دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حق العودة اليهودي!/بقلم د.عادل الاسطل

  برزت أثناء أحداث الربيع العربي جدلية جديدة، تتحدث في شأن العلاقات العربية اتجاه الدولة الإسرائيلية، بسبب أنها تمثل القضية الأولى لدى الدول العربية، وبعض الدول الإسلامية، فيما إذا كانت تلك العلاقات ستتغير إلى جهة التصعيد ضدها، بحكم تغير البيئة السياسية، وأنظمة الحكم فيها. الأمر الذي أشاع قدراً عالياً من القلق الإسرائيلي، ظهر جلياً من خلال المخاوف المتتالية التي أبداها الإسرائيليون طوال الفترة، لا سيما في ضوء الصعود القوي للتيارات الإسلامية في تلك الدول والداعية منذ الماضي إلى معاداة الدولة الصهيونية، وانتقاد كافة اتفاقات التسوية معها. حيث وصل الأمر بالقادة الإسرائيليين إلى رفع درجة تلك المخاوف، إلى أعلى من الخطوط الحمراء التابعة لديهم، ومن جهةٍ أخرى، إعلانهم بإظهار جنونهم في حال تعرض دولتهم للخطر. علاوة عن صراخهم المتواصل لدى الولايات المتحدة والغرب عموماً، بأن ساعة المصير الإسرائيلي السيء قد بلغت الأبواب، واقتربوا من الظن من أن إسرائيل لن تتمكن من تكرار احتفالها بعيد نشأتها في الوقت الآتي. لكن سرعان ما استردّت إسرائيل عافيتها، ونهضت على ساقيها، حينما أعلنت صراحةً وضمنياً، العديد من الدول العربية خاصةً من ذوات الربيع، بأن استعداء الدولة الإسرائيلية على الصعيد العسكري ليس في الوارد إطلاقاً، بسبب احترامها للاتفاقات الموقعة، وللبيئة السياسية الدولية القائمة التي تجعل من غير الممكن التفكير باللجوء إلى خرق أو إهمال مثل تلك التفاهمات أو الاتفاقات المبرمة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل تجاوزه بكثير جداً، ففي حالة سياسية غير متوقعة، أعلنت بعض تلك الدول العربية، عن رغبتها بأن ليس لديها أيّة موانع في عودة اليهود إليها، واستردادهم ممتلكاتهم التي تركوها ومعايشة حياتهم الطبيعية في أنحاء البلاد. وكان بدأ بذلك الرئيس التونسي "المنصف المرزوقي" أواخر ديسمبر/كانون أول 2011، حينما أعلن أثناء اجتماعه مع الحاخام الأكبر لتونس "حاييم بيتان" عن رغبته بعودة جميع اليهود إلى تونس وأكّد أمامه، بأنهم سيكونون موضع ترحيب مستمر في ظل الحكم الإسلامي الجديد، وطمأنه بالمساواة في الحقوق الوطنية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وكانت السلطات الليبية حاضرةً، ففي نفس العام أعلن رئيس المجلس الانتقالي الليبي "مصطفى عبد الجليل" عن عدم رغبة النظام الليبي الجديد في استعداء الدولة الإسرائيلية ورحّب بعودة اليهود الليبيين إليها. وفي العام التالي طالب الإسلاميون في مصر، على لسان القيادي في حزب الحرية والعدالة، الدكتور "عصام العريان"، يهود مصر بالعودة من إسرائيل إلى موطنهم الأصلي، مشدداً على ضرورة تلبية الدعوة، من أجل استرداد ممتلكاتهم والحصول على أمنهم وسلامة مصيرهم. وفي السنة الثالثة وتحديداً في هذه الأثناء، جاءت الدعوة - العامّة التّامة - من جانب الرئيس الإيراني الجديد "حسن روحاني" حيث طالب الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" تسهيل عملية عودة اليهود إلى أوطانهم التي