دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حزب الله: طمأنينة على الجبهة العسكرية وخشية من الجبهة الطائفية/ معز كراجة

من تابع الخطاب الاخير للسيد حسن نصر الله والذي يأتي بعد أن هدأ غبار معركة القصير سيجده أكثر طمأنينة وراحة مقارنة بخطابه الاخير الذي سبق الدخول الى هذه المعركة. هذه الطمأنينة مبعثها ما تم تحقيقه في الميدان مع العلم بأنها لم تكن معركة سهلة على الإطلاق حيث اشارت التقارير الاعلامية الى حجم التجهيزات والتحصينات التي كان يتمتع بها الطرف الآخر والتي تفاجأ بها عناصر حزب الله انفسهم

لكن من جهة اخرى فانه منذ الدقائق الاولى للخطاب كان واضحا أن هناك جبهة  أخرى تشغل بال الرجل وتثير خشيته، والتي يبدو أن غبارها لم يهدأ، بل العكس بدأ الان بالظهور والتصاعد، وهي جبهة الفتنة الطائفية. يمكننا استنتاج ذلك من كثرة الرسائل التي وجهها ونقاط الضعف التي دعى الى تجنبها في هذا الموضوع والتي حازت تقريبا على نصف حديثه
فقد بدأ السيد نصر الله كلامه بعد البداية التقليدية  بتوجيه نداء الى جمهور وعناصر المقاومة بضرورة ضبط النفس حتى في المشاكل الشخصية واليومية حتى لا تتطور ويتم تجييرها طائفيا. وقد ركز كثيرا على سلوك يفترض في الظروف العادية ان لا يأخذ كل هذا الحيز من الوقت والاهتمام ، وهو اطلاق النار في الهواء في المناسبات المختلفة، حتى انه كما أشار طالب بإصدار فتوى من المراجع الدينية في ايران والعراق  لتحريم هذه الظاهرة بعد ان فشلت الضوابط القانونية والاعتبارات الاخلاقية في وقفها، وذلك للسبب ذاته وهو تقليل مواقف التوتر التي قد تنفجر طائفيا
هذه الخشية الحزبية والشخصية للسيد من انفجار الفتنة الطائفية دفعته ايضا في ذات السياق لينفي بنفسه ما قيل عن ان الصواريخ التي تطلق في الايام الاخيرة باتجاه مناطق شيعية تأتي من بلدة عرسال السنية، مشيرا ان هذه الصواريخ تطلق على يد الجماعات المسلحة من الداخل السوري، وان اقحام عرسال بهذا الموضوع والتركيز على انها سنية هو فقط بهدف التحريض الطائفي
ولم يكتف بذلك، بل انهى خطابه بالعودة مرة اخرى على ذات الموضوع ، مركزا على الهجمة الاعلامية ذات اللغة الطائفية التي تشنها الكثير من محطات التلفزة  والصحف العربية الممولة خليجيا. وقد اشار بشكل خاص لحادثة رفع راية لحزب الله على مسجد سني في مدينة القصير، وكيف ان محطات تلفزيونية كالجزيرة والعربية على وجه التحديد ركزتا على هذه الحادثة وتم تصوريها على انها " احتلال شيعي لمسجد سني"،  نافيا صحة ذلك ومؤكدا ان القسم الاعلامي في الحزب سيصدر شريطا يبين حقيقة هذه الحادثة
هذه الخشية الواضحة على طول مدة الخطاب نجد لها ما يبررها، فإضافة للهجمة الاعلامية التي تم الاشارة اليها، والتي ننصح بمراجعة مقالة للكاتب الفلسطيني سيف دعنا بعنوان " حزب الله: دعوة للرواية" المنشورة في جريدة " الاخبار اللبنانية" في الخامس عشر من هذا الشهر ، والتي يفصل فيها تطور هذه الهجمة ومضمونها ، هنالك تصاعد سريع جدا للخطاب الطائفي على لسان مجموعة من الشيوخ والمؤسسات الدينية التي لها ثقلها للأسف
فقد صدر بيان عن اتحاد علماء المسلمين يدعو الى ما اسموه " الجهاد في سوريا"، والخطورة في هذه الدعوة تكمن في  مضمونها الطائفي، فالبيان يعتبر  ان ما يحصل في هذا البلد هو هجمة على الاسلام واعتداء طائفي. وتم تقديم هذه الدعوة الى الجهاد على انها صادرة عن " شيوخ السنة". وهي تاتي بعد ان سبق لرئيس الاتحاد الشيخ "القرضاوي" ان هاجم حزب الله بلغة طائفية غير مسؤولة واصفا اياه ب " حزب الشيطان" وامينه العام ب " الطاغوت"، ولا داعي هنا ان نشير  الى الموقع الذي يحتله القرضاوي وبالتالي حجم مسؤليته عن كل ما يقول
