دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الخميس 2/1/1440 هـ الموافق 13/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
غـــرغـــرينـــا/ خيري حمدان

أعتقد بأنّني قد أخطأت في إحدى مراحل حياتي وبخاصة الأخيرة، وباتت النهاية المطلقة على مرمى حجر. باختصار بقي لي من العمر أشهر وربّما أسابيع. سيان، فالساعات على أيّة حال لن تتجاوز بضع آلاف. قد يصرخ البعض في وجهي "ما هذا التشاؤم يا رجل؟" كلّ لحظة يموت الآلاف من البشر. هذا صحيح، لكنّ الوضع بالنسبة لي بات واضحًا، إنّها التفاصيل الأخيرة لموتي المعلن. أنظر بالله عليك إلى قدمي التي قطع طرفها حتّى المشط، هل يعجبك المنظر الدمويّ. حالة البتر تعني بأنّ أنسجتي قد بلت، لا، ليس أنسجتي بل عظامي وهنا تكمن الفاجعة لأنّ عظامي كتلة واحدة ولا يمكن وقف التلف عند حدّ معيّن. تزداد اللعنة حين يتقن المريض لغة الطب ويفهم حالته جيّدًا. هذا يعني يا سادة بأنّني مشروع غياب أبديّ وأدرك هذه الحقيقة جيّدًا.
حضر الممرّض صباح اليوم محاولا رسم إبتسامة ما على وجهه، وهو يدرك حدّة مزاجي وعصبيتي التي لا ترحم قريبًا أو بعيدًا. السيد يريد عصر القيح المتجمّع في نهاية الجرح المفتوح. مسخرة، وربّما شجاعة رجل انتحاري لا يعرف ماذا ينتظره إذا حاول أن يقترب من قدمي وأنا الرافض لكلّ مسبّبات الألم، فما بالك بعصر جرح بقطر القدم. لا، لن تمرّ يا رجل، تلقّى الممرّض صفعة خفيفة من يدي الواهنة، هذه أقصى إهانة يمكن أن أرتكبها، المعذرة يا صديقي، أنا وأنت نعرف جيدًا بأنّ الموت قادم، لذا دعِ الآلام بعيدًا، قريبًا سيضطرّ الجرّاح لقطع قدمي حتّى الركبة. بمناسبة الحديث عن الطبيب الجرّاح، حضر سيادته معتمرًا بالبياض. طلب من الممرّض الذي اشتكاني الابتعاد عن المكان. جلس إلى جانب السرير وقال محدّقًا في عينيّ مباشرة:
- أرجوك يا سليم، اسمح لنا بمعالجتك، نحن لا نريد سوى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قدمك المتعفّنة.
- بل فاتني القطار بمحطات عديدة يا دكتور، لا يمكنك سوى إطالة فترة احتظاري. إذا أردت مساعدتي فعلا، اسمح لي بالعودة إلى المنزل، أريد أن اودّع يومياتي وأشيائي الصغيرة، أريد أن أمارس الحياة كما أشتهي وفقًا لمفاهيمي الخاصّة بعيدًا عن رقابتك ورقابة المستشفى والأخصّائيين. هذا ما أتمناه وأنت تعلم بحقوق المحكومين بالإعدام، يسمحون لهم بطلب أخير. أرجوك دعني أعود إلى منزلي، انسَ يا رجل للحظة بأنّك طبيب وتصرّف باعتبارك إنسان. أنا لا أخشى الموت لقد فات الأوان على الحمية والأدوية والخوف والهلع، نال منّي السكّري منذ استهنت به وبمضاعفاته. لقد نهلت من الحلويات والعسل والدهون ما لا يقوى جسم سليم معافى على استيعابه