كانوا يعيشون فيها قبل هجرتهم إلى فلسطين، بما في ذلك عودتهم إلى إيران. بناءً على ما سبق، فإن الجميع في العالم قد فهموا تماماً، بأن تلك الدعوات هي بمثابة حلٍ سياسي للقضية الفلسطينية وللمسألة اليهودية في آنٍ معاً، حيث يعود اليهود إلى أوطانهم، والفلسطينيين إلى أرضهم. وببساطة تنتهي المشكلة ويطوى الملف إلى الأبد. في المسألة التونسية ردّت إسرائيل بترحاب على الاتجاه الحسن الذي أبداه "المرزوقي" نحوها. ولكنها بقيت على حالها وازدادت شِدّة، بشأن دعوتها على لسان نائب وزير الخارجية "سيلفان شالوم"، لجميع اليهود المتبقين في تونس على الهجرة إلى إسرائيل، خوفاً من مصيرهم بعد حكم الإسلاميين هناك. وفي شأن الدعوة المصرية فقد ردّت إسرائيل، بعدم قبولها الدعوة، وكانت محل سخرية لدى العديد من القادة، في إسرائيل. فبغض النظر على معارضة الحركات والأحزاب المصرية دعوة "العريان" بعودة اليهود المصريين إلى مصر، باعتبارها لأجل الدعاية للإسلاميين، فقد تساءلوا فيما إذا كانت مصر تستطيع الوفاء بإطعامهم. وبسخريةٍ أكبر ردّت إسرائيل على "روحاني" بأنه يهذي وحسب، وبأن عليه أن يساوي بين مواطنيه، قبل أن يتفضل على الآخرين. وعلى أيّة حال، فإن ما يجعل إسرائيل تضاعف من استخفافها بالعرب والمسلمين، وتقدح برغباتهم إلى هذه الدرجة، أمورٌ عدّة، وهي متراكبة ومتشابكة فيما بينها إلى أبعد حد، ومنها، ما هي دينية وقومية واجتماعية. فأمّا ما يتعلق بالدينية، فإن اليهود عموماً يعتبرون أنهم أصحاب الأرض الأصليين، حيث وعدهم الله بها منذ خلقهم، ومن ثمّ فلا جدال عندهم حول هذه المسألة بسبب أنها لا تتعلق ببشر، وإنما هي خاصة بأمر إلهي كما وردت بتفاسيرهم المختلفة. واعتبار أن ترك الأرض المقدسة هو انحدار للهاوية والدخول في التهلكة الإلهية، ولذلك فإن من غير المقبول لديهم بفعل شيء من ذلك القبيل. وأمّا ما يتعلق بالشأن القومي، فإن ذلك يتبع غرائز عرقية (عنصرية) على أنهم شعب الله المختار، وإن من أدنى حقوقهم منذ القِدم وحتى تأسيس الصهيونية على يد "ثيودور هرتزل" وتلامذته من بعده، الذين ما ضعفوا بشأن المطالبة بضرورة أن تكون لهم دولة قومية تجمع شملهم وتمنع شتاتهم، بعد معاناتهم التي عانوها، وخاصةً التي تلقّوها منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن الماضي في عامة الدول الأوروبية التي كانوا يعيشون فيها. وأمّا ما يتعلّق بالأمور الاجتماعية، فإنهم ينظرون وعلى مدار الساعة، إلى المستويات الاجتماعية المحزنة داخل الدول العربية والإسلامية، والتي وصلت إلى مستويات عالية من العنصرية والطائفية والمذهبية، التي تعتمد على نبذ الآخر بالكراهية والإقصاء واللجوء إلى إتباع مظاهر العنف الدامية، التي فاقت كل وصفٍ وخيال. ولِما سبق، فإن من العسير جدّاً، أن تلقى مثل تلك الدعوات آذاناً صاغية لدى عامة اليهود، العلمانيون في مقدمة المتدينين وخَدَمَة التوراة، على أن مجرّد مقامهم في الأرض المقدسة يعتبر كافياً للتغطية على سلوكهم والعفو عن سيئاتهم. بيد أن الحديث عن الحرب الواحدة هو وحده –فقط- الكفيل، الذي يجعل من مسألة الهروب الصهيوني أكثر يسراً.

خانيونس/فلسطين 22/9/2013

2013-09-22