دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يحاولون شطب القدس/ محمد السهلي

تسدل المفاوضات، باستمرارها، ستاراً على المحاولات الاسرائيلية الساعية الى شطب القدس الشرقية من تعريف الدولة الفلسطينية
فيما يواصل بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء اسرائيل، التشديد على معزوفة مفاوضات بلا شروط مسبقة، تنخرط الاحزاب الصهيونية ومعها الحكومة والكنيست في صياغة مستقبل هذه المفاوضات ونتائجها في محاولة ترسيم قوانين وتشريعات تضع هذه النتائج في صافي حسابات الربح الاسرائيلي من المفاوضات.
والقدس، تمثل لرئيس الوزراء وائتلافه الحاكم حجر الزاوية في توجيه نتائج التفاوض، باعتبارها العاصمة الموحدة والأبدية لاسرائيل، على الرغم من محاولة الاوساط المحيطة بنتنياهو إبعاده عن محركات الدفع بترسيم مشروع القرار الذي صيغ مؤخرا بشأن مدينة القدس في اللجنة الوزارية لشؤون التشريع تمهيداً لطرحه في الكنيست، في الوقت الذي توضح مطالعة نص المشروع أنه يلتصق تماما بالسياسات التي اعتمدها رئيس الوزراء الاسرائيلي تجاه عملية التسوية برمتها.
فقد قررت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في اجتماعها (21/10) دعم قانون « تحصين القدس» ويقضي بعدم تمكين الحكومة الاسرائيلية من الخوض بمستقبل القدس مع أية «جهة أجنبية» وعدم البحث في تقسيمها أو تسليم أجزاء منها إلا بموافقة 80 نائباً في الكنيست. وإذا ما أجيز هذا القانون فإنه سيحظر على الحكومة عقد أية مفاوضات حول القدس.
وبحسب القانون الذي قدم مشروعه النائب يعقوب ليتسمان من «يهدوت هتوراه» فإنه إذا تحققت تسوية سياسية لـ«تسليم القدس» دون أن تؤخذ مصادقة النواب الثمانين قبل البحث في الأمر، فإن هذه التسوية لن تلزم الكنيست، ولا الحكومة ولا بلدية القدس.
أعتمد هذا القانون باغلبية اعضاء اللجنة. ومع أن رئيس «يوجد مستقبل» يئير لبيد صوت ضد مشروع القانون، إلا أنه رفض الاستئناف عليه، وهو ما أحاله المراقبون الى موقفه الأساسي الذي يرفض تقسيم القدس ويصر على كونها العاصمة الموحدة والأبدية لاسرائيل.
وعلى الرغم من أن مراقبين لا يتوقعون أن يحظى مشروع القانون بأغلبية في الكنيست، إلا أنهم يشيرون إلى أن المسألة برمتها ليست بعيدة عن ايحاءات نتنياهو الذي ـ برأي المراقبين ـ سيحاول أن يقبض ثمن منع ترسيم مشروع القانون، وربما يرجئ هذا الموقف الى القراءة الثالثة في الكنيست، كي يوجه رسائله الى المجتمع الدولي بأن ثمة معارضة قوية من داخل إئتلافه وفي الكنيست لبحث موضوع القدس في المفاوضات. وهو الموقف ذاته الذي يتمرتس خلفه الوفد الاسرائيلي المفاوض.
يلفت الانتباه،  موقف تسيبي ليفني التي تترأس الوفد وقد صوتت ضد اعتماد مشروع القانون، وفي الوقت نفسه ترفض البحث بموضوعة الحدود ضمن المفاوضات قبل أن يبحث ملف الأمن أولا. وقد رفضت في وقت سابق نقاش مبدأ تبادل الأراضي من الأساس. هنا، يضع المراقبون إشارات إستفهام حول موقفها بالاستئناف على تصويت اللجنة الوزارية من زاوية وضع هذا الموقف قيد الاستثمار السياسي على جبهة التسوية.
ويرى معظم المراقبين أن توقيت طرح مشروع القانون يهدف بالأساس الى ايجاد ساحة معركة سياسية فرعية تتحلق عناصرها حول متابعة مسار مشروع القانون في الكنيست، واستنفار الجهود والاتصالات السياسية من أجل وآده، قبل أن يتحول تشريعاً ملزماً للحكومة والكنيست معاً. وفي هذه المعركة سيبدي نتنياهوـ كما هو متوقع ـ «مرونة» تسجل كبادرة طيبة في مسار المفاوضات دون أن ينعكس ذلك عملياً على ما يجري فيها وإن كانت الأمور داخلها لا تزال تراوح في حلقة مفرغة.
من جهة متممة، يمكن وضع الفلسطينيين أمام إحتمال إقصاء القدس نهائياً من المفاوضات، وبالتالي من إفتراض كونها عاصمة للدولة الفلسطينية، وهو ما يمكن نتنياهو من أن يقدم تصوراته ـ وإن في وقت متأخرـ بشأن القدس بحيث يجري الحديث من قبل تل أبيب عن «قدس إفتراضية» أخرى تتجسد في أعتماد بعض البلدات المحيطة بالقدس والتفاوض حول ترسيمها كعاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينيةـ في حال قيامهاـ وإن كان معظم المراقبين يرون أن نتنياهو سيواصل مناوراته تجاه عملية التسوية وإبقاء المفاوضات كمشهد هي الجزء الحي الوحيد من هذه التسوية دون الاقتراب من إحتمال إيجاد حل لأي من القضايا الأساسية التي تتصدر جدول أعمال المفاوضات.
وبغض النظر عن المسار الذي يمكن أن يسير بموجبه مشروع القانون المذكور، فإنه يعبر على نحو صريح وواضح بأن الحكومة الاسرائيلية تسعى بكل السبل المتاحة الى قطع الطريق أمام أية دعوة للانسحاب من القدس الشرقية المحتلة من خلال ما تسعى الى شرعنته من قوانين تتعلق بالقدس. وقد سبق ذلك تصريحات عدة من قبل أقطاب حكومة نتنياهو تتحدث عن استحالة قيام دولة فلسطينية.
ويمثل هذا الاقتراح داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، خطوة استباقية تقطع مع إمكانية قيام الدولة الفلسطينية التي من غير الممكن القبول بها فلسطينياً دون أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها.
كل ما سبق يعيد الى الواجهة التساؤل الاستنكاري حول الجدوى من الاستمرار في هذه المفاوضات التي كان من الواضح أن بدأت فاشلة وظهر للجميع أنها عقيمة ولن تؤدي الى ولادة حل يستجيب للحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
والمؤسف أن استمرار المفاوضات يلقي بستار على المحاولات الاسارائيلية الدؤوبة في الحكومة والكنيست والساعية الى شطب مدينة القدس من قاموس الدولة الفلسطينية، وتدفع باستمرار الى ارتفاع الأصوات بعدم التسرع في الموقف من هذه المحاولات على إعتبار أن المفاوضات قائمة وينبغي انتظار نتائجها طالما لم تستنفد المدى الزمني المنظور لها والمحدد بستة أشهر. وهو التوقيت الذي لا يتوقع أن يحدث فيه أي تطور نوعي يخدم حدوث إختراق تجاه التشدد الاسرائيلي في اعتماد الاعتبارات الامنية لتل أبيب كبوابة لازمة لجدول أعمال هذه المفاوضات.
الدلائل والمؤشرات حول عقم هذه المفاوضات ظهرت قبل بدئها وبعد ذلك. وتستمر هذه الدلائل والمؤشرات في الظهور يوميا لتؤكد هذه الحقيقة .. فهل ينتبه المفاوض الفلسطيني؟

2013-10-24