واستمرارا في هذه الهجمة الطائفية ذهب بالأمس شيخ سعودي يسمى " العريفي" الى مصر ليدع من هناك ايضا الى " الجهاد في سوريا"، ولا ادري لماذا لم يدع الى ذلك من بلده؟ هل لا يوجد فيها شباب قادر على" الجهاد" ؟ ام ان مصالح السعودية واستقرارها لا يسمح بذلك؟
الاشارة الى هذه الموجة من التصريحات والدعوات ورفضها لا يعني  ان انتقاد حزب الله بالنسبة لنا من المحرمات، او انه يجوز لهذا الحزب ان يقف الى جانب النظام السوري في حين لا يجوز للآخرين ان يقفوا ضده، ولكن الاعتراض هو على اللغة الطائفية المستخدمة ومحاولة  تحويل الخلاف والصراع الذي يدور في سوريا وعليها الى صر اع ديني مذهبي. وهذا ما أشار له نصر الله أكثر من مرة وخاصة في خطابه الاخير حين قال ان الصراع سياسي ويجب ان يبقى سياسيا، وقد اجتهد كثيرا في محاولة البرهنة على ذلك قائلا ان هنالك سنة وشيعة ضد النظام وهنالك سنة وشيعة مع النظام. هنالك سنة وشيعة ينتقدونا وهنالك سنة وشيعة معنا ويدعموننا
يجب الاشارة هنا الى أن خشية حزب الله  من الفتنة المذهبية التي برزت في خطاب أمينه العام لا تأتي من منطلق الضعف، بمعنى اخر انها ليست خوفا من عدم القدرة على المواجهة ضمن هذه الجبهة، ولكنها عدم رغبة بذلك لانها ليست المعركة التي يبحث عنها او يريدها، وهذا برز واضحا في جملة بسيطة وعميقة لنصر الله  حين قال " نحن لا نريد هذه المعركة، نحن نريد تلك" في اشارة الى الصراع مع العدو الاسرائيلي.
كل من يقف ضمن معسكر المقاومة ومعه وفي ذات الوقت كل من يقف خارج هذا المعسكر وضده يدرك جيدا ان أي صراع طائفي في حال اندلع فانه سيكون بمثابة حرب الاستنزاف، فهذا صراع لا ربح فيه ولا خسارة، وانما انهاك واضعاف وتدمير للنسيج الاجتماعي والثقافي في المنطقة، وآثار ستأخذ سنوات طويلة لتزول من النفوس، والحرب الاهلية اللبنانية مازالت ماثلة امامنا كخير دليل على ذلك.
ولكن من جهة أخرى فان مثل هذا النزاع الطائفي الذي لا حسم فيه، سيضعف وينهك حزب الله سواء عسكريا او معنويا، فقد خسر هذا الحزب المقاوم حوالي مئة شاب درب وجهز لتلك المعركة اي الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي، ولكنه ببساطة ذهب ضحية لهذه المعركة التي  لا معنى لها .في المقابل فان الطرف الاخر لا يخشى الفتنة الطائفية ويدعو لها لانه  أولا  لن يخسر بشكل مباشر كما سيخسر حزب الله لانه لن يحارب بجيشه وشبابه وانما سيحارب من خلال مجموعات سلفية وتكفيرية اتت من مناطق مختلفة من العالم، بقاؤها او ذهابها الى الجحيم لن يمثل له شيئا.  وثانيا: فان هذا الطرف الذي تتزعمه بعض دول الخليج  لا يوجد لديه مشروع اخر او معركة اخرى يخشى عليها او يخشى ان تضيع قدراته فلا يستطيع الاستمرار فيها. هذا الطرف الذي يرفع من وتيرة اللغة الطائفية ويصر على تقسيم الخلاف والصراع في سوريا بين سني وشيعي لم يدع يوما " للجهاد في فلسطين"، ولن يدع له، وهذه المعركة ليست ضمن اولوياته  بل يعمل ضدها ليل نهار
