دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
العدل أساس المُلك/عبد الهادي شلا

  هذه الحكمة المُحكمة تدل على الطريق الصحيح للمساواة بين البشر دون لـَفٍ أو دوران، لوأنها طـُبقـَت لعـَمَ الخير والسلام في الأرض. ولأن "العـَدل" من أسماء الله الحسنى،فهذا يعني قوة الكلمة وبيانها الصحيح عند تفسيرها والأخذ بمضمونها. وقد جاء في الحديث الشريف: "إذا وُســِدَ الأمــرُ إلى غير أهلـِه،فانتظروا الساعة ".

حديثٌ يدلنا إلى الطريق الموازي لطريق العدل في السلوك الإنساني ليرُسخ أساس المُلك،وهو العــَدل. ما يجعلنا نتفكر في معنى "العدل" هو الحالة العامة التي أصبحت فيها " الفهلوة" و القسوة من سمات العصر وما تبعها من خراب في الأخلاق والعقيدة حين يتم تفسير العدل ليميل بمعناه لغرض يحقق منافع بعيدة عن جوهره والصفة الكامنة فيه.

ما يجعل "العدل" قيمة تتوازن بها الحياة و ينتفع منها كل البشر على مختلف ألوانهم ودياناتهم أنه واحدة من صفات رب البشر جميعا. قيل أن" الأميرة مادلين إبنة ملك السويد قد تمت تحرير مخالفة مرورية لها بسبب تجاوز مروري،ولم تشفع لها مكانتها بأنها إبنة الملك رغم أن المخالفة كانت في مكان قريب من القصر الملكي"!! ماذا يعني هذا في زماننا الذي تم فيه تجاوز حدود الأخلاق الرفيعة أم هو "شذوذ" عن القاعدة في زماننا لما هو أكثر إنحرافا نحو طريق لا ملامح فيه ولا نهاية ظاهرة له؟

هذا يعني أن " العدل" رغم أنه منبثق من قوانين وضعية إلا أن تطبيقه على الجميع يجعل من صفته التي نعرفها نحن أهل العقيدة منارة تضيء السبيل نحو المساواة بين البشر بغض النظر عن مكانتهم الإجتماعية. وقبل أن نمر على سلوكياتنا في المجتمعات العربية التي انبعث منها الأنبياء والرُسل التي نظمت أخلاق البشر منذ بداية الرسالات السماوية التي اختص بها الله أرض العرب ،دعونا ننظر في سلوكيات الدول المتحضرة والتي نتغنى كثيرا بأنها أخذت عنا الكثير من العلوم والمعارف واهتدت بسلوكياتنا التي وصلتهم مع وصول الإسلام وحملاته لنشر الدعوة في الوقت الذي يخبرنا التاريخ بأن هؤلاء القوم كانوا في عصور جاهلية مظلمة. فنحن الذين هاجرنا وعشنا في بلاد الغرب منذ سنوات طويلة نستطيع أن "نجزم" بأن القانون للجميع وعلى الجميع ،ولا يخلو من ثغرات يمكن لأصحاب النفوس الضعيفة النفاذ منها لأنه ليس ربانيا إلا أنه في جُله وُضـِع ليحفظ كرامة الناس، وأن أي تجاوز يسبب ضررا عاما أو خاصا فإن القانون يقوم بواجبه في إحقاق الحق بــ "العــدل" الذي يمثله. و كلنا يعلم أن معظم البلاد الغربية مفتوحة أمام المهاجرين من كل أصقاع الأرض،لذلك فكل مهاجر يحمل عقيدة وتقاليد وتربية مجتمعية مختلفة عن الآخر،ولكي ينصهر في مجتمه الجديد بالتساوي مع الآخرين فإن الضابط على تساوي الجميع إنما هو " القانون العادل " الذي يضبط السلوكيات ضمن دائرته المرسومة لتقدم البلد وكرامة المواطن في مزيج جميل ومريح. صور تراكبت على مر الزمن وترسخت في أذهان الكثير من شعوبنا وهي أن بعضهم" فوق " بعضهم !

ارتكازا على مفهوم إجتماعي خاطئ أساسه المكانة الإجتماعية أو الغنى أو المركز السياسي ... فكانت الطبقية التي خرجت عن أساس العقيدة الربانية والتي كانت بلادنا العربية مُصــَدرُها للبشرية وفـُتحت بها البلاد واستقرت في عقيدة العباد في كل الأرجاء التي وصلتها ومنها بلاد الغرب التي أخذت منها وبنت عليها وحفظت قوتها. أما والحالة تنمو وتكبر وسط السخط المتنامي والاحباط العام في كل مجالات الحياة للأمة العربية التي تتآكل صورتها يوما بعد يوم بشعارات أتت على الأخضر واليابس وأصابت نفس المواطن في مقتل حتى كاد يغيب "العدل" وتضيع ملامحه ولا نغالي إن قلنا أن "العدل" بات مفقود في تعامل أفراد الأسرة الواحدة. ورغم أنني لست من أنصار التغني بالماضي إلا اننا نجد أنفسنا في حاجة للتذكير ببعض ما فيه من مآثر هي من الدروس والعبر المستفاد منها أنها ترتكز على مبادئ سامية لا يمكن لعاقل أن يكابر ويضحضها. ولنا في العدل مثلا تناقل عبر الزمن في قصة أمير المؤمنين" عمر بن الخطاب" حين جاء رسول " كسرى " يسأل عنه ليسلمه رسالة من عظيم الفُرس ،فاشاروا إلى رجل نائم تحت ظل شجرة في السوق فاقل قولته الشهيرة : " أمِنتَ لما أقمــت العـــَدل بينهُـــــم ،فنمـــتَ قــــَرير العَــــين هانيهـــا " . وقد صور هذا المشهد الشاعر "حافظ إبراهيم" في قصيدة " صاحب كسرى " حين قال: وراع صاحب كسرى أن رأى عمرا بين الرعية عـُطــــلا وهو راعيهــا وعَهــْدَهُ بملوك الفــُرس أن لهــــا سورا من الجُند والأحراس يحميها رآه مستغرقا في نومه فــــــــرأى فيه الجلالـــة في أسمى معانيهــــا فوق الثرى تحت ظل الدوم مشتملا ببـُردة كاد طــول العهـــد يبليهــــا فهان في عينه ما كــــان يكـــــبره من الأكـاســـِر والدُنيـــا بأيديهــــا وقال قولة حَـــق أصــــــبحت مثلا وأصبح الجيل بعد الجيل يرويهـــا أمِنتَ لما أقمــت العـــَدل بينهُـــــم فنمـــتَ قــــَرير العَــــين هانيهـــا ويبقى

سؤال نختم به: هل ينام حكام هذا الزمن ملئ جفونهم ؟! لا أتصور وأكاد أجزم أن القلق يمنعهم ويقض مضجعهم.والسبب لا يحتاج منا إلى جواب.!!

www.alsaraha.com

2013-09-17