دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 3/10/1438 هـ الموافق 28/06/2017 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لا تثقوا بالولايات المتحدة : (18) حرب الولايات المتحدة على المخدّرات وسيلة لنشرها ولتدمير الشعوب... إعداد: حسين سرمك حسن
لا تثقوا بالولايات المتحدة : (18) حرب الولايات المتحدة على المخدّرات وسيلة لنشرها ولتدمير الشعوب... إعداد: حسين سرمك حسن

# تمهيد :

---------

في البداية أودّ القول إنّ هذه الحلقة مكمّلة للحلقة السابقة (الحلقة 17) عن كولومبيا التي تحصل على أعلى مقدار من المساعدات الأمريكية العسكرية والإقتصادية والمعونات على الرغم من أنها أفظع دولة في العالم في سحق حقوق الإنسان وذلك تحت غطاء أنّها طرف أساسي في مساعدة الولايات المتحدة الأميركية في "حربها على المخدرات" . وهذه الحالة تعكس مفارقة عجيبة حيث تتشدّق الولايات المتحدة بأنها النصير الأول لحقوق الإنسان في العالم وتقطع المساعدات بل تفرض الحصارات الاقتصادية المُهلكة على الدول التي تملك سجلّاً سيّئا في مجال التعامل مع حقوق الإنسان حسب مزاعم سياسيي الإدارة الأمريكية المنافقين . وقد رأينا في الحلقة السابقة كيف أن الباحثين قد أثبتوا – إحصائيا - وبدقّة أن جميع المساعدات والمعونات الأمريكية المالية والاقتصادية والعسكرية تذهب إلى أشد الدول فظاعة في سحق الإنسان وحقوقه .

وقلنا إنّ من المبررات التي تطرحها الولايات المتحدة للمساعدات والمعونات الهائلة التي تقدّمها لكولومبيا هو أنّها طرف مساعد في شن الحرب على المخدرات التي تخشى الولايات المتحدة أن تغزو أراضيها وتخرّب مجتمعها . فهل هذا المبرّر ؛ الحرب على المخدرات ، الذي تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية مبرّر صادق وحقيقي ، أم أنّه شعار لمؤامرة شيطانية نجحت من خلاله في السيطرة على مقدرات الشعوب وتدميرها ونهب ثرواتها ؟

# خطّة كولومبيا .. ومؤامرة الحرب على المخدّرات :

---------------------------------------------------

لنبق أوّلاً عند حالة كولومبيا وننقل شيئاً من حرب الولايات المتحدة فيها على المخدرات مما ذكرناه في الحلقة السابقة لأنّه شديدة الصلة بما سنقوله هنا :

 تم تبرير "خطة كولومبيا" (خطة وضعتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس بيل كلنتون لتقديم المساعدات المالية والعسكرية لكولومبيا) رسميّاً بحجة شنّ "الحرب على المخدرات" . أفادت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أن جميع فروع الحكومة في كولومبيا مُتورّطة في فسادٍ يتعلق بالمخدرات . وفي تشرين الثاني من عام 1998 عثر مفتشو الجمارك وإدارة مكافحة المخدرات الأميركية على (415)  كيلوغراما من الكوكايين و (6) كغم من الهيروين في طائرة هبطت في فلوريدا مما أدى إلى اعتقال عدد من ضباط القوات الجوية والمتطوعين . وأفاد مراقبون آخرون بتورط ضبّاط الجيش الأميركي في التجارة . ورافعت زوجة العقيد "جيمس هايت" عن نفسها أمام القضاء بتهمة تهريب هيرويين من كولومبيا إلى نيويورك . وبعد وقت قصير ، قيل أن العقيد "هايت" نفسه المسؤول عن القوات الأميركية التي درّبت قوات الأمن الكولومبية على "عمليات مضادة لتهريب المخدرات" سيرافع عن نفسه ضد اتهامات بالاشتراك في التهريب .

وتصرّح الميليشيات الكولومبيّة المُسلّحة علناً بأنها تعتمد على تجارة المخدرات بنسبة 70% من التمويل كما صرح بذلك "كارلوس كاستانو" قائد أكير مجموعة وحشية من الميليشيات ، لكن الهجوم المُموّل من أمريكا يبقى بعيدا عن مناطق إنتاج المخدرات التي تسيطر عليها الميليشيات . إن "خطة كولومبيا" في الحقيقة هي خطة تدعو لتغيير اجتماعي داخلي لدمج كولومبيا في نظام عالمي بحسب ما تريده الولايات المتحدة ، تهيمن عليها نُخب مرتبطة بمصالح القوة الأميركية تمنح مدخلا إلى ثروات كولومبيا المهمة وبينها النفط .

