دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حزب البعث وقضية فلسطين /د. غازي حسين

تبنى "البعثيون " قضية فلسطين منذ ظهور حركة البعث في الأربعينيات من القرن الماضي، وتصدت الحركة منذ نشأتها لوعد بلفور الاستعماري ونظام الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية كأول حركة سياسية في الوطن العربي. واحتلت قضية فلسطين المكان الأساسي في نضال الحزب منذ تأسيسه في السابع من نيسان عام 1947. وأصبح الحزب يعرف بحزب فلسطين وتمسك بعروبتها وبالحقوق التاريخية للعرب فيها . وأعلن منذ تأسيسه موقفه المبدأي من قضية فلسطين كقضية قومية والقضية المركزية للأمة العربية. ووضح  المخاطر القادمة على الأمة من جراء تهويد فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني فيها كقاعدة ثابتة للاستعمار والصهيونية ومعادية لشعوب المنطقة. واعتبر  أن الخطر الصهيوني خطر يهدد الأمة وتطلعاتها الوحدوية وشخصيتها القومية بل ووجودها الحضاري وثرواتها الطبيعية. وهو خطر سياسي واقتصادي وثقافي وقومي وديني. ولذا لم يكن غريباً أن يطلب  من أعضائه في عام 1947 حمل السلاح والانخراط في كتائب الإنقاذ والتوجه إلى فلسطين للدفاع عن عروبتها مؤكداً الطابع القومي للصراع العربي-الصهيوني.

ربط "البعث" القول بالعمل في مواجهة الخطر الصهيوني، فقرر مجلس الحزب في حمص بتاريخ 16 كانون الثاني عام 1948 تجنيد جميع أعضائه للاشتراك في المجهود الحربي لمواجهة الخطر الصهيوني وأرسل كتيبة إلى الجبهة في فلسطين بقيادة اللجنة المركزية للحزب، وخاض البعثيون معارك الشرف والبطولة والفداء في فلسطين عام 1948، وأنشأ الحزب مكتب فلسطين الدائم في الحزب لتنظيم عمليات التطوع للجهاد في سبيل إنقاذ عروبتها.
تجسد موقف حزب البعث بعد تأسيس الكيان الصهيوني في أن "إسرائيل" وليدة الاستعمار والصهيونية, وهي خطر وطني وقومي، لأن فلسطين التي هي سورية الجنوبية قلب الوطن العربي. وإقامة كيان يهودي فيها يعني تمزيق الوطن العربي وتعريض استقلال الأقطار العربية للخطر، لأن فلسطين في البرنامج الصهيوني ماهي إلا البداية لإقامة «إسرائيل الكبرى».
وحدد الحزب مسؤولية نكبة فلسطين وأسبابها في بيان أصدره بتاريخ 28/11/1950 وبيّن فيه الارتباط بين الاستعمار والصهيونية والرجعية العريبة، مطالباً بعدم طي قضية فلسطين، وبعدم الاعتراف بإسرائيل، وتشديد الحصار الاقتصادي عليها، وبحشد الموارد كلها من أجل التسليح وإعداد اللاجئين ليكونوا في طليعة جيش التحرير.
وحذر الحزب من خطورة المساعي الامبريالية لإدماج الكيان الصهيوني في اقتصادات المنطقة. وثانياً حذر الحزب من مشروع الشرق الأوسط الجديد قبل ظهوره إلى العلن. فشدد على أهمية الحصار الاقتصادي للعدو، لأن الصهاينة «يسعون إلى غزو أسواق البلدان العربية. ودعا للحيلولة دون محاولات إدماج الاقتصاد الصهيوني في اقتصادات المنطقة، الهادفة للهيمنة على الوطن العربي.
وأكد الحزب أن البلدان العربية جميعها مهددة بالخطر الصهيوني، وأن أي قطر في وضعه الراهن عاجز عن الوقوف في وجه الخطر منفرداً، وأن الوحدة العربية هي حاجة حيوية وضرورة من ضرورات البقاء.
وناضل الحزب ضد المشاريع الاستعمارية والأحلاف العسكرية، كمشروع جونسون لمياه نهر الأردن، ومشروع دالاس ومشاريع توطين اللاجئين، وتصدى لحلف بغداد ومبدأ أيزنهاور وجميع المشاريع السياسية والاقتصادية والعسكرية الأخرى التي طرحتها الولايات المتحدة لتثبيت الكيان الصهيوني وفرض الاعتراف به.
