دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لم يعد هناك وطن نقاتل من أجله،، فقاتلنا أنفسنا !!! بقلم بكر عبد الحق

في أحدى أيام شهر رمضان المبارك استيقظت واسرتي على موعد السحور للتهيئ لصوم يوم من أيام هذا الشهر الفضيل ، واذا بأبي ينصت بجانب الباب على أصوات لم نعهد سماعها في الجوار بسبب حداثة البناء الذي نسكن فيه وخلوه من السكان الا نحن .. ففتح أبي الباب بحرص شديد بعد أستطلع مدخل البناية بواسطة العين السحرية المزروعة في الباب ليشاهد مجموعة من عناصر الأمن الوطني ممدين على مدخل البناية مرهقين من شدة التعب ينتظرون السحور لكي يعينهم على صيام يوم من أيام رمضان فسارع أبي بلهفة باتجاه المطبخ طالبا من أمي ان تعد السحور وعلى عجالة لكي يتسنى للشباب تناول ما تيسر من طعام في منزلنا المتواضع قبل أن يرفع المؤذن أذان الفجر  .

وبعد الطعام ألحقهم أبي بابريق من الشاي ومن ثم القهوة وأخذنا نتسامر مع الجنود الذين لم يتوقفوا عن مداعبتي والمزاح معي .

لم يكن تواجدهم بجوار البيت صدفة ولكن الاحتلال هو من أجبرهم على اخلاء مقراتهم بسبب كثافة القصف الذي سوى في ذلك الوقت معظم مقرات الاجهزة الأمنية في الأرض .

كنت صغيرا جدا في ذلك الوقت مثلي مثل الآلاف من أشبال فلسطين ممن تفتحت عيون طفولتهم على مجازر الاحتلال .. وحفظت ألسنتهم الأناشيد الوطنية وخطابات الرمز ياسر عرفات عن ظهر قلب .. وترسخت في أذهانهم مشاهد المقاومون الذين تكاتف معهم عناصر الأجهزة الامنية في مشهد تقشعر له الأبدان فأصبح من الصعب عليك أن تميز بين مقاوم وعنصر أمن فكلهم توشحوا بكوفية الياسر وتزينوا بالبنادق بانتظار عرس شهادتهم على عدالة قضيتنا .

عندما نتحدث نحن أبناء جيلنا عن تلك الحقبة من الزمان وان كنا صغار فاننا نتحدث عنها بقلب مشروح لما حملته تلك المرحلة من صور جميلة لنضالات أبناء شعبنا ضد المحتل ولا تستغرب بأن كلماتنا في وصف هذه اللحظات تكاد تكون ممزوجة بالدموع والحسرة على افتقادنا ايها بل على صغر عمرنا الذي حرمنا ان نكون جزء من هذه الذاكرة .

تمر الأيام وتتبدل الطفولة بمرحلة الشباب ويبدأ وعينا يتفتح على مرحلة جديدة هي المقاومة السلمية لا نرغبها كثيرا لأننا اعتدنا ان ننام على أصوات الرصاص واعتدنا أن نقلد المقاومون في ألعابنا وأحلامنا وحفظنا بدل دروسنا أهازيج الوطن والثوار .. ولكننا مجبرين على أن نكون جزء من هذه المقاومة لأنه المتنفس المقاوم الوحيد لأبناء شعبنا .

لا أريد الخروج عن محور القضية وهي أبناء الأجهزة الأمنية الذين نكن لتاريخهم النضالي كل الاحترام والتقدير فلا أنسى وأنا اكتب هذه الكلمات بأنني عندنا كنت طفلا صغير يرتجف خوفا من أصوات جنازير الدبابات وطلقات الرصاص كان هؤلاء الرجال بصدورهم العارية وببنادقهم المتواضعة يقارعون عدوا استباح أرضهم في معركة غير متكافئة القوة ، ولكن من يشاهد في وقتنا الحاضر هذه الصور لرجال الأمن الذين يقمعون مجموعة من الشباب ما زالت تحتفظ بتلك الصور في ذاكرتها يعزعليها أن يدنس مجرم تفنن في قتل آبائهم وأخوانهم وأمهاتهم .. تفنن في قتل طفولتهم تحت جنازير الدبابات ، وهرص أحلامهم تحت الجرافات .. تفنن في حصار قائد معركتهم  ورمز قضيتهم ورئيسهم الشرعي المنتخب الشهيد ياسر عرفات ...

تعز علينا ونحن الذين تشبهنا بكم ان نشاهد عصيكم وبنادقكم موجهة لأبناء شعبكم ..

لتفتحوا اليوم بابا من التساؤلات هل أضحيتم فوق الوطن بعدما كنت جزء منه ؟؟!! أم هناك "لهو خفي" يحاول أن يحرف بوصلتكم عن مسارها ؟؟َ!!

بالله عليكم اجيبوني ما الذي تبدل وما الذي تغير ؟؟َ!!

من له مصلحة في أن تتبدل الصورة الايجابية لرجل الأمن المقاوم حامي الوطن بصورة سلبية تصوره على انه قامع لأبناء شعبه ؟؟َ!!

كل هذه الأسئلة مشروعة أمام تخوف يجول في بال الكثيرين "لم يعد هناك وطن نقاتل من أجله،، فقاتلنا أنفسنا" !!! 

نابلس

2012-07-02