دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجاكسون فايف.../بقلم آرا سوفاليان

بمناسبة يوم الارض 2013 والارض لم تتغير في كل الاعوام بل الانسان، تذكرت انني كتبت مقالة تتعلق بهذا الشأن منذ عشر سنين ونالت الاعجاب في مواقع كثيرة...وبالتالي فأنا أعيد تنصيبها...اتمنى لكم قراءة ممتعة.
الجاكسون فايف...بقلم آرا  سوفاليان
الجاكسون فايف ... لا بد أنني بعد هذا الوقت الطويل الذي قضيته في مواكبة الموسيقى العالمية ومن شتى الأصناف،  من البوب الى الروك والأندر كراوند والجاز والبلوز والسويغ والفوكس والفالس والبوليرو والتشاتشا والسمبا والرومبا والبوسا نوفا مرورا ً بالألحان الأرمنية الصعبة والريتمات الأرمنية المستحيلة،
وامضيت فترات طويلة في العزف مع الفرق الغربية، كنت ابدي تعاطفا ً مع مدرسة الجاز الأميريكية وهي مدرستي، فأجهدت نفسي في تعلم أصولها وأحببتها ولم تحبني والسبب بسيط فأنا عازف اورغ وموسيقى الجاز لا يوجد فيها عازف اورغ، وآلة الأورغ مرفوضة من قبل الزنوج لأن الأورغ آلة ارستقراطية وغالية، ولها قدسية معينة من خلال مواكبتها للقداديس الكنسية التي تقام في صباح كل يوم أحد ولم يخذل أحدا ً الزنوج أكثر من الكنيسة عدا الكنيسة اللوثرية، والزنوج كانوا الأقلية الفقيرة في الولايات المتحدة، وهذه الأقلية الفقيرة المهمشة نقلت تراثها الفكري والثقافي والموسيقي الى اميركا ... وأهتم الزنوج بالطبول كما في بلادهم الأصلية واستطاعوا تفهم النحاسيات والوتريات كآلات فردية رخيصة وكانت اول فرقة جاز مؤلفة من ثلاثة عناصر عازف درامز (الطبول) وعازف كونتر باص وعازف ترومبيت وترومبون.
ترجم الزنوج عزاباتهم ومعاناتهم وصيحات احتجاجهم المكبوتة او المقموعة الى نغمات موسيقية يلمس الخبير في فيئها مسحات الحزن والألم والمعاناة والشقاء، ولم يرى الزنوج إلا ّ مؤخرا ً بعض الإنصاف وكان على حساب الألوف المؤلفة من الضحايا منذ اغتيال مارتن لوثر كينغ ... وما قبل وما بعد ... ومنذ وطئت قدمي أول زنجي ارض العالم الجديد، ومنذ أول مسير صامت في سرداب العبودية البغيض.
كنت ولم أزل معجباً بموسيقى الجاكسون فايف ومايكل جاكسون وجانيت جاكسون على الرغم من انه مرت فترة جفاء سببها عمليات التجميل وتبييض البشرة التي خضع لها مايكل جاكسون وكنت ألتمس له العذر فلقد كان مرغما ً على فعل ما فعل لأنه ماركة وسينييه ولها ملاّكها وأصحابها ولها اسهمها في سوق البورصة وسوق العبيد والعبودية ولها القيمة الاسمية والقيمة البيعية والقيمة المدعوة مجازا ً قيمة شهرة المحل وهي لها تسمية أخرى فاضحة وهي قيمة العبودية والعبيد ومايكل جاكسون وغيره من اصحاب البشرة السمراء وممن سمح لهم ارتقاء سلم الشهرة لملئ جيوب أصحاب الماركة لا غير يخشون الوقوع مجددا ً في سرداب العبودية البغيض فينفذون أوامر أسيادهم .
لا بد وان مايكل جاكسون حاول الإفلات من المسار المرسوم في محاولة فتية ولكن متأخرة نحو الإنعتاق وتجلى ذلك في ميوله السياسية المتوجهة نحو معاونة حزب الخضر وهو الحزب المعني بالمحافظة على البيئة واحترام كينونة وصيرورة الخلق الإلهي في جلاله وعظمته واحترام الإنسان والحياة والأرض والحيوان والنبات والغابة والبحر والنهر والجدول والعصفور والطفل ... وتجلى ذلك في أغنية الأرض وقد تم إنتاجها في تسلسل موسيقي حزين وغاضب ومروع وفي مونتاج ومشاهد كليب رائعة تبدأ بقطع الغابة وقتل الحيوانات وانتزاع أنياب الفيلة وإشعال الحرائق وتختتم الأغنية في آمال وأحلام تبدأ من عودة الأشجار التي تم قطعها الى الحال الأول وانتصابها واقفة وكذلك عودة الحيوان إلى اللحظة السابقة لقتله وعودة أنياب الفيل إلى مكانهما ونهوضه واقفا ً ومعاودته للمشي والحركة.
