دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أعراس في الحيّ العتيق/ خيري حمدان

غادرت حفل العرس الذي وجدت نفسي فيه غريبًا، وكأنّ دعوة الحضور لم تكن موجّهة تحديدًا لي. غادرت دون أن أستأذن المضيفين، وشعرت على الفور براحة نفسية إثر الضجيج والزعيق والزغاريد التي ملأت صالة العرس.
مضيت في الطريق الطويل والعربات تسير بسرعة تجاه مقاصدها، ثمّ انحرف الطريق نحو تلّ قريب، واختفت المدنية على بعد كيلو متر خلف ذاك المرتفع، ما زلت أسمع صوت الحياة التي أخذت تخفت بالتدريج. كلّ ما في الأمر أنّني وصلت الحيّالعتيق الشهير، الذي حافظ على بدائيته. لا عربات هنا ولا شاحنات، كلّ شيء خاضع لقوانين قبائل الغجر الخاصّة في هذا المكان المنسيّ من الدولة والمحافظة والمجتمع.
لا داعي للقلق والخوف، يمكنني هنا أن أتناول حساء السمك وشرب القهوة السمراء، يمكنني السماح لإحدى النساء الموشومات تحت الذقن مباشرة بقراءة كفّي وفنجان قهوتي، لتعيد على مسامعي حكايا وتنبؤات أعرفها عن ظهر قلب.
لا أخشى حيّ الغجر وهذه ليست المرّة الأولى التي أدخله، لكن يبدو بأنّني قد أخطأت التقدير، وسرعان ما شعرت بأداة حادّة تكاد تنغرس في ظهري.
- أعطني محفظتك يا أبله.
- في جيبي الخلفي، أنا لست أبلهًا كما تدّعي!
- بل أبله وغبي ما دمت تتجوّل في هذا الحيّ وحيدًا. خطف المحفظة من جيبي ودفعني ثمّ اختفى على الفور. وقعت على وجهي ولم أسارع بالوقوف ثانية. انقلبت على ظهري وبقيت أحدّق بالسماء من فوقي "ما مشكلتي الليلة، لماذا غادرت العرس وحضرت إلى هذا المكان المشبوه بهذه السذاجة؟".
مضى عليّ وأنا ملقى بلا حول ولا قوّة قرابة الساعة، لم أكن في عجلة من أمري، ولم أشعر بالغضب وبقيت أعصابي هادئة، محفظتي تحتوي على بضعة دنانير وبطاقة صرف آلي لحساب شبه فارغ وبعض الأوراق والوثائق الشخصية "سأجدها بالقرب من حاوية النفايات الوحيدة في هذا الحيّ".
ليته سرق جزءًا من ذاكرتي السلبية أيضًا، ليته طلب أكثر من محفظة! اعتبرني غبيًا لأنّني دخلت عوالم هذا الحيّ الفقير المعدم مرتديًا بذلة أنيقة، تفوح منّي رائحة العرس والفرح، ربّما توقّع الغجري أن يجد لديّ الكثيرمن المال، لكنّه قانع بما وجد، هذه قواعد المهنة غير المعلنة، الحصول على كلّ شيء حين تحين الفرصة وإن كان شحيحًا في أغلب الأحيان، ولا بدّ أنّه قد تمكّن خلال غزواته من الحصول على غنائم كبيرة أيضًا.
- علي الأزعر ثانية! شدّتني المرأة الشابة من يدي وجلست بالقرب منّي. ملابسك متّسخة يا غريب كما كلّ شيء في هذا المكان. أعطني يدك لأقرأ طالعك.
- عزيزتي، أنا لا أملك شيئًا أقدّمه لك.
- لا بأس، أعطني يدك، أنت أفضل من وجدت في هذه الناحية لقراءة يده. كلّ ما فيك يوحي بالغرابة.
قدّمت لها يدي، نظرت إليّ لبعض الوقت وقالت.
- أنت هارب من عرس، كان عليك أن لا تذهب، لم يشأ القدر أن يكون هذا عرسك أنت، الفتاة اختارت آخر، وعليك احترام قرارها، لقد تأخرت يا غريب، والإناث يستعجلن حراثتهنّ في مخادع الذكور. لأنّ شمس المشرق حارقة تنضج الصدور باكرًا، وسرعان ما تتحول الفتيات الصغيرات لشابات مندفعات. نعم، لقد تأخرت يا عزيزي. تعال معي لتستعيد وثائقك. تعال معي أنت الآن حرًا  وستجد حمامة أخرى تتحرّق شوقًا لترقد في مرجلك.
تبعتها مخدّرًا، وكانت تضحك غير آبهة بتفاصيل النهار المنقضي والليل الممتدّ في الأوردة. أشعل الغجر النيران عند حدود الحيّ العتيق، تحلّقوا حولها وبدأوا يرقصون ويهللون ليستعيدوا ذاكرة الهنود الحمر، شبكت يدي بأيديهم ورقصت حتى الثمالة. نظر إليّ الرجل المتقافز وسط الحلقة وكان في منتهى الرشاقة وصاح "تحتاج لبعض التمارين لتسند روحك المترهلة". إنّه علي الأزعر الذي سرق محفظتي ودفعني قبل أن يفرّ هاربًا، واستمرّ يرقص ويتقافز كحصان هائج ويضحك ويدور.
هؤلاء الكبار لا يسمحون لأحد بسرقة أعراسهم في حيّ الغجر العتيق.

2014-06-16