لكن لماذا يزرع الفلاحون الكوكا ؟

بسبب تهجيرهم من قبل كبار المِلّاك والسياسة الاقتصادية السيئة التي اتبعتها الحكومة ، حيث بدؤوا باستعمار الغابة الأمازونية الكولومبية في الخمسينات ، ووجدوا الكوكا المُنتج الوحيد السهل ، والسريع ، والمُربح . وازدادت الضغوط بعد أن أسّس الإقطاعيون ميليشيات لانتزاع الأرض بالقوة من الفلاحين فسيطر المهرّبون على الكثير من أراضي كولومبيا الخصبة . كما أن قوات مكافحة المخدرات لا تهاجم التجار والمالكين الكبار بل صغار الفلاحين . ويصحّ الشيء نفسه على الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية التي استخدمتها الولايات المتحدة برغم اعتراض الجمعيات الزراعية لأنها تضاعف المخاطر على السكان المدنيين والبيئة وتدمّر المحاصيل الشرعية كاليوكا والموز ومصادر المياه والمراعي والمواشي وجميع المحاصيل المتضمنة في برامج استبدال المحصول وبينها المشاريع التنموية المؤسَّسة جيدا والتي تديرها الكنيسة والتي هدفت إلى تطوير بدائل لانتاج الكوكا . كانت الولايات المتحدة تصر على برامج تدمير المحاصيل بدلا من استبدال المحاصيل ، وقامت بتجريب علني لـ " فِطْر " خاص جرّبته في البيوت الزجاجية وإذا به يخفض انتاج الكوكا ، لكنه قضى أيضا على كثير من المحاصيل التقليدية وبينها الموز والكاكاو والبن والذرة وأعشاب الليمون وغيرها . ولكن مسؤولي الحكومة الأميركية يعتبرون هذه التهم لا أساس لها . وهناك عامل آخر وهو أن كولومبيا كانت مُنتجة رئيسية للـ " قَمْح " ، لكن دمّرَتْ هذا الإنتاج في الخمسينيات مساعدات "الغذاء مقابل السلام" الأميركية ، وهو البرنامج الذي قدّم معونات دافعي الضرائب الأميركيين إلى أصحاب المشاريع الزراعية الأميركية ، وأقنع بلداناً أخرى أن "تصبح معتمدة على الولايات المتحدة من أجل الطعام" . وقبل عام من إعلان الرئيس "بوش" - بجعجعة كبيرة - "الحرب على المخدرات" ، عُلّقت اتفاقية البن الدولية بضغط من الولايات المتحدة ، على أرضية انتهاكات تجارية "مُموّهة" ، وكانت النتيجة هبوطاً في الأسعار وصل إلى أكثر من 40% في غضون شهرين لمورد كولومبيا القانوني الرئيسي . اي أن الفلاحين وُضِعوا في موقف إما زرع الكوكايين أو الموت !! وستُركّز الولايات المتحدة على العمليات العسكرية لتفيد الصناعات التقنية العالية التي تنتج عتادا عسكريا وترسخ سلطة شركة "أوكسيدنتا بتروليوم" التي تملك استثمارات ضخمة في كولومبيا . فوق ذلك تقضي سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن تفتح البلدان حدودها لطوفان من المنتجات الزراعية من الدول الغنية ، وهذا يدمّر زراعة البلدان في أمريكا اللاتينية ؛ كولومبيا هنا بدرجة أكبر . أما المُهجّرون فإما ينتقلون إلى أحياء الفقراء البائسة ويكونون أيدي عاملة رخيصة لمصلحة الشركات الأجنبية ، أو تصدر لهم تعليمات بأن يكونوا "مزارعين عقلانيين" ينتجون لسوق التصدير ويبحثون عن اسعار أعلى ممثلة في "الكوكا والحشيش والأفيون" . وبعد أن يتعلموا الدرس تكون مكافأتهم هجوم بالمروحيات الأميركية وتدمير حقولهم بالحرب الكيمياوية والبيولوجية التي تشنها واشنطن .

# مؤامرة التعثين الأمريكية :

----------------------------

ثمّ تأتي "مؤامرة التعثين" كما يسمّيها الكولومبيون . إن عمليات "التعثين – fumigation" أو التبخير ، هي تطهير المكان الزراعي المقصود بتعريضه للدخان أو الغاز ، وهي العملية التي تقودها وتنفذها الولايات المتحدة في كولومبيا. كانت هذه العمليّة "العلمية" تستهدف تهجير المواطنين من مواطنهم عبر حرب كيمياوية . ولم توافق الحكومة على مقترحات الفلاحين ونشطاء حقوق الإنسان وسكان المقاطعات الجنوبية على الاقتلاع اليدوي لنبتة الكوكا والخشخاش ، وتقديم الدعم للمزروعات البديلة ؛ لم توافق ، وتم تسميم التربة من جراء التعثين ، ومات الأطفال ، وقاسى ضحايا التهجير المرض والضيم ، ودُمِّرت تقاليد الزراعة . ومع رحيل الناس تسنّى للشركات الأجنبية التنقيب واستخراج الفحم والبترول ، أو زراعة محاصيل  التصدير محل مزارع البن فشردت آلاف الفلاحين وتسببت في موت الآلاف . وعمليات التعثين تتولاها شركات أمريكية خاصة مؤلفة من ضباط عسكريين أميركيين بموجب عقود موقعة مع البنتاغون . 

# الولايات المتحدة تتواطأ مع تجّار المخدّرات ! :

---------------------------------------------

وفي تقريرها لعام 1993 لاحظت منظمة حقوق الإنسان أن أغلب المواد المستخدمة في التدريب والتعذيب التي يستعين بها الجيش والشرطة في كولومبيا تأتي من الولايات المتحدة . ولبّت الولايات المتحدة طلب كولومبيا بنصب نظام راداري لمراقبة طيران تجّار المخدرات فنصبته الولايات المتحدة بعيداً عن ممرات طيران هؤلاء التجّار ، وقريبا من حدود نيكارغوا لمراقبة الأخيرة في الحرب التي شنّتها واشنطن عليها .

بين عامي 1984 إلى عام 1992 تمّ تدريب (6844) جنديا كولومبيا خصوصا في فترة الأعمال الإجرامية وكان البرنامج التدريبي الأكبر وبثلاث مرات من السلفادور . وقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه "في كولومبيا نظام ديمقراطي لا ينتهك حقوق الإنسان" . بعد ثلاثة أشهر أعلن تقرير للأمم المتحدة أنّ : 140 عصابة في كولومبيا يموّلها تجار المخدرات وبعض الإقطاعيين ينسّقون مع الجيش والشرطة .. القتل يجري في هذه المناطق بتغطية الجيش .. وثبت أن الكل يهرّبون المخدرات . النصف الأول من عام 1988 شهد مقتل 3 آلاف شخص لأسباب سياسية من بينهم (273) تم تفتيتهم في معسكرات "التطهير الشعبي" .

# دور مرتزقة الشركات الأمريكية في انتشار زراعة المخدرات :

--------------------------------------------------------------

في كولومبيا ، حاول الأهالي إيقاف المشروعات الأمريكية في أراضيهم. هم يعلمون بفساد الحكومة وبأن المشروعات التي تُقام هي مشروعات لخدمة رجال الأعمال لتزيدهم ثراءً على حساب الفقراء الذين سيتعرّضون لضياع بيوتهم وأراضيهم التي ستُقام عليها المشروعات التي تنفّذها الشركات الأمريكية.

الشيء الطريف في الموضوع ، والذي لم نذكره بعد ، أن كل شركة من هذه الشركات الأمريكية العملاقة تضم تحت لوائها شركة أو أكثر من شركة للخدمات العسكرية، وهو تعبير أنيق بديل لكلمة " مرتزقة " . على سبيل المثال شركة (كى بى أر) للخدمات العسكرية تابعة لمجموعة "هاليبرتون" العابرة للقوميات الشهيرة التي تضم شركات بترول ومقاولات عملاقة والتي يرأسها "ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي (راجع الحلقة الخاصة ببنما) .