وهضمه وتخزينه. شاركت في لعبة الموت بشجاعة وحماقة وخسرت الرهان، وها قد حان الوقت لدفع فاتورة جهلي وحماقتي. دكتور، أرجوك أنا لا لست غبيًا ولا أريد مزيدًا من أيام الشقاء، سئمت تقطيع الجزء تلو الآخر من قدمي، دعني أرجوك، اعتقني لو سمحت. أريد فقط العودة إلى بيتي. كان من الواضح أنّ الطبيب يصارع ذاته وهذا مفهوم فقد أقسم على الحفاظ على الحياة البشرية، لم أتركه وشأنه أطول من ذلك وأضفت متوسّلا، يا دكتور، لا أريدك أن تعاني أنت أيضًا من هذا الصراع المرير مع ذاتك، أقترح عليك أن أغادر المشفى لمدّة أسبوع، وأقسم لك بأن أعود بعد ذلك لتكمل معروفك وتقطع قدمي حتى الركبة، وربّما القدم الأخرى أيضًا، من يدري؟ ألا ترى بأنّ الجرح لا يشفى. لم أترك لهذا الرجل أيّة إمكانية لرفض مطلبي المتواضع وكنت أتألم وأضحك في سرّي، يبدو بأنّني قد أصبحت طبيب نفس أنجح بسهولة في اقناع الآخرين في مجالات نفوذهم المهنيّة. ههه، لا أدري هل أضحك على الطبيب أم على حالي البائسة؟
غبت عن الوعي لعشرات الساعات ولاحظت بأنّ الكثير من الوجوه المحيطة بي غير مألوفة بل مجهولة للغاية. من هذا وذاك وتلك؟ يقولون بأنّهم إخوتي وأبناء عمومتي، غريبٌ أمرُ البشر، بالكاد تعرّفت على ابنتي المحبّة، وحدها تقوم بتغيير الملاءات والحافظات واللفافات الطبية لجرحي العميق الكبير القبيح.
- ماذا تريد أن تأكل؟ ضحكت في سرّي، إنّهم يخيّروني في لوائح الطعام. حسنًا، أريد كرابيج حلب الغارقة بالقطر، وأريد العوّامة والكنافة والبقلاوة والدبس والعسل والبيض مقليًا بالدهن والكولاكولا، أريد كميات كبيرة من الكولا. دلقوا في حنجرتي قطرات من عصير البرتقال، هذا يكفي، امتلأت معدتي وشعرت بالدوّار ثمّ غبت عن الوعي ثانية. 
شراييني تعاني كثيرًا، الدماء بالكاد تسير بين جدرانها المتصلّبة الضيّقة، أصبت بجلطتين أو ثلاث، لا فرق سيان فالأعراض متشابهة والجسد تافه، ضعيف وفاسد. أنا لا أقسو على نفسي وأكبر دليل على ذلك فهمي لحالتي العصيّة على الشفاء وتحلّل جسدي إلى عوامله الأوّليّة. أدركت الآن لمَ ينفرُ الآخرون منّي ويفضّلون الجلوس بعيدًا عنّي. رائحتي نتنة والتعفّن يتنقل من طرف لآخر، يتمركز في الجرح ومن حوله. قدمي كاللحم الفاسد المتواجد خارج الثلاجة لأيام متتالية. لماذا لا يضعون قدمي على الأقل في الثلاجة، خاصّة وأنّ العطور التي يدلقونها بالقرب منّي لا تفي بالغرض. أشعر بالنفور من رائحتي الخاصّة، وأنّا الذي لم يترك محلّ عطر إلا وجرّب كلّ منتجاته وآخر ابتكاراته. غريبة هي الحياة، تضحك يومًا وتزكم الأنوف أيامًا، كأنّها الرحلة القصيرة تلك التي لا تنتظر ترجّلنا بكرامة من موكب الحياة، والموكب يسير، يتجلّى، يتهادى، يتلوّن، يسرع ويبطئ وقتما يشاء.
