دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سارقو الحيوات/خيري حمدان

- خُذْ حذرك، هذه العائلةُ تنحدرُ من جذورٍ محافِظَة وتملك المال والنفوذ، وقد يلجئون للعنف لأسباب تتعلّق بالشرف، وأقلّ من ذلك بكثير. الشرفُ في نظرهم حرمة المرأة وقدسية علاقتها مع الغرباء فقط ((جميعُ الذين لا ينتمون للعائلة))، فهم يقسون عليها كثيرًا في إطار العائلة، هذه المرأة المعزولة بصورة شبه دائمة تؤدّي ما لا يخطر على بال إنسان من مهام، دون الأخذ بعين الاعتبار مشاعرها وهمومها وطموحاتهما وأحلامها الوجدانية الخاصّة. لا تنس بأنّك هناك للعمل فقط ولا شيء سوى ذلك، لا تنظر حواليك، لا تكن فضوليًا واهتمّ بشأنك فقط كي تحصل على أتعابك، وهم كُرماء للغاية يا صديقي.". بقي مصطفى ضاغطًا على يد ممدوح طوال محاضرته القصيرة وتعاليمه الصارمة. في الوقت الذي راودت ممدوح رغبة عارمة بالضحك، لأنّ آخر ما كان يفكّر به هو التورّط في قضايا ثانوية سوى العمل، وقد أنهكته البطالة والتخبّط بحثًا عمّا يسدّ الرمق. عمل سائقًا بعد أن أمضى سنة كاملة بالبحث عن فرصة عمل في إحدى الصحف المحليّة أو وسائل الإعلام على شتّى أشكالها، وأدرك بأنّ دبلوم دراسته العليا للصحافة غير قادر على دفع أجرة المربّع الذي يشغله فوق جدار غرفة الجلوس. تخاصم مع الكثير من الركّاب الوقحين، الذين لم ينصاعوا للتعليمات المتواجدة في داخل العربة "الرجاء عدم التدخين" و "ممنوع التدخين قطعيًا" وعبارات من هذا القبيل. أخيرًا، تخلّى عن هذه المهنة وعمل في أحد المشاريع الإعمارية في مدينة تبعد قرابة مئة كيلومتر عن موطنه، لكنّه تعرّف لمذاق الطعام المقدّم في مراكز الاعتقال، حيث أمضى هناك بضعة أيام بعد أن لكم مدخّنًا {رفض الانصياع لرجائه بإطفاء لفافة التبغ} في وجهه؛ وها قد انقضى قرابة نصف شهر تقريبًا على انتهاء المشروع ولا جديد. صرف جميع ما تمكّن من جمعه وتوفيره خلال تلك الفترة، ويبدو الآن ميّالا لقبول كافّة الشروط المطروحة للعمل مهما كانت طبيعة ذلك.
المطلوب تعبيد طريق ضيّقة وسط حديقة رجل أعمال ثريّ، غريب الطباع من النوع المُحافظ، وفقًا لمخطّط دقيق يوضّح مسارها، دون أن يعبث بأشتال الزهور والشجيرات والفسيلات المزروعة أو بأيّ شأن مخالف للتعليمات المتفّق عليها. لم يكن يتوقّع حديقة بهذا الحجم، وسرعان ما أدرك بأنّ المشروع واعد وسيدرّ عليه ما يكفي من المال لسدّ حاجاته المتواضعة لفترة طويلة من الزمن، وقد رفض ربّ العمل توظيف أكثر من عامل واحد على أن يكون المحظيّ موضع ثقة للغاية، ولم يأبه للمبلغ المطلوب وللوقت الذي يحتاجه ممدوح مقابل إنجاز المهام المطروحة بالتفاصيل المملّة.
وجد كافّة المواد اللازمة لتعبيد الطريق، كان عليه أن يصفّ البلاط والألواح الحجريّة في رقعات مكانية محدّدة دون تخطّيها والانتقال إلى أيّ منطقة أخرى، وكانوا قد وضعوا كشكًا بلاستيكي، علّق على مدخله الصغير لافتة كُتب عليها بخطّ أنيق "دورة مياه"، وفي الجهة المقابلة من المربّع كشكٌ آخر يحمل لافتة "مطبخ"، حتّى الكلمات خالية من "أل" التعريف. يا له من سجن جميل مملّ. عرضوا عليه صباح يوم العمل الأول، مذكرة تضمّ كافّة التعليمات ومن ضمنها مغادرة المكان في الرابعة وخمس وخمسين دقيقة في أقصى حدّ، ويمكن السماح بدقيقتين تأخير لأسباب قاهرة فقط. وقّع على المذكرة وطلب المُساعدُ منه التوقيع ثانية تحت الفقرة المتعلّقة بوقت العمل. تسمح له المذكّرة كذلك بالبدء ما بين التاسعة والتاسعة صباحًا، أمّا أوقات الراحة والطعام فله أن يقدّر توقيتها كما يحلو له، علمًا "كما أخبره المُساعدُ بنبرة تحذيرية" بأنّهم على معرفة جيّدة بقدرة الفنّي والخبير على الإنجـــــــاز. وركّز على هذه الكلمة بالذات.
"لكنّي صحفي، بإمكاني أن أكتب عن الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية، كما لديّ القدرة على إجراء مقابلات تمسك أنفاس القرّاء." حدّث نفسه في أثناء صفّ قطع الحجارة الصفراء بعناية فائقة، تليق بهذا النزل الغريب الطباع، لكنّه سرعان ما تراجع عن الشكوى وعند حوالي الساعة الثانية عشرة ذهب إلى المطبخ، غلى القهوة وأعدّ بعض السندويتشات على عجل، كان البرّاد يحتوي على العصائر والأجبان البيضاء والصفراء والحليب واللحوم المجفّفة. تعهّد ممدوح بتجنّب الفضول وعدم التساءل عن أيٍّ من مشاهداته في تلك البقعة من المدينة والتي لا يعلم بأسرارها سوى قلّة، نظر في الأنحاء بوجل وشاهد بمحاذاة الحديقة غابة صغيرة من أشجار التفاح والبرتقال والليمون.
أمضى الأسبوع الأول وحقّق نجاحًا ملحوظًا للغاية، أحضر له المُساعدَ "لم يتمكن من التعرف على اسمه حتى اللحظة الأخيرة" ظرفًا يحتوي على مبلغ من المال، لم يحلم يومًا بالحصول عليه بهذه السرعة. كانت الأوراق كثيرة ومن فئة الأورو، وهناك الكثير من أسابيع العمل المقبلة الواعدة بمزيد من المال. "لماذا يدفعون له بالأورو يا تُرى؟". مرّة أخرى أقنع ذاته بعدم توجيه الأسئلة واجترار النعمة صمتًا دون إزعاج الجزء الرمادي من دماغه اللعين.
انتقل ممدوح في بحر الأسبوع الثاني إلى مربّع جديد من الحديقة، وكان ينتظر الوقت الذي يتمكن فيه من الوصول بالقرب من تلك الغابة المثمرة، لم يتمكن من تناسي نكهة الثمار الحبلى بعصائر الحياة، كانت قد استقرّت في ذاكرة الحسّ والاستشعار غير الواعية. ظرف ثانٍ مليء بالمال السخيّ ومغادرة سريعة للبوابة الأمامية الكبرى التي كادت تُغلق في وجهه كغمامة سوداء غاضبة، بعد أن قارب عقرب الثواني على الانغلاق في دورته الموعودة في الخامسة بعد ظهر يوم الخميس. تحسّس أصابع يديه التي أفلتت هذه المرّة من أطراف الحديد المنغلق بقوّة الهواء المضغوط المتحرّر من معقله، ومضى وقلبه يعتصر خوفًا من تكرار التجربة ورغبة بالوصول إلى سوق الملابس كي يجدّد خزانته. اشترى كذلك الكثير من الحلوى والمكسّرات، لم يبخل على أهل بيته لكنّ ذهنه بقي معلّقًا بتلك الغابة وبأسرار البوابات العملاقة التي تطرح كلّ غريب وتحول دون البقاء في حرم المكان الذي اتّخذ سمة القدسية.
إنّه المربّع قبل الأخير ومع نهاية الأسبوع المقبل سينتهي العمل في هذه الحديقة، بهذا يتعذّر دخوله الحدود الخارجية المحميّة للنزل. باتت الغابة الصغيرة أخيرًا على مرمى حجر وتمكّن ممدوح من تحديد الشجيرات التي تطلق تلك النكهة المميّزة حدّ الألم. لاحظ بين الحين والآخر بأنّ الشجيرات تهتزّ آذنة بقطف الثمار من أغصانها المثقلة بكلّ ما تشتهي النفس، تلا ذلك ضحكات نسوية عذبة، ملآى بالعذوبة والإغراء والعبث والاستجداء والحنان والجذب والافتنان. توقّف فجأة عن العمل ولم يدرِ كيف مرّ الوقت بتلك السرعة، تأخّر عن الجدول الذي وضعه لنفسه كي يتمكن من إنجاز عمله اليومي، لم يسترح طوال فترة الظهر وما بعدها ولم تطأ قدمه المطبخ أو دورة المياه وقبل انقضاء الوقت المسموح به للبقاء في حرم المكان، وجد نفسه في الشارع وسط حشود من البشر المتسارعة، وما يزال صوتُ إحدى النساء المنشغلات بقطف الثمار يتردّد في أعماقه.
"من هي، من تكون؟".