معان إنسانية سامية جعلتني أفكر كثيرا ً إلى قلب القطعة المعدنية المطلية فضة لأجدها ذهباً من الداخل .
ولم يوافقني أحدً ... فأحتفظت برأيي ... وعاد مايكل جاكسون يطال بقدميه الخطوط الحمراء فتحدث عن العدالة وأشار إلى أنها عين اللاعدالة على صعيد الأمم المغلوبة والمقهورة، وتحدث عن الأمة القاهرة والأمم المقهورة تحدث عن آلام وآمال المعذبين في الأرض وأشار إلى الناس أصحاب الأرض والحق، فأدركت بأنه أشعل نارا ً ستقضي عليه وعلى آل جاكسون جميعا ً من بعده .
فلفقوا له تهمة التحرش الجنسي بالأطفال ... وأنا عندي طفلتان صغيرتان تحتفظان بكل ألبوما ته الموسيقية الراقصة ... شاهدوه على التلفاز والشرطة تقتاده إلى قاعة المحكمة فطلبوا مني وببراءة الأطفال مساعدته ... وتشفى بي صديق عاش خمسة عشر سنة في الولايات المتحدة وزعم أن هذه التهمة حقيقة وغير ملفقة ... وحاولت إقناعه بفكرة الأرض والبيئة واحترام الإنسان والنبات والحيوان ومحبة الخالق وسمو الروح والخلق وحركة السلام الأخضر ومعارك قتل الحيتان الوحشية في أرجاء المحيط ودموع طفل أفريقي أمامه إناء طعام فارغ ... وسخر مني صديقي وأصر على أن التهمة غير ملفقة ... قلت له أن من يملك هذا الحس الإنساني المتوقد لا يمكنه مجرد التفكير في إمكانية التحرش الجنسي بالأطفال ... سألته وما هو القول الفصل بيني وبينك ... أجابني القضاء ... قلت أي قضاء ... قال لي القضاء حيث هو وحيث القضية وحيث القضاة وحيث الجاني وحيث الطفل الضحية، قلت له ألا يمكن إقناع طفل في ترديد عبارات يمليها عليه محامي يتقاضى أجر غير مسبوق، قال لي من أجل ماذا ... قلت من أجل إحراق صحيفة قد تكون بيضاء ... قال لي أرجوك أنا عشت هناك خمسة عشر سنة وأعرف تماما ً ... وأنا مؤمن بالقضاء هناك حيث سيتم زج صاحبك في السجن لمدة عشرون سنة مصطحبا ً معه أشجاره وغاباته وفيلته وحيتانه وقواربه الصغيرة ذات المحرك السريع ويافطاتها المكتوب عليها حركة السلام الأخضر وسيكبل صاحبك بأصفاد جميلة ستكون خضراء اللون .
وانتهى الحوار عند ذلك إلى أن تم تبرئة مايكل جاكسون من التهمة المنسوبة إليه قبل نصف ساعة من كتابة هذه الخاطرة، بواسطة قاض وهيئة محلفين من عامة الناس منهم الطبيب ومنهم معلم المدرسة وسائق الباص والمحاسب في المصرف وصاحب مزرعة وعازف على آلة الكمان وربة بيت وممرضة في مشفى لإيواء العجزة  أجمعوا على تبرئته لأن العدالة يعرفها الطفل الرضيع قبل القاضي المتمنطق بالمئزر الأسود والذي يداري صلعته بباروكة شعر يعتقد انه يشتري احترام الناس له بها ... العدالة يعرفها الطفل الصغير لأنه لا يفهم معنى الرشوة .
وأسرعت إلى الخلوي وتعمدت إيقاظ صديقي وإزعاجه ... قلت له عشرون سنة مع الأشغال الشاقة ... قال لي كان يجب علي أن أربي لحية حتى تصدقني ... ثم شعر بالاستهتار بدون استهتار ... وفهم بأن وراء الأكمة ما وراؤها، قلت له البراءة يا سيدي من كل التهم المنسوبة، قال لي بإستخفاف ... قضاء ذلك البلد ... قلت له الذي عشت انت فيه لمدة 15 سنة وتعرفه جيداً بارك الله فيك.
آرا  سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني
[email protected]

2013-03-30