هؤلاء المرتزقة هم أشخاص غير أمريكيين، أستراليين وأفارقة وأشخاص من جنسيّات متعددة، لا يدفعون ضرائب – وبالتالي هم غير مُسجّلين في السجلات الأمريكية – ويقومون بأعمالهم على أراضي غير أمريكية ، وبالتالي فإن الكونغرس أو أي هيئة قضائية أمريكية لا يمكنها محاسبتهم على ما يفعلونه. هؤلاء المرتزقة يقومون بعمليات الإغتيال و الإرهاب والقمع لكل أشكال المعارضة الشعبية للمشروعات التي تقوم بها الشركات الأمريكية خارج أمريكا وخصوصا في بلدان أمريكا اللاتينية ومنها كولومبيا.

حين حاول الكولومبيون التصدي لهذه الشركات تدخل المرتزقة. ولكي يرد الكولومبيون هجوم هؤلاء المرتزقة لا بُدّ لهم من مال و سلاح و تدريب علي السلاح. وليحصل الكولومبيون علي المال إنتشرت تجارة و زراعة المخدرات في كولومبيا. بالطبع إستمر البعض في هذه التجارة كمصدر للثراء و تحول الأمر إلي مافيا كما يظهر في الأفلام الأمريكية إلّا أن جانبا ضخماً من هذه التجارة بدأ وإستمر لتمويل حركات التحرر من سيطرة الشركات الأمريكية.

وليحصل الكولومبيون على السلاح والتدريب على إستخدام السلاح، إضطر الكولومبيون لتكوين علاقات مع منظمات إرهابية. هم لا يريدون الإرهاب لأسباب أيديولوجية ، بل يريدون فقط أن يحصلوا على سلاح و تدريب على إستخدام هذا السلاح لمواجهة مرتزقة الشركات الأمريكية، إلّا أن هذه الحقيقة لا تُذكر في التقارير التي تُنشر عن علاقة الكولومبيين بالمنظمات الإرهابية.

بإختصار، أدّى وجود الشركات الأمريكية إلي إيجاد وضع خاطيء أدّى الى المزيد من الأوضاع الخاطئة في متوالية هندسية لا تبدو لها نهاية.

هذه إحدي قصص الإمبريالية الأمريكية الشنيعة.

وإذا تتبعت كل مجاعة وكل حرب أهلية، كل انقلاب، فلا ريب ستجد طرفا من خيط يدلك في النهاية عن المصالح الأمريكية.

# تساؤلات مشروعة للمفكّر "تشومسكي" :

------------------------------------------

حين أُعلِنتْ الأحكام العرفية في بوليفيا إثر تظاهرات المياه التي خصخصتها شركة "بكتل" الأميركية (والتي ستكون لنا وقفة معها في حلقة مستقة.. حتى الماء سيمنعونه عنّا فالله أكبر ماذا سينتظرنا !) ، وصف تقرير من جنوب كولومبيا المخاوف المنتشرة من أن الطائرات الدُخانية قادمة لإسقاط سمومها على حقول الكوكا ، والتي ستقتل أيضا المحاصيل التي يعيش عليها المزارعون ، وتسبّب تمزّقاً اجتماعياً كبيرا ، وتثير تهديد العنف الحاضر دوما . ويتساءل تشومسكي : (أي حق تمتلكه الولايات المتحدة لتقوم بعمليات عسكرية وتشن حربا بيولوجية وكيمياوية في بلدان أخرى كي تدمّر محصولا لا تحبه ؟ نستطيع أن نضع جانبا الرد الكلبي بأن الحكومات طلبت هذه "المساعدة" أو أي شيء آخر . بالتالي يجب أن نسأل إن كان الآخرون لهم الحق نفسه ، خارج أراضيهم ، للقيام بالعنف والتدمير الذي تطالب به الولايات المتحدة)  .

ووقت صياغة "خطة كولومبيا" من قبل بيل كلنتون ، طُرِح مقترح بأخذ (100) مليون دولار من مبلغ (3.1) مليار لاستخدامها لمعالجة المدمنين الأميركيين فرُفض الطلب بالإجماع ،

هل يُصدّق السيّد القارىء هذا الموقف ؟ أن ترفض الولايات المتحدة تخصيص بضعة ملايين لعلاج المدمنين وتأهيلهم في الولايات المتحدة ، في حين تُخصص مئات الملايين من الدولارات للحرب على المزارعين والتجّار ؟

ومنذ عام 1980 ، انتقلت الحرب ضد المخدرات إلى مراقبة الحدود ومحاربة الإنتاج في بلدان المصدر ، وكانت النتائج ارتفاعاً كبيراً في جرائم المخدرات ، وانفجار سكّاني في السجون ، تجاوز أي بلد صناعي ، دون تأثير قابل للرصد في توفير المخدرات أو أسعارها .

فما هو الهدف من حرب المخدرات ؟

أوّل أهداف هذه الحرب هي الحرب على الأقلّيات ، أي التخلّص من السكان الزائدين الذين يمكن التخلص منهم : desechables كما كانوا يسمّونهم في كولومبيا حيث استأصلهم "التطهير الاجتماعي" ، فعلى سبيل المثال في كولومبيا بين آب 1992 وآب 1993 ، قُتل 217 من نشطاء المعارضة . وكان "التطهير الشعبي" أحد مشاريع قوات الأمن ، وذلك عبر اغتيال المُشرّدين والعاطلين وأطفال الشوارع وفتيات البغاء والشواذ جنسيا وغيرهم من غير المرغوب فيهم . قالت وزارة الدفاع الكولومبيّة "إنّ هؤلاء أشخاص لا فائدة منهم ، وغير قادرين على الإنتاج" (وهذه فكرة نازيّة أصلاً طربت لها الولايات المتحدة).

وثانيا : تخويف كلّ شخص آخر ، وهذه أداة مهمة لفرض الطاعة . كانت الحرب على المخدرات موقّتة بشكل جيّد لتستهدف الذكور السود . كما استُخدِمت للتوسّع والاحتلال كما حصل في "بنما" .  فقد كان السبب الرئيسي الذي طرحته الولايات المتحدة لغزوها الخارج على القانون الدولي والمستهتر لدولة بنما واعتقال رئيسها هو مواجهة خطر امتداد تجارة المخدرات من بنما إلى الولايات المتحدة في ظل حكم الجنرال "نوريجا" . فانظر أي عذر سخيف ومنافق هذا ؟! وإليك سيّدي القارىء حال تجارة المخدرات في بنما بعد أن احتلها بوش الأول المجرم :

لقد زادت تجارة المخدرات في بنما بعد العدوان وفي ظل الأمريكان إلى 400% !!! ، ويقول السكرتير التنفيذي لمركز دراسات أمريكا اللاتينية إن الوحدات الأمريكة المُناط بها مكافحة المخدرات تمثل سوقاً غنية للمخدرات مما يساهم في زيادة الأزمة .

