية لمكوناتنا  الأربعة أبناء المدن والريف والبادية والمخيمات .
رحيل مصعب خليفة ، على طريقته ، تفتح عيوننا ، على واقع ، وأذهاننا ، على برامج ، وواقعنا ، على مصاعب ، وأمالنا معلقة ، وما لنا سوى مزيد من العمل ، والبرمجة ، كي نضع الأولويات التي توفر لنا فرص العمل المستقر والتغطية المعيشية المقبولة ، والضمانات الأجتماعية والصحية المطلوبة ، والحمايات النقابية والبرلمانية الدستورية ، بغير ذلك ، سنبقى عرضة للتبدلات والتغيير غير المتزن ، ونضيع في متاهات ، بين خيارات صعبة قاسية تدميرية ، وبين خيارات من المكارم النبيلة ، ولكنها لا تعوض للأردنيين ضرورة وضعهم على طريق منهجي منظم ، وتدريجي ، يحل مشاكل المديونية والعجز في الموازنة وحالة الأفقار المستديمة .


[email protected]

2012-06-18