وأكد الحزب على أن استعداد العرب ووحدتهم وقوتهم تحول دون تحقيق مخططات إسرائيل العدوانية والتوسعية.
ونشير هنا إلى أن القيادة القومية للحزب أصدرت في 17 نيسان 1956 بياناً سياسياً تطرقت فيه إلى المشاكل المطروحة أمام الرأي العام العربي جاء فيه: «يقرر حزبنا أن الصهيونية حركة استعمارية غازية تهدد الكيان القومي العربي، وأن «إسرائيل» هي التجسيد السياسي لهذه الحركة، ولذلك فإن الحل الوحيد للمشكلة الفلسطينية هو في القضاء على «إسرائيل» والصهيونية واسترداد الوطن السليب».
ومن هذا المنظور القومي وقف الحزب بجانب مصر في حرب السويس العدوانية، وتصدى لمبدأ أيرنهاور عام 1957، كما رفض مشروع همرشولد لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في بيان أصدره عام 1959، وبيّن فيه مخاطر المشروع، وطالب بأن تكون فلسطين جزائرنا الثانية.
وعلى إثر سعي العدو الصهيوني لتحويل مجرى نهر الأردن، النهر العربي في منبعه ومجراه ومصبه، أصدر الحزب في 16 شباط 1960 بياناً أكد فيه «أن تحويل مجرى الأردن يشكل أكبر خطر على حق العرب في فلسطين منذ النكبة والسكوت عنه والتقليل من أهميته يعتبر تآمراً فاضحاً على مستقبل فلسطين». واعتبر الحزب أن الصراع موجه ضد الأمة العربية، وأن الشعب العربي هو المستهدف من الخطر الصهيوني، وبالتالي فإن مسؤولية مواجهة الخطر الصهيوني هي مسؤولية الشعب العربي بأسره، أي مسؤولية قومية.
وأكد الحزب أن الصهيونية تستغل العامل الديني لتسخير اليهود لهذا المشروع بمزامع وخرافات وأساطير وأكاذيب. وأكد الحزب أن «الصهيونية غزو ديني لا يشبهه في التاريخ إلا الحروب الصليبية، ولا يقدر على دفعه إلا يقظة الإيمان في نفوس العرب، وتجسد هذا الإيمان بشكل عملي وفعال».
وتبلورت رؤية الحزب المستقبلية في رؤيته لإسرائيل كقاعدة  لغزو أرض العرب، ونهب ثرواتها وعرقلة وحدتها والاستقرار والتنمية فيها.  معتبراً  أن التحالف بين الامبريالية والصهيونية تحالف عضوي، لأن إسرائيل قاعدة للاستعمار في قلب الوطن العربي، ووجّه الحزب بتاريخ 31 كانون ثاني 1961 مذكرة إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية الذي انعقد في بغداد حول فلسطين طالب فيها بإنشاء كيان نضالي ويجمع أبناء فلسطين وينظم كفاحهم للتحرير، وإقامة الكيان الفلسطيني، وطرح صيغة جبهوية لتوحيد كل العناصر الثورية الفلسطينية.
وتابع الحزب جهوده لبلورة الكيان الفلسطيني وإخراجه إلى حيز الوجود، فأصدرت القيادة القومية في العام 1964بياناً جاء فيه: «إن ثورة الحزب في سورية الثامن من آذار عام 1963 أعطت فكرة إنشاء كيان فلسطيني حيزاً كبيراً من العمل العربي»، وأدى نضال أبناء فلسطين ودعم الحزب وموقف الرئيس جمال عبد الناصر إلى إنشاء الكيان الفلسطيني بولادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في مدينة القدس.
وانطلقت المقاومة الفلسطينية من دمشق عام 1965، وتلقت الدعم والتأييد الكاملين من الشعب السوري وقيادته الوطنية، ومن القيادة المصرية والشعب المصري ومن جماهير الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
واتخذ المؤتمر القومي الثامن للحزب في نيسان 1965 عدة توصيات معتبراً فلسطين قضية العرب الأولى، رافضاً كل أشكال تصفية قضية فلسطين والتقسيم والتعويض والتوطين، وجعلها البوصلة والمنطلق الأساسي للسياسة السورية، ولتقييم سياسات البلدان العربية الأخرى.