حرب المخدرات التي تشنها الولايات المتحدة ، كانت غطاءَ لمهاجمة الناشطين اجتماعيا في بنما، وغير ذلك من الإساءات لحقوق الإنسان التي تتم على يد قوات الأمن بإشراف القوات الأمريكية هناك. 

أعادت الولايات المتحدة القوة لرجال البنوك واستأنفوا أعمالهم في غسيل أموال المخدرات، حتى أن نشاط نوريجا السابق في تجارة المخدرات يُعد تافها بالنسبة لما وصل إليه الحال الآن .

بعد سنوات أعلنت "واشنطن بوست" عن البيت الابيض (أن بنما ذات الديمقراطية الجديدة قد صارت المركز الأكثر نشاطا لغسيل الأموال من تجارة الكوكايين في نصف العالم الغربي) ، وهي حقيقة قلّلت واشنطن من أهميتها بهدف دعم القادة "الديمقراطيين" الجدد الذين أوصلتهم لحكم بنما . وحسب "الإيكونومست" زادت تجارة المخدرات عن عهد الجنرال نوريجا ، وكان من بين الذين أُلقِي القبض عليهم مسؤول رفيع في الحكومة البنمية الجديدة بتهمة غسيل أموال تجارة الكوكايين الآتية من كولومبيا الى السوق البنمي ، وهذا هو النجاح الذي حققته واشنطن بغزو بنما حين أصبح مثل هؤلاء المسؤولين الفاسدين منتشرين في البنوك البنمية ليضمنوا سيطرة واشنطن على المؤسسات المالية .

وقد ارتفعت الجرائم المرتبطة بالمخدرات مستهدفة بشكل رئيسي الأمريكيين الأفارقة ،  يُقبض على الأمريكيين من أصل أفريقي في جرائم المخدرات – وتشمل الحيازة – بواقع ثلاثة أضعاف ما يتعرض له الرجال البيض. وكانت وسيلة للسيطرة على "الطبقات الخطيرة" اليوم التي يطرحها النموذج الاجتماعي والاقتصادي المُصمّم لعولمة النموذج البنيوي للعالم الثالث المقسوم بحدّة إلى طبقتين . وكما لوحظ أيضاً إن "الحرب الأخيرة ضد المخدرات" كانت موقتة كي تستهدف ، بشكل رئيسي ، الذكور السود . لقد كانت نظيراً "للتطهير الاجتماعي" : إزالة أو استئصال "السكان الفائضين" والذي قامت به قوات الدولة الإرهابية في كولومبيا ، ودول إرهابية أخرى . وهي تخيف أيضاً بقية السكان ، وهذه أداة عادية لفرض الطاعة . وطبقاً لمكتب إحصاءات وزارة العدل فإن نحو 3.1 في المائة من الرجال الأمريكيين من أصل أفريقي، و1.3 في المائة من اللاتينيين، و0.5 في المائة من البيض، يقبعون وراء القضبان.

# المخابرات الأميركية “سي.آي.ايه” تُسهّل سوق المخدرات في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية

قتلُ الصحفي "غاري ويب" الذي بدأ التحقيق في هذه النشاطات :

-------------------------------------------------------------

علاقات وكالة الاستخبارات الأمريكية مع المخدرات لها تاريخ طويل، وقد تمّ التطرّق للموضوع من خلال علاقتها بالمافيا الكورسيكية خلال الحرب العالمية (الغربية) الثانية ، أو في اثناء حربي أفغانستان وفيتنام. ويقول مؤلّف كتاب "الكتاب الأسود لوكالة الاستخبارات الأميركية" :

“صحيحٌ أن الوكالة لا تمارس بنفسها هذه التجارة، ولكنّها في بعض المراحل من تاريخها تركت حلفاءها الظرفيين يقومون بالأمر، من دون أن تطرح سؤال من الذي سيستهلك هذه المواد في نهاية المطاف” . وفي سنة 1996 طُرح نقاش علني، من قبل "غاري ويب - Gary  Webb"  في الولايات المتحدة حول العلاقة ما بين تمويل وكالة الاستخبارات الأمريكية لعصابات الكونتراس النيكاراغويين في سنوات الثمانينات، وبين وصول نوع رديء من المخدرات إلى أسواق وشوارع سان فرانسيسكو. كانت “هذه المخدرات من إنتاج الكونتراس وإرسالها يتم بحماية وكالة الاستخبارات” . وقد تسبّب هذا النوع الرديء في إحداث كوارث وسط الزنوج الأمريكيين في سان فرانسيسكو. ولكن وسائل الإعلام تجاهلت هذا النقاش وتجاهلت غاري ويب، الذي واصل تحقيقه إلى سنة 2004. المخابرات الأمريكية أنكرت الأمر بطبيعة الحال، ولكن النتيجة المأساوية للكاتب غاري ويب الذي وُجد مقتولاً في بيته برصاصة في رأسه تدل على شيء ما غير طبيعي.

# المخابرات الأميركية تتعاون مع عصابات المافيا لنشر الهيروين في فرنسا والعالم :

-------------------------------------------------------------

كانت مدينة "مرسيليا" الفرنسية بعد الحرب الثانية مركزاً لنشاطات الطبقة العاملة الفرنسية بإشراف الحزب الشيوعي الفرنسي ، وكانت الولايات المتحدة ضد هذا النشاط وتستعين حتى برجالات المافيا (خصوصا زعماء المافيا الكورسيكيين مثل الإخوان غيريني) لتدمير وحدة الطبقة العاملة خصوصا في الموانىء الفرنسية حيث تتركّز أكثر فعاليات العمال . ووصل الأمر بالحكومة الأمريكية إلى التهديد عام 1947 باستعادة حمولة 65000 كيس من الطحين مُرسلة إلى مارسيليا إذا لم يُوقف عمّال الموانئ إضرابهم على الفور. وقد تسبّب الفقر والعنف في إرغام عمال مارسيليا على وقف إضرابهم ، وهو ما فعله رفاقهم في مدن فرنسية أخرى. وقد كانت النهاية “السعيدة” لإيقاف الإضراب تتمثل في أنه في عشية أعياد الميلاد من سنة 1947 وصلت 78 عربة قطار إلى محطة مارسيليا مُحمّلة بالطحين والحليب والسُكّر والفواكه. وكان وصولها وسط تصفيقات من قبل تلاميذ فرنسيين يحملون أعلاما أمريكية !!.