أخبروني قبل سنوات بأنّ عليّ الالتزام بحمية قاسية لا ترحم، على سبيل المثال عدم تناول العسل وما شابه، وأنا بدوري أجبت بكلّ هدوء "طزّ فيكم". مضى على هذه "الطزّ" الكبيرة بضعُ سنوات، نعم أتذكّر ذلك كأنّ الحدث يدور الآن أمام عينيّ شريط فيديو. قمتُ بالطبع بقياس نسبة السكر في دمي ذات صباح قرابة الساعة الثانية صباحًا، نكاية بالوقت ونصائح الأصدقاء والأقرباء والجيران المتدفقة كشلالات نياغارا؛ أشار الجهاز إلى 320 ملغ. تصوّروا هذه النسبة المرتفعة بعد صيام الليل. عادي، صرخت بالجهاز ولم ترفّ لي عين بعد تلك التجربة. لماذا عليّ قياس مقدار تراكم السكّر في دمي، أنا أعرف بأنّه قد يتجاوز 500 ملغ بل وأكثر نهار اليوم ذاته، وصرخت ثانية "طزّ" و"عادي" وسأبقي على طعم الحلويات في فمي. ذات مساء صاحت زوجتي هلعة وقالت "سليم، إصبع قدمك اليسرى أسود ورائحته نتنة".
أدركت الآن أبعاد كسلي وانعدام مسؤوليتي، أنا رجلٌ غبيّ بامتياز. تفصلني عن بتر إصبع قدمي اليسرى ساعاتٌ معدودة، ولكن لماذا تقترب الكنبة منّي، كيف يمكن للكنبة لطم رأسي؟ مرّت ساعات وأنا على حالتي تلك، كان جسدي باردًا ومرهق. قاس الطبيب ضغط دمي ونبضات قلبي، وهمس لزوجتي بكلمة واحدة "جلطة". هذه هي المرّة الثانية التي يخونني جسدي ويسقط دون استئذاني، ثمّ بدأت الذاكرة تفلت منّي أيضًا، أستحي أن أنادي بعض من حولي، أعرف بحكم وجودهم في المنزل بأنّهم مقرّبون جدًا منّي لكنّ لماذا أنسى أسماءهم وصلتي بهم؟ كم أنت ضعيف وغريب أيّها الكائن البشري. أخطأ الطبيب، كان عليه أن يبتر الكثير وليس إصبع قدمي اليسرى فقط. كم أنا قبيح وقد خسرت الإصبع الثاني والثالث، خسرتها كلّها وعمل المنشار الطبّي بعد ذلك بجدّ لبتر القدم حتّى المشط وما يزال الجرح مفتوحًا، فشلوا في معالجته ومناعتي معروضة في المزاد العلني أو في مناقصة رسمية. معروضة باختصار في مهبّ الريح.
في اليوم السادس لعودتي الأخيرة وبعد أن قمت بوداع شظايا المكان وما تبقّى من الوجوه المألوفة في البيت، ملأ الزبد فمي وتصلّب جسدي ثمّ غبت عن الوعي كالعادة. بعد ساعات وجدت نفسي في غرفة الانعاش. امتلكتني الرغبة بالاعتذار للطبيب، كنت على الأقل صادقًا معه فقد عُدتُ للمستشفى قبل مرور الأسبوع الموعود. لا، ليس بالأمر المضحك، لا يجرؤ الجراح على بتر قدمي المتعفّنة. ماذا؟ دمي أصيب بالتسمم أيضًا ولا يمكنني تحمّل جلسة غسل دمائي الملوّثة، ما رأيكم بهذه المصيبة الجديدة؟ لاحت منّي نظرة عابرة لقدمي ولذراعي أيضًا، كانت الأنسجة والعضلات قد ذابت ولم يتبقَ سوى العظم المنخور النتن، يطلقون على هذه الأعراض ضمور العضلات وانسداد الشرايين وضمور الدماغ أيضًا.
أستيقظ، أنام، أغيب عن الوعي. أستيقظ أنام أغيب عن الوعي، أنام أغيب عن الوعي. أغيب عن الوعي أغيب عن الوعي. أحاول أن أعود غائبًا عن الوعي، أحاول وغائبًا عن الوعي أموت.

2013-10-18