وتضمن المنهاج المرحلي لثورة الثامن من آذار الذي أقره المؤتمر القطري الاستثنائي في حزيران حول فلسطين مايلي: «تقوم سياستنا العربية على اعتبار رئيسي هو أن تحرير فلسطين واجب قومي والمهمة الأولى الملقاة على عاتق الأمة، وأن هذا الهدف يحتل المكان الأول من نشاطنا السياسي على الصعيدين الرسمي والشعبي».
وتبنى "البعث" العمل الفدائي استراتيجية لمواجهة الصهيونية والامبريالية التي تعمل على تصفية قضية فلسطين، وأكد دعمه للمقاومة الفلسطينية في المؤتمر التاسع عام 1966، واعتبر قضية فلسطين هي المحور الأساسي في استراتيجيته النضالية في المجالات الداخلية والعربية والدولية،  وأسس منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية وقوات الصاعقة الملتزمة بالمقاومة المسلحة وحرب التحرير الشعبية لتحرير فلسطين، ورفض مشروع روجرز والمشاريع المشبوهة الأخرى وخاصة إقامة دويلة فلسطينية في جزء من فلسطين للتشطيب على حق العودة وتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة العدو وإنهاء الصراع العربي- الصهيوني.
ونص بيان القيادة القطرية المؤقتة في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970 على دعم المقاومة الفلسطينية وبذل أقصى الجهود لتحقيق وحدة فصائلها. وأكد الحزب في المؤتمر القومي الحادي عشر في آب 1971 أن قضية فلسطين تظل محور النضال العربي، والقضية العربية الأولى وأعلن رفضه لكافة المشاريع الرامية إلى تصفيتها. كما تضمنت قرارات المؤتمر القطري السادس /نيسان 1975/ التأكيد على ضرورة العمل لعدم تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إزالة آثار العدوان لعام 1967، والالتزام بدعم الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره فوق أرض وطنه ومواصلة النضال لتحرير كامل التراب الفلسطيني.
وأكدت قرارات المؤتمر القومي الثامن عشر /تموز 1975/ على التحرير الكامل لجميع الأراضي المحتلة بعد حرب حزيران العدوانية، والالتزام باستعادة الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني ورفض الصلح والاعتراف بالكيان الصهيوني، والالتزام بدعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل العودة وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني. وتضمن البيان الختامي للمؤتمر القطري الثامن في كانون الثاني عام 1985 التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة واستعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني، بما في ذلك حقه في العودة وتقرير المصير في وطنه وبناء دولته المستقلة فوق ترابه الوطني، واستمرار العمل لإفشال تحقيق جزئية أو منفردة.
ولا يزال الحزب على صعيد النظرية والممارسة، ووفق توجيهات قيادته السياسية يؤكد في العديد من المناسبات الوطنية والقومية والدولية على الحقائق التالية:
-إن قضية فلسطين هي جوهر الصراع العربي-الصهيوني، وهي قضية الأمة العربية بأسرها.
- إن الصراع هو بين الأمة العربية وبين العدو الصهيوني العنصري والعدواني والتوسعي.
- إن قضية فلسطين هي قضية سورية ومحور نضالها، وهي سورية الجنوبية وجزء لا يتجزأ من بلاد الشام.
-إن علاقة سورية بقضية فلسطين ليست علاقة تضامن، وإنما هي علاقة النضال المشترك والمصير الواحد.
-إن سورية مصممة على متابعة النضال من أجل قضية فلسطين لأنها قضيتها المركزية والقضية المركزية للأمة العربية.
إن التراث الفكري والسياسي والنضالي لحزب "البعث" ربط القول بالفعل بشكل لا مثيل له، ويشكل هذا التراث الهائل الدليل العلمي والثوري والشرعي العادل للقضية المركزية للأمة العربية، لسورية ولشعبها ولقيادتها الوطنية ولبقية جماهير الأمة العربية، وهذا التراث النضالي يثبت بأن حزب البعث هو حزب فلسطين والأمة العربية ورسالتها الخالدة للإنسانية.

2013-06-10