خرج الإخوة غيريني أقوياء من هذا الموقف، أي تكسير الإضراب، وأصبحوا زعماء المافيا الكورسيكية. ولكن قوّتهم ستزداد بأساً سنة 1950 مع إضراب عمّال الموانئ الجديد في مارسيليا، حيث أرسوا سيطرتهم على الموانئ. وقد خلق تأثيرهم السياسي وبسط سيطرتهم على الميناء شروطا مثالية لتطوير مختبرات الهيروين في الوقت الذي كان فيه عرّاب المافيا الإيطالي الأمريكي "لوكي لوشيانتو" يبحث عن مورّدين جُدد. مارسيليا كانت منذ قرن “بوابة الشرق” ، وعبرها كان يعبر السلاح الموجّه إلى الهند الصينية، أمّا “هو شي منه”، الذي شارك في تأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي ، فقد كان يُعتبر في مارسيليا بطلاً لدى العمال. وفي كانون الثاني من سنة 1950 قرّر العمال مقاطعة السفن التي تنقل المعدات إلى أرض المعارك. وفي الثالث من شهر شباط من سنة 1950 نشرت النقابة العمالية المُقرّبة من الشيوعيين بيانا يطالب بعودة الجنود من الهند الصينية لوضع حدٍّ لحرب فيتنام. وقامت بإضراب كبير قاطعت فيه كل ما له علاقة بالحرب. هنا تتدخل وكالة الاستخبارات الأمريكية لتقويض هذا الإضراب، بفضل مليونين من الدولارات قدمتهما وكالة الاستخبارات الأمريكية. قام "إيروين براون" ، مسوؤل الفيدرالية النقابية الأمريكية، بإحضار عمال “صُفْر” (آسيويين) من إيطاليا تولّوا إفراغ الأسلحة القادمة من الولايات المتحدة ونجحوا في تكسير الإضراب، بينما كان النقابيون الفرنسيون مُهدّدين بالتصفية جسديّاً. والاستخبارات الأمريكية من خلال منحها الأموال للمنظمات الكورسيكية سهّلت عمليات التهريب، وأصبحت المنطقة مختبر أمريكا للهيروين. أولى المختبرات افتُتحت سنة 1951 بُعيد شهور فقط من سيطرة المافيا على الميناء. 

إذن ، فقد ساهمت الاستخبارات الأمريكية في نشر الهيروين والمخدرات في مارسيليا وفرنسا ومن خلالهما في العالم. وبحسب تحقيق أجراه المكتب الفيدرالي الأمريكي لمحاربة تجارة المخدرات فإن كورسيكيي مارسيليا أصبحوا أكبر المموّنين للولايات المتحدة الأمريكية. لقد قاموا خلال خمس عشرة سنة بربط حقول الأفيون في تركيا بسوق نيويورك للهيروين. وفي سنة 1965 كانت عصابة مارسيليا تُديرُ خمساً وعشرين مختبرا تنتج شهريا ما بين 50 و150 كيلوجراماً.

# الولايات المتحدة تدمّر دول أمريكا اللاتينية بالمخدرات في ظل الحرب على المخدرات ؛ نيكاراغوا أنموذجا 

الإدمان وباء يجتاح شعوب دول أمريكا اللاتينية في ظل معجزات التنمية الأميركية :

-------------------------------------------------------------

 بعد موافقة نيكاراغوا على توقيع اتفاقيات تفتح الطريق أمام "وكالة مكافحة المخدرات الأميركية" للعمل فيها ، صارت البلاد "تُستخدم كممر لشحن الكوكايين الكولومبي إلى الولايات المتحدة " ، كما صارت مركزاً لغسيل أموال المخدرات ، إضافة إلى توسيع وباء المخدرات نفسها في نيكاراغوا بفعل القهر الاقتصادي والفقر . كانت نيكاراغوا خالية من الإدمان منذ عام 1984 . الآن هناك وزيران في نيكاراغوا يعملان لصالح كارتل المخدرات . يزداد عدد اطفال الشوارع بسرعة حيث يقوم أطفال في العاشرة باستنشاق علب الصمغ في الشوارع قائلين "إنه يُذهِب الجوع" . فازدهرت تجارة صمغ الأحذية لملء زجاجات الأطفال بعد دخول شيطان الولايات المتحدة إلى البلاد. مؤتمر عام 1991 في ماناغوا العاصمة أعلن أن نيكاراغوا صارت جسراً لنقل المخدرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا .

الآن في نيكاراغوا 250000 مدمن ، مقارنة بـ 400000 مدمن في كوستاريكا ، و 450000  غواتيمالا ، و 500000 السلفادور .

ويزداد الإدمان في نيكاراغوا بين صغار السن خصوصاً . ولم يصبح الكوكايين متوفّراً في "ماناغوا" العاصمة إلّا بعد تولّي الديكتاتور "شامورو" السلطة عام 1990 .

تُعتبر المخدّرات الصناعة الأحدث نموا في أمريكا الوسطى ، وذلك نتيجة الظروف الاقتصادية القاسية التي تجعل 85% من سكان أمريكا الوسطى يعانون الفقر وفقدان فرص العمل بعد التنمية الأميركية ، وخصوصا في كولومبيا حيث يتحالف السياسيون اليمينيون وضباط الجيش وتجار المخدرات الأشداء . أما الوضع في بيرو فأسوأ من ذلك بكثير.

# الولايات المتحدة وبريطانيا تحاولان إبادة الشعب الصيني بواسطة المخدرات :

--------------------------------------------------------------

عام 1793 جاء وفدٌ تجاري للامبراطور الصيني يحمل هدايا لفتح الأسواق الصينية فأخبرهم الإمبراطور إن الإمبراطورية الصينية مُكتفية من هذه المنتجات . رأوا أن الشيء الوحيد الذي ينقص الصين هو "الأفيون" الذي يمكن أن يحقّق غايتين : الأولى الأرباح الهائلة ، والثانية إبادة الشعب الصيني . وبلا خجل ولا اعتبارات أخلاقية ، لجأوا إلى المخدرات والأفيون البنغالي الذي أصبح بيعه للصين المورد الثاني لأرباح شركة الهند الشرقية بعد عائدات الأرض ، وغابت التحفّظات الأخلاقية البريطانية . بعد عدّة سنوت حاولت الصين إيقاف هذا التدفق المدمّر للأفيون ، فشنت بريطانيا الحرب عليها ، وأُجبرت الصين على فتح أبوابها أمام المخدرات القاتلة بعد أن قامت سفينة حربية بريطانية بتدمير تسع سفن حربية صينية وخمس قلاع ومخفرين عسكريين وبطارية مدفعية في يوم واحد من أيام شهر شباط من عام 1841 .

