دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رسالة مفتوحة على السيسي ج3 ../ محمد عزت الشريف

  اخترتُ .. مشاهدة الفيلم السينمائي " عصفور الشرق " لتوفيق الحكيم في أحد عطلات نهاية الأسبوع . وقبيل شباك التذاكر بخطوات كان لديّ وقتٌ لألقي نظرة على عناوين الكتب المتراصة على رصيف الشارع. وكانت المفاجأة !!

" كم من البشر تستطيع الأرض أن تُطعِم؟"

عنوان الكتاب المترجم عن الإنجليزية .. وقبل أن أُخمّن الرقم المطلوب في السؤال تحسست رصيد النقود التي لم يتبقَ منها سوى جنيه مصري واحد لا شريك له في جيبي. خطفت الكتاب من الأرض بسرعة و خفة وكأنما كان يسابقني إليه خاطف.. لمْ يُخالجني ـ لحظتها ـ شكُّ أنَّ عصفور الشرق ـ حتماً ـ طائرٌ طائر لِيَحُطَّ هذا الكتاب القيم في مكانه .. بكَم الكتاب أيها الورّاق ؟

ردّ عليّ الرجلُ بنظرة ممعنة رافعاً سبابته إلى أعلى؛ فتيقنتُ أن وجبة الغذاء ـ حتما ـ طائرة هي الأخرى.. ـ خذ يا حاج الجنيه وأرجِع لي منه ولو 20 قرشاً .. طيب أرجع لي 15 فقط .. إذن أرجع لي أي شيء ولو 5 قروش !! و قبل أن يُقسِمَ الرجلُ بالطلاقِ ثلاثاً كنت قد تيقَّنتُ أنني سأعود إلى بيتي هذا المساء سيراً على الأقدام من النبي دانيال حتى شارع 45 .. !!

أو أن أزوغ ـ إذن ـ في مواصلة ترام محطة الرمل حتى سيدي جابر و من ثمّ أزوغ في قطار أبي قير من سيدي جابر حتى العصافرة !!

يا لطول السفر .. !! مغامرة جريئة و نبيلة ـ حتماً ـ استعجلت نجاحها فنزلتُ قبل نهايتها بمحطتين. ما أن ضغطتُ على جرس بيتهم حتى خرجت "سحر" سريعاً كأنها كانت تنتظر خلف الباب.. أهلاً محمد .. إيه المفاجأة دي .. إيه الكرم ده كله؟ ـ حتى "الويك إند" قررت أن تقضيها معنا ؟! ـ يا مرحباً .. يا مرحباً ..دقيقة واحدة وأجيب لك الغذاء حالاً .. وإلّا .. عصافير بطنك تقول علينا إيه؟! ـ لم تكن "سحر" تعرف أن كل العصافير كانت قد طارت في عصيرة ذلك اليوم و رحت في حوار جاد مع محتويات صينية العشاء التي لم أستشعر بما تحوي إلا عندما أوشكت على الإمتلاء.. بينما راحت هي تتصفح الكتاب وتقلبه من أوله و آخره.. لكن إيه الكتاب ده يا محمد ؟

" كم من البشر تستطيع الأرض ... " آآآآه .. قول كده بقه !! نعم .. هذا هو أنتَ ولا غيرك .. حتماً انشغلت بالعالم هذا اليوم .. و نسيت نفسك ؟! لكنه بالفعل كتاب قيّم .. أغراني بقراءته ما رأيك .. سأؤجره منك هذه الليلة مقابل قرشين تعود بهما إلى بيتك في الواحدة ليلاً مع آخر قطار !! ــ رددت على ابتسامتها بمثلها وأنا أوافق على الصفقة : هذا بالفعل يُعَدُّ أول الحلول .. في اليوم التالي .. استقبلتني "سحر" بابتسامة وإن بدت ساخرة إلّا أنني أحسستها جادة وواثقة كأنما يكمن فيها بقية الحلول : والله يا محمد ـ صدّقني ـ الدنيا بخير .. و المشكلة فيك أنت .. نصيحتى لك : دع المُلك للمالك .. الأرض يمكنها أن تطعم عشرات و عشرات المليارات من البشر، فلتَدَعْها و شأنها. ولتترك الحل لأهل العقد و الحل .. فالكتاب ـ بحق ـ يعطينا الخطوط العريضة والإقتصاديون المتخصصون ـ حتما ـ يعرفون ما ينبغي أن يفعلوا.. وبالفعل أيها السيسي .. كان عليّ أن أخرج منها سريعاً غير متباطيء، وأن أدَعَ الخَلقَ للخالقِ والمُلكَ للمالك .. و أن أُقِرَ بأن على الإقتصاديين المتخصصين أن يقوموا بدورهم .. وعلى أُوْلي الأمرِ أن "يشيلوا شيلتهم" ويقوموا بأمر شعوبهم.. و هكذا؛ شددتً الرِحال و هجرت مصر " أهلها و شعبها" لأكثر من 10 سنوات وبعد أن عُدتُ بما عُدتُ من كثير دُربة، و فاشل تجارب، و متحصلِ خبرة .. عُدتُ بحكمة واحدة مختصرة تقول بأنّ : "قيادة الشعوب وقت الأزمة لا تليقُ بالهواة ياسيسي" أُخرج منها اليوم قبل الغدّ اترك لأهل الرأي و الحكمة و الخبرة أن يتعاونوا، و يتكاتفوا لإخراج البلاد مما هي فيه من أزمات إقتصادية واجتماعية خانقة وطاحنة. قبل 20 سنة استمعتُ أنا لنصيحة " العزيزة سحر" وخرجتُ منها غير مأسوفٍ عليّ وغير آسف.. فهل تسمع مني اليوم أيها المغبون الغافل؟! وأرجو وأتوقع ألّا تسألني : مين تكون سحر ؟ فأنا لم أسألك : مين يكون سيسي !! ...

... يُتبع بـ " رسالة مفتوحة على السيسي ج4" ***

2014-03-12