دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المعذرة أنا متورّط/ خيري حمدان

طلبت منّي التحكيم في قصّة حبّك يا سيدي، جلست في مكتبك الرفيع وبدأت تقصّ عليّ كيف وقعت في غرامها، والتزمتُ أنا الصمت قبالتك، وكنت حضرتك تعتقدني أستمع إليك متلّهفًا لمعرفة ما آلت إليه أحوالك، بعد أن قابلتها وأطلقت اللعينة سهام عينيها نحوك ثمّ أتبعت ذلك ضحكة جلجلت كيانك. لم تبعد ناظريها عنك لبعض الوقت ((أعرف هذا جيدًا)) ثمّ وقفت وانطلقت مغادرة يومك يا مسكين. هذا ما حدث معك قبل يومين والآن تطلب منّي المساعدة للتغلّب على ضعفك يا سيّدي، كيف يكون ذلك؟ ألا تعلم بأنّني متورّط مثلك وقبلك وبعدك ومن حولك يا صاحبي، ما زلت أحاول الهرب من لحظة اللقاء أو الوداع – لا أدري، ما زالت عيناها تلاحقني في ترحالي وتجوالي. المعذرة، لا يمكنني تقديم المساعدة لحضرتك فأنا متورّط حتى النخاع يا رجل! تعلّقت يا سيّدي بأطراف جدائلها، وهي اللعينة الصغيرة لم تتوقّف عن الابتسام، عيناها تضحك ومن خلفها مضيت كالمسحور، أنا متورّط.
ماذا تريد يا صاحبي، كتف تبكي عليها لبعض الوقت؟ لك ذلك وأنا بدوري سألقي سرًا بكتفي على حائط، لن أخبر أحدًا بحكايتي فأنا وحقّك متورّط في قصّتك، متورّط في حكاية نائبك أيضًا ذاك الذي يرأس المكتب في الطابق السفلي. يا لنا من سذّج، نبدو كفتيان مراهقين وقد تجاوزنا العقد الخامس من العمر يا صاحبي، كلّنا متورطون في حالة العشق. أخبرني بالله عليك إذا تمكّنت يومًا من نسيان أو تناسي عينيها، أخبرني كيف حصلت على الوصفة. فأنا أؤكّد لك مسكونٌ بها، طيفها يلاحقني أينما حللت، أنا متورط. تعال، إبكِ بعض الوقت على كتفي، سأتيح لك المجال لتضيف بعض حزنك وقهرك لثروتي من الأسى، فقلبي بات معصومًا عن الانفجار والتوقّف وإعلان العصيان المدنيّ، يا لنا من سذّج، نحن الرجال الذين تجاوزنا العقد الخامس، وسمحنا لها بأن تأسرنا بابتسامة عابرة وضحكة رنّانة، معتقدين بأنّ الرجال قد انقضوا ولا يوجد سوانا في الأنحاء، كلّنا يا صاحبي – كلّنا متورطون في حالة العشق العصيّة على النسيان، كلّنا متورطون.
ودخلت المقهى، شاهدته جالسًا ينفخ دخان سيجارته. لا، ليس أنت يا سيدي، بل أخيك أو إبن عمّك، وربّما صديقك في المبنى الآخر. يجلس وكان على وشك أن يشعل سيجارة أخرى بيده اليمنى، وهي الصغيرة العابثة ما ترال تبعثر ابتسماتها في الأنحاء، كلّنا متورّطون، سنحمل ابتسامتها في جيناتنا، لن نشكو عبء العشق، سنتحمّل حضورها وغيابها ورجع صوتها، سنبحث عن مزيد من الألم كلّما بانت صاحبتنا في المكتب والمقهى، في آخر الشارع وتحت عمود الإنارة وعلى الرصيف حيث افترشت الليل والسماء بانتظار أخر المتورطين.

2013-04-03