انتبهت الولايات المتحدة إلى هذه التجارة : تجارة الأفيون وأرباحها الهائلة ، وارادت مواكبة الميّزات التي أحرزتها بريطانيا ، متذرّعة هي أيضا بالدفاع عن المبادىء العليا . فقد أدان الرئيس الأمريكي "جون كوينسي آدامز" ، سادس رؤساء الولايات المتحدة آنذاك ، رفض الصين قبول الأفيون القادم من المستعمرة البريطانية في الهند باعتباره اتتهاكا للمبدأ المسيحي القائل "أحبب جارك" ، وباعتباره أيضا "اعتداءً صارخا على حقوق الطبيعة البشرية ، واعتداءً على أول مبادىء حقوق الأمم" كما يقول تشومسكي . بينما هلّل المبشّرون – والتبشير ذراع ثقافي شيطاني لاستعمار الشعوب المُستضعفة - "لحسن تدبير العناية الإلهية التي شاءت أن تخدم شرور الإنسان إرادة الرب بأن يرحم الصين، وذلك باختراق الجدران التي تفصلها عن العالم وبإجبار امبراطورها على الإحتكاك سريعا مع الأمم المسيحية الغربية" !!!.

يعلق المفكّر الأستاذ "منير العكش" في كتابه الخطير "أمريكا والإبادات الثقافية" :

(لو قُدّر للزنابير – WASP (المستعمرون الأمريكان) أن يصلوا بحرب الأفيون إلى مداها كما وصلوا بحرب الجراثيم ضد الهنود في العالم الجديد إلى مداها، لما كان غريبا أن نسمع اليوم أن الصين – وقد كان فيها 400 مليون إنسان أيام حرب الأفيون – كانت مجاهل خاوية ، وأن سكانها كانوا مجرد قبائل متوحشة يعيشون في الكهوف والغابات وينبت في رأسهم الريش والحشيش) .

بهذه الطريقة أفلحت بريطانيا بخلق حاجات جديدة في الصين ، تماما كما تفعل الولايات المتحدة اليوم عندما تُجبر البلدان الآسيوية ، تحت طائلة العقوبات الاقتصادية ، على قبول المخدرات القاتلة المزروعة في الولايات المتحدة ، والتي تقتل سنويا 50 – 100 ضعف ما تقتله كل المخدرات الأخرى مجتمعة ، وعلى قبول الإعلان عنها من أجل فتح أسواق جديدة بين النساء والأطفال خاصة .

فما هي المخدرات القاتلة المزروعة في الولايات المتحدة والتي تقتل سنوياً أضعاف ما تقتله كل المخدّرات مجتمعة ؟

# أليس المُخدّر الذي تنتجه الولايات المتحدة أخطر من المخدرات المحرّمة مجتمعة ؟ :

--------------------------------------------------------------

هناك مخدّر تنتجه الولايات المتحدة ، وهو مخدّر رهيب مُرعب مُدمّر ، وعدد ضحاياه هو أضعاف مضاعفة لعدد ضحايا المخدرات الفعليّة المحرّمة التي تشنّ أمريكا الحرب عليها .

هذا المخدّر هو : التبغ .

إنّ الشركات الأمريكية المُنتجة للتبغ والسكاير تمارس حرباً رهيبة على دول العالم – خصوصا دول العالم الثالث – للقبول بالسجائر والإعلان عنها . ويهمنا القول إن عدد الذين يموتون بسبب التدخين يفوق عدد من يموتون فعليّاً بسبب المخدرات (الكوكايين مثلا ) في العالم كما سنرى .

إنّ عدد الكولومبيين الذين يموتون من مخدرات مهلكة تنتجها الولايات المتحدة (التبغ) يتجاوز بكثير عدد الأمريكيين الشماليين الذين يموتون من الكوكايين . أما في شرق وجنوب آسيا ، فتسبب المخدرات المهلكة التي تنتجها أميركا ملايين الوفيات . وهذه البلدان مُجبرة على قبول المنتجات الأمريكية من السجائر وأيضا الإعلان عنها تحت تهديد العقوبات التجارية .

ويرى الباحثون في حقل الصحة العامة أن تأثيرات التسويق والإعلانات العدوانية التي تفرضها الشركات الأميركية مسؤولة إلى حد كبير عن ازدياد ضخم في نسب التعاطي بين النساء والشبّان في البلدان الآسيوية حيث تُفتح أبواب الدول والأسواق بالقوة ، وذلك من خلال التهديد بفرض عقوبات تجارية أمريكية حادة . أما الكارتلات الكولومبية فإنها على خلاف ذلك ، فغير مسموح لها بأن تدير حملات دعاية ضخمة يقوم فيها نظير لـ " جو كامل – joe camel " بتمجيد عجائب الكوكايين (المقصود " بعير " الإعلانات الشهير عن السجائر الأميركية) .

وبفضل الولع الأمريكي بالتجارة الحرّة وحرّية التعبير للمعلنين عن مواد قاتلة ، فقد توسعت تجارة السجائر العالمية جدا ، لتبلغ خمسة أضعاف من 1975 إلى 1996 .

يتساءل "تشومسكي" :

(هل يحق لكولومبيا والصين وتايلاند وغيرها من الدول المُتسهدَفة بشن حرب على المنشآت العسكرية الكيمياوية والبيولوجية في "نورث كارولينا" ؟

ولماذا لا تُشن غارات من قبل "قوّة دلتا – DAELTA FORCE" الأميركية على المصارف والشركات الكيمياوية الأميركية على الرغم من أنّه ليس سرّاً أنها هي أيضا مُنغمسة في تهريب المخدرات ؟ أو للهجوم على الولايات المتحدة المُنتِج الرئيسي للماريجوانا ؟

يسبب التبغ هناك 400000 حالة وفاة سنويّا في الولايات المتحدة ، أي أكثر من ضحايا الأيدز وحوادث الطرق والكحول والجرائم والمخدرات والحرائق مجتمعة . ومع انحدار استهلاك هذه المادة المهلكة في الولايات المتحدة وإجبار المنتجين على دفع تعويضات ضخمة للضحايا ، انتقلوا إلى الأسواق الخارجية خصوصا أسواق دول العالم الثالث .

