دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أحياء ولو تم دفنهم !! / عبد الهادي شلا

  يبدو أن الأمة العربية شغوفة بكل ما هو "خيالي" أو تعتقده لأنه البديل الموازي لحالة الإحباط والفوضى التي تعيشها هذه الأيام ومع قدوم " الثورات" التي وصفت بأكثر من صفة.

يبدو أن الفطرة الشرقية التي تعتمد في تاريخها على "الخزعبلات" في كثير من الموروثات الشعبية قد أصبحت تحتل مكان الصدارة فيما يشاع من أخبار و ما تتناقله وسائل الإعلام الرسمية منها والوسائل الأخرى الكثيرة " المشكوك" في مصداقتيتها.

فقد شاع خبر أن اللواء عمر سليمان" نائب الرئيس مبارك قبل تنازله عن الرئاسة" حي يرزق وأن الروايات التي تم تناقلها حول خبر وفاته في أمريكا أو أنه قتل في سوريا هي أخبار للتمويه ولحمايته من أعدائه "الأخوان المسلمين على وجه الخصوص" هذا ما تناقلته الأخبار وأن الجثة التي تم دفنها ليست له بل هي " وهمية " وسيظهر الرجل في وقت ما حين يكون الظرف مناسبا !! مثل هذه الإفتراضات يصنعها واقع تكثر فيه الشائعات فتجد لها مرتعا خصبا وسط حالة الفوضى والرغبة في تصديق كل شيئ حتى ولو لم يكن معقولا أو يتقبله العقل، إلا أن الضغوط الكثيرة والكبيرة تجعل الفرد متعلقا بــ " قشــة " ، فيصدق مثل هذه الروايات أي أن الأمر لا يزيد عن كونه ملئ فراغ نفسي هو في حاجة له لا يتنازل عنه مادام يمنحه فسحة التحليق بعيدا عن واقعه المؤلم والمخيف ! في ظرف مشابه وقريب مما تمر به الأمة العربية الآن ووسط الشائعات التي فرضها الظرف في ذاك الوقت وكان بعد نكسة 1967 ظهرت شائعة تبعها ضجيج إعلامي أضفى عليها ما جعل الناس يصدقونها ويقسمون بأغلظ الأيمان أنها حقيقة وكنت شاهدا بشخصي على أنها لم تكن أكثر من إشاعة ذات غرض محدد ! وبينما الشعب المصري والعربي يضمد جراح الهزيمة ويتناولها بالتحليل والدراسة للخروج من إرهاصاتها وبعد تنحي الرئيس جمال عبد الناصر الذي أصاب الأمة كلها بالصدمة تضاعفت المصيبة و حالة الذهول المريع مع تخليه عن مسؤولياته كرئيس وعودته لصفوف الشعب، ترددت إشاعة عن ظهور " السيدة العذراء " في أحد كنائس القاهرة وفي منطقة " حلمية الزيتون" بالتخصيص.

وقد شهدت هذه "التمثيلية" التي تم إتقان إخراجها وسيناريوهاتها والشعب في حالته التي ذكرتها حيث كنت أدرس في القاهرة وبيتي لا يبتعد أكثر من مائين متر عن الكنيسة المذكورة الأمر الذي أثار اهتمامي للذهاب لرؤية " السيدة العذراء" التي قالوا أنها تظهر ليلا فراعني المشهد ذلك ان آلاف من البشر قد تجمعوا حول الكنيسة وتحول المكان " المهجور" من حولها إلى سوق وباعة متجولين وتأجير كراسي للجلوس والذي يعرف القاهرة يستطيع تصور المشهد حين يكون هناك إحتفال أو مناسبة جماهيرية وكأن الناس قد حضروا لمشاهد مباراة بين الأهلي والزمالك !. وقفت مع الواقفين ننتظر وطال الانتظار لأن لا وقت لظهورها !،وفجأ سمعنا صوتا يلفت إنتباه الجموع الغفيرة إلى ظهور السيدة العذراء في قبة الكنيسة، فنظرت ونظر الآلاف المتواجدين معي إلى حيث أشار! ما شاهدته هو ضوء خافت وكأنه شمعة ضعيفة الإضاءة يتم تحريكها تحت القبة ليظهر من بين النوافذ الضيقة للقبة خيالا لشخص يمشي!! عندها هلل ونادى كل " المصدقون" للتمثيلية !! هذا باختصار شديد ما تم ترويجه من إشاعة إنشغل بها الناس أياما ثم طواها النسيان.! فهل يُعقل في زماننا هذا ومع كل هذا التقدم والتقنيات العالية التي من المفترض أنها تغلغلت في العقول أن يتم غسلها بمثل هذه الخزعبلات واستغلال المشاعر الدينية للناس على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ؟!

هل سيصدق شباب الثورة " والفيسبوك "أن عمر سليمان مازال حيا؟!

إذا صدقوا هذا الخبر فهذا يعني أن صدام حسين مازال حيا ،ومعمر القذافي مازال حيا !!

لأن نفس الخبر قد تردد وتم إشاعته بينما مازلت الحالة العربية في مخاضها العسير وسط ضبابية لا يمكن لأحد أن يتبصر مستقبلها القريب.

2014-01-27