في اليوم التالي وجد نفسه آذانًا صاغية لكلّ همسة أو صوتٍ قد يأتي من هناك، من عمق الغابة الصغيرة، لكنّ الصمتَ بقي مخيّمًا على المكان بأسره حتّى الساعة الثانية من بعد الظهر. كانت لوحدها هناك، وتغنّي. الريح الخفيفة هي المسؤولة عمّا حدث وسيحدث في ذلك المكان، الريح هي التي نقلت صوتها العذب وردّد بعد حين "الله، ما أجمل صوتك.". لم تمتلك نفسها وضحكت، هيّئ له بأنّها قد همست له أو للريح "شكرًا". انتهى الأسبوع ونفحه المُساعد الظرف قبل الأخير طالبًا منه بهدوء الأموات أن ينهي جميع الأعمال التي أوكلت له مع نهاية الأسبوع المقبل.
"لماذا توقفتِ عن الغناء؟ أعرف أنّكِ هناك". سألها مغامرًا بحياته فقد كان من الممكن تواجد آخرون على بعد أمتار منه في قلب الغابة. "ألا تخشى أن يُفْتضح أمرك، سيعاقبونك بشدّة إذا عرفوا بأنّك قد تحدثت لإحدى نساء النزل يا فتى؟". عرف بأنّها تراقبه بدورها، وإلا لما وصفته بالفتى، "الحياة تستحقّ المغامرة يا سيدتي، ما طعم الحياة إذا خلت من ذلك، هل لي أن أراك، أنا على ثقة من أنّك جميلة ورقيقة". نقلت الريحُ الضحكة القصيرة ذاتها، وببطء غير معهود باعدت يدان رقيقتان الأغصان الكثيفة المتشابكة ثمّ أطلّت بوجهها، لاحت على محيّاها شبح ابتسامة مشوبة بحزن أرستقراطي وآثار وحدة كافرة، قرأ شفتيها من تلك المسافة القصيرة، "أنا هنا، بقربك، معك، منذ بدأت عملك في اليوم الأول أو الثاني، حاذر أيّها الوسيم فهم خطرون للغاية.". ثمّ اختفت عن الأنظار وتوقًفت الأغصان عن الثرثرة حتّى الساعات الأخيرة من نهار عمله الأخير.
يمكنه إنهاء كلّ شيء في أقلّ من ساعة وسيحضر المُساعد في الرابعة والنصف ليمنحه آخر مستحقاته وزيادة، ثمّ يخرج من البوابة الضخمة مغادرًا المكان إلى الأبد، ولن يعود ثانية ليحثّ الريح على نقل الغناء، لن يتمكن من استجداء الغابة على الكلام والثرثرة العذبة. يمكنه كذلك أن يترك الأدوات من يديه ويخترق الغابة متحدّيًا كافة القوانين والمعلومات والمحاذير، لكن عليه أن يدرك بأنّه سيخسر كافّة حقوقه المتبقية وسيصبح هدفًا لذئاب المكان البشرية بعد اكتشاف اختفائه المفاجئ من الحديقة، وهم على قدرٍ من الذكاء لاقتفاء أثره بدءًا بالغابة. كانت الساعة قد قاربت الرابعة حين أنهى تركيب آخر لوح حجريّ، نظر إلى الطريق الملتوية كالأفعى التي أنجزها للتوّ. نظّف الأدوات ووضعها جانبًا، وخطا بثقة نحو الغابة القريبة.
"إذًا، قرّرت أخيرًا المخاطرة من أجلي؟". ضمّها إلى صدره قبّلها وقبّلته، ناولته حبّة خوخ متخمة بأشهى عصير، لثمت بقايا السائل السكّري الذي تجمّع تحت شفته السفلى شاقًا طريقه إلى طرف لحيته قبل أن تسقط في حجره، "هناك ما يستحقّ المغامرة دائمًا، وأنا المتمرّد أعرف أين أجد الجمال، أتغنين لي ثانية؟"، أجابت بعد أن سرقت نظرة إلى الساعة "قبل فوات الأوان؟"، لم يجبها لكنّها أطلقت العنان بحذر لصوتها، في تلك اللحظة بالذات، غنّت له وحده دون رجال الدنيا.
ابتسم المساعدُ برضا واضح، وكان على علم بأنّ ممدوح لم يغادر النزل. وضع الظرف المليء بالأجر الوفير السخيّ بالقرب من أدوات العمل، ووضع فوقه ظرفًا آخر يحوي على مكافأة مالية إضافية سمح بها المالك بعد امتداح الموظف المأجور لتفانيه في إنجاز أعماله في الوقت المحدّد. بعد قليل، لقّم المُساعدُ الرصاص في أحشاء بندقيته، تبعه بذلك حرسُ النزل الخاص. سُمعت صوت كلاب الأثر الغاضبة تركض قادمة من بعيد، وأخيرًا صاح المُساعد بحقد واستثارة "اقبضوا على الخائن الفار، أنتم الآن حرس الشرف، أنتم دون غيركم - سارقو الحيوات التائهة".

المجموعة القصصية "تقويم الزمن الضائع".

2013-12-18