# الحكومة الأميركية تُقدّم المساعدات لشركات التبغ الأميركية لتشجيع التدخين في العالم الثالث ، ورؤساء أمريكا يهدّدون الدول الرافضة :

------------------------------------------------------------

 تقدّم وزارة الزراعة الأميركية معونات لشركات التبغ من أجل تشجيع التدخين في ما وراء البحار . وحاولت البلدان الآسيوية أن تدير حملات توعية ضد التدخين من خلال الإعلان والتلفزيون ، لكن التهديدات الأميركية بفرض العقوبات قضت عليها . إن شركة السجائر "فيليب موريس" التي كانت تملك عام 1992 ميزانية للإعلان عن التبغ والتشجيع على التدخين تصل إلى (9) مليارات دولار أصبحت أضخم مُعلن في الصين . وكان التأثير الناجم عن تهديدات الرئيس الأمريكي "رونالد ريغان" هو زيادة الإعلان ، والتشجيع على التدخين (وخاصة الأنواع الأمريكية) بشكل حاد في اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية .

ففي كوريا الجنوبية - على سبيل المثال - تضاعفت نسبة النمو في التدخين أكثر من ثلاث مرّات حين فُتحت أسواقها للمخدرات الأميركية المُهلكة بالإكراه في 1988 . هذا وقد وسّعت إدارة بوش التهديدات لتشمل تايلاند في 1989 ، في اللحظة نفسها اتي أعلنت فيها "الحرب على المخدرات" . وأغفلت وسائل الإعلام الأمريكية "الموضوعية" و "الديمقراطية" هذا التزامن الخطير .

وفي الصين وحدها ، وبين الأطفال تحت العشرين عاما ، سيموت 50 مليون من أمراض مرتبطة بالتدخين . وكانت وفيات المخدرات (16) ألفا عام 1997 ولا يتلقى العلاج إلّا 4 من كل 10 من المدمنين .

 

# إحصائيات الموت بسبب التبغ الأمريكي أكثر من المخدرات مئات المرّات:

---------------------------------------------------------------يقول "جون ميدلي" مؤلّف كتاب "نهب الفقراء : الشركات عابرة القومية واستنزاف موارد البلدان النامية" : "يقتل التدخين 5 ملايين شخص في العالم كل عام.، مع تحوّل وجهة الموت باتجاه الجنوب. ومع تراجع التدخين في الشمال تستهدف الصناعة الجنوب بصورة متزايدة ، وترى فيه سوقا يضمن استمرار تدفق الأرباح .

وفي الشمال، هناك أقل من 3 من كل 10 من البالغين لازالوا يدخنون، مقارنة بحوالي 6 من كل 10 قبل 40 عاما مضت، وتُخلّف الأمراض المتصلة بالتدخين حوالي مليوني ضحية في الشمال سنويا ، حيث يقرّ معظم الناس بمسؤولية التدخين عن حالات الوفاة . وعلى الرغم من تزايد الوعي بمخاطره في العالم ، فإن التدخين في الجنوب آخذ في التزايد. وطبقا لمستوياته الحالية ، من المتوقع أن يودي التدخين بحياة حوالي 10 ملايين شخص سنويا بحلول 2020، ثلثيهم في البلدان النامية . وفي ستينيات القرن الماضي لم تكن نسبة المدخنين بين الرجال في الجنوب تتجاوز 20% - ولم يكن هناك بالفعل من يدخن بين النساء . والآن، وبفضل قدرة الشركات على الإقناع الحاذق، تصل نسبة المدخنين إلى 50% والمدخنات إلى 9% .

# شركات التبغ الأمريكية تستنزف موارد الدول النامية

تكاليف الرعاية الصحية للمدخنين في الصين تكفي لتعيين نصف مليون مُعلّم :

-------------------------------------------------------------

ويتركز إنتاج وتجارة التبغ بيد شركات عابرة القومية . وتستحوذ 4 شركات هي التريا جروب (فيليب مورس) ، بريتش أمريكات توباكو (BAT) ، رينولدز أمريكان أند جابان توباكو على حوالي 70% من الإنتاج العالمي للتبغ (مع استبعاد الصين حيث تحتكر الدولة إنتاجه) . وتقف هذه الشركات موقف الدفاع مع شروع المرضى المزمنين من المدخنين في مقاضاتها أمام المحاكم بسبب الأضرار التي يدّعون أنها لحقت بصحتهم .

وبالنسبة للحكومات فإنّ ما يهمها هو جمع الأموال من خلال الرسوم على تصدير التبغ. لكن في العالم الثالث يضرّ التبغ بصحة ملايين الناس، ومعالجة أمراضه سوف تفرض قيوداً إضافية على ميزانية تلك الدول المضغوطة أصلا، وعندما تُخصِّص أموالا لمعالجة المدخنين سيقل ما تنفقه على الأمراض الأخرى .

على سبيل المثال تحصل الصين على أكثر من 5 مليار دولار سنويا من المدخنين في صورة ضرائب ، لكن الصين أنفقت في عام 2002 ما يقارب 3,5 مليار دولار كتكاليف للرعاية الصحية للأمراض التي يسبّبها التدخين . ولو كانت هذه التكاليف أقل بنسبة 20% لأمكن للصين تشغيل أكثر من نصف مليون معلم ابتدائي إضافي .

وبينما يزيد التدخين صحة الشعوب تدهورا يبدو أن الحكومات تنأى بنفسها عن التعرض لشركات التبغ القوية بسبب الخوف من العقوبات الأميركية . وتتحمل مستشفيات البلاد النامية الآن عبء الأمراض الناتجة عن التدخين . ففي زيمبابوي على سبيل المثال ، أصبح سرطان الرئة الناتج عن التدخين الشديد من أكثر الأمراض شيوعا بين المترددين على المستشفيات، وفي السودان أصبحت إصابات الشريان التاجي من أكثر اسباب الوفاة شيوعا .

# محصول التبغ يستنزف خصوبة الأرض ويدمّر زراعة المحاصيل الغذائية

زراعة التبغ تحرم 20 مليون إنسان من الغذاء :

---------------------------------------------------------------

وتخصيص الأراضي لزراعة التبغ يعني تناقص الأراضي المُخصّصة للغذاء. وحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، تخصّص دولة "مالاوي" 4,3% من مساحة أرضها لزراعة التبغ، وزيمبابوي 2% ، وبينما تُعتبر هذه النسب صغيرة ، فإنها آيلة للإرتفاع عند إقناع فلّاحيها بتخصيص مساحات أكبر للحصول على أرباح أكثر .