علينا هنا أن نضع مجمل هذا الكلام ضمن سياق تاريخي سريع حتى تكتمل الصورة. فحزب الله اليوم هو القوة الوحيدة في المنطقة العربية التي  تتزعم المقاومة قولا وفعلا، وهو الوحيد الذي مازال يصر على وضع المشهد السياسي في المنطقة كلها ضمن اطار الصراع مع اسرائيل، وقد سبق للسيد نصر الله ان قال ذلك بشكل مباشر في مقابلة مع قناة " الميادين" العام الماضي حين أشار بان نقطة الارتكاز التي علينا ان ننطلق منها في  حساباتنا وخياراتنا هي الصراع مع اسرائيل. وتدخله اليوم في القصير ووقوفه بشكل عام بجانب النظام السوري ياتي انطلاقا من ادراكه بان هنالك مشروعا تحاول امريكا تطبيقه في المنطقة يتمثل في تغيير نقطة الارتكاز هذه وفي هدم حجر الزاوية المتبقي من ثقافة المقاومة لصالح تسليم المنطقة " للاسلام المدجن" الذي نرى نموذجه في مصر بشكل خاص. فالاخوان الذين كانوا بالأمس يملأون شوارع القاهرة مطالبين مبارك بفتح الحدود للذهاب الى القدس، هم اليوم من يسيطر على هذه الحدود، ولكنهم بدل من ذهابهم الى فلسطين يقومون بحماية السفارة الاسرائيلية ومنع تهريب الاسلحة الى غزة
واستكمالا للسياق التاريخي علينا الاشارة الى أن ظهور حزب الله على المسرح السياسي في المنطقة كان عام 1982 وهو العام الذي خرجت فيه منظمة التحرير من لبنان لتسكن في تونس بعيدا عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وكان ذلك بالنسبة لاسرائيل يمثل انجازا استراتيجيا على اعتبار ان عدوها اللدود أصبح جغرافيا بعيدا جدا. ولم تمض بضع سنوات على هذا الخروج الفلسطيني من لبنان حتى ظهر لنا مشروع " اوسلو" الذي بذل القائمون عليه جل جهدهم ليكون مدخلا لهدم ثقافة المقاومة وتغيير نقطة الارتكاز التي اشار اليها نصر الله. واليوم بعد مرور اكثر من عشرين عاما على هذا المشروع نجد انفسنا للاسف مجبرين على الاعتراف بانهم نجحوا في ذلك الى حد بعيد. ولكن تنامي قوة حزب الله بخطابه وفعله المقاوم والذي جاء ليملأ الفراغ الذي خلفه غياب الدور النضالي لمنظمة التحرير شكل المعيق الاساسي امام الهدم الكامل لثقافة ولغة المقاومة ، هذا  الى جانب حركة حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية. ولكن ذكر حماس اليوم ضمن هذا السياق له خصوصيته لاعتقادنا بانها في طريقها لمغادرة محور المقاومة
كل عناصر " مشروع اوسلو" تدرك جيدا حجم " التخريب" الذي يقوم به حزب الله لخططهم. التخريب ليس فقط على صعيد قدراته الكبيرة في الصراع المباشر مع اسرائيل، ولكن أيضا قدرته على ابقاء لغة وثقافة المقاومة حية، ومن خلال اصراره على وضع اسرائيل كنقطة ارتكاز لاي صراع في المنطقة ونجاحه في ذلك
ولهذا  فان حزب الله اليوم يمثل هدفهم الاكبر من وراء اسقاط النظام في سوريا،  فهو بالنسبة لامريكا واسرائيل وحلفائهما  الغنيمة الاهم من اسقاط النظام نفسه. وبما أنهم فشلوا في انهاء هذا الحزب ودوره " التخريبي" طوال السنوات الماضية وخاصة خلال حرب عام 2006، وبما أنه أصبح معلوما بان حسم المعركة عسكريا في سوريا التي هي الطعنة من الظهر لحزب الله غير ممكنة أيضا خاصة بعد معركة القصير، فالان السلاح الاخير المتبقي في ايديهم هو " الفتنة المذهبية الطائفية". الفتنة التي لن يخسروا فيها شيئا طالما انهم سيحاربون من خلال جماعات مسلحة تكفيرية لا مشروع لها ولا هدف سوى القتل النابع من جهل، في حين هذه الفتنة لا شك ستنهك قدرات حزب الله وتشغله عن معركته الاساسية
لا داعي للاشارة هنا الى حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل مواطن عربي في هذه المرحلة وليس فقط الجهات الرسمية سواء في هذا المعسكر او ذاك، فهذا المواطن الذي خرج من تونس الى مصر واليمن وسوريا متعطشا لحرية حقيقية وديمقراطية وفي نفس الوقت لكرامة وطنية، يجب ان لا يقبل بان يكون الصراع الطائفي والاسلام المدجن هو البديل عن الديكتاتوريات. ولا داعي أيضا للتذكير دائما بان الوقوف ضد ما يحصل في سوريا ليس وقوفا مع النظام، وانما هو وقوف ضد هذا السيناريو الذي حاولنا توضيحه ضمن ما يسمح به حجم المقال
باحث في العلاقات الدولية

2013-06-17