وحسب الأمم المتحدة فإن استخدام الأراضي لزراعة التبغ يحرم 10 – 20 مليون شخص من الغذاء . وهنا سوف تتحمل البلاد النامية تكاليف استيراد المواد الغذائية بسبب زراعة التبغ .

والدعاية المُكثّفة التي تنظمها الشركات عابرة القومية تقنع الفقراء بالمزيد من التدخين. واستخدام الأموال المخصصة للغذاء أو الرعاية الصحية في شراء السجائر . فإصحاب الدخول المحدودة في بنغلاديش الذين جرى إقناعهم بتدخين خمس سجائر يوميا ، كان عليهم أن يحفضوا مشترواتهم من الغذاء بنسبة 15% وهو ما يقلل من السعرات الحرارية اليومية بمعدل 300 سعرة من حصة منخفضة بالفعل لا تتجاوز 2000 سعرة.   

# الشركات تنشر التدخين بين الأطفال :

-------------------------------------

وتركّز الصناعة دعايتها على الأطفال والشباب لاجتذاب مدخنين جُدُد. وقد أتت الدعاية ثمارها. فكل يوم، ينضم أكثر من 4000 مدخن جديد من الشباب. ويشير عدد ديسمبر 1991 من "جورنال أوف أمريكان ميديكال أسوسييشن" إلى أن صغار الأطفال يشاهدون الإعلان ويفهمونه ويتذكرونه. وتقول إنّ بعض الإعلانات التي تلجأ إلى الرسوم الكرتونية كانت أكثر نجاحا في تسويق السجائر بين الأطفال مقارنة بالبالغين. وهناك شكل آخر خبيث من الإعلان هو وضع السجاير وعلاماتها على لُعَب الأطفال. كما تروّج الصناعة لنفسها من خلال رعاية المناسبات الرياضية التي تحظى بالشعبية عند الأطفال؛ وهناك حاجة مستمرة وضاغطة لاجتذاب مزيد من المدخنين لتعويض مَنْ يموتون ، وكلما اجتذبتهم الصناعة في سن مبكرة ، كلما أسهموا في وقت مُبكر في زيادة أرباح الشركة.

# زراعة التبغ تدمّر القطاع الزراعي في البلدان النامية :

-----------------------------------------------------

في البلاد النامية التي تزرع التبغ، عادة ما تتعاقد الشركات عابرة القومية على الإنتاج مع صغار الفلاحين ، وتقدم لهم الإرشادات، وتبيعهم البذور اللازمة، والسماد وغيرها. ثم تشتري منهم أوراق التبغ المُجفّفة. لكن عوائد المزارعين تكون متدنية دائما.

وفي أوغندا ، توجد أربعة أخماس مساحة الأراضي المرزوعة بالتبغ في منطقة غرب النيل، شمال غرب البلاد ، وتُزرع حوالي 10 آلاف قطعة صغيرة من الأرض بالتبغ بمقتضى تعاقد لحساب "بريتش أمريكان توباكو" التي تحتكر إنتاج التبغ في البلاد. وتمد الشركة الفلاحين بصفقة متكاملة (بالدَيْن عادة) تشمل مُدخَلات مثل الأسمدة والبذور والمبيدات الحشرية والمشورة الفنية ، وتشتري منهم النبغ المجفف بالأسعار التي تحددها الشركة.

وفي الفلبين، حدّدت الهيئة الوطنية للتبغ الحد الأدنى لسعر الكيلو الواحد من أوراق التبغ بـ 20 بيزو فقط (حوالي 50 بنساً) لكن شركة "فيليب مورس" و "ر. جي . رينولدز" تدفع للفلاحين 7 بيزو فقط (17 بنساً) . أمّا معدّلات الفائدة على القروض المُقدمة لزراع التبغ في الفلبين التي تتراوح مدة سداداها بين 4 – 5 سنوات ، فتتراوح بين 75% - 100%.

وقد توضح الديون سبب استمرار الفلاحين في زراعة التبغ: إنهم مدينون بالأموال للشركات .

في مالاوي هجر آلاف المزارعين المالاويين أراضيهم ليخلو السبيل أمام مزارع التبغ الكبيرة.

ولتوفير مستلزمات زراعة التبغ، يتم قطع الأشجار في بلدان كثيرة ، فتنكشف التربة وتصبح أكثر عرضة لأن تجرفها الأمطار الغزيرة . ويشكو الفلاحون من تناقص خصوبة التربة وإنتاج المحاصيل. وتتمثل إحدى النتائج الرئيسية لإنتاج التبغ في الطاقة الكبيرة المطلوبة لعمليات التجفيف والتحميص، وهو يتطلب استخدام كميات هائلة من الأخشاب ، مما يستدعي قطع الأشجار وتعرية التربة، والتأثير على إنتاج الغذاء . وحتى البدائل - كالأشجار سريعة النمو - يستغرق نموها 5 سنوات في الأقل في البرازيل حيث تسيطر شركة BAT على أربعة أخماس سوق التبغ ، يبلغ عدد مزارعي التبغ 130 ألف يحتاجون (60) مليون شجرة سنويا لزراعة محصولهم المدمّر .
وهناك حقيقة أخرى هي أن الشركات تأتي إلى الفلّاح وتغريه بترك زراعة المحاصيل الغذائية وزرع التبغ ، فتصبح أرضه "متخصّصة" بالتبغ وحده وهذا ما تريده الشركات الأميركية . والتبغ يستنفد المواد الغذائية الموجودة في التربة بمعدل يفوق أي محصول آخر ، وتعجز التربة عن تغذية المحاصيل الغذائية ، وحين تستنفد الأرض إمكاناتها في مكان ما ، تتجه الشركات إلى مكان آخر .. وهكذا .

ويحتاج التبغ إلى استخدام المبيدات بكثافة . وتُوصي الكتيبات الإرشادية المُوجّهة لمزارعي التبغ ببرنامج لإنبات بذور التبغ تستمر لثلاثة أشهر وتتطلب رشّ (16) نوعا من المبيدات .

وقد لجأت الشركات عابرة القومية – لتتهرّب من انتقادات الحكومات والمنظمات لتدميرها البيئة – إلى زراعة أشجار الكافور لتوفير الخشب ، ولكن شجرة الكافور شجرة تنمو بسرعة كبيرة اعتمادا على المياه الجوفية ، اي أنها سوف تستهلك المياه التي تحتاجها المحاصيل الغذائية .

# من جديد : ما هي أهداف الحرب الأميركية على المخدرات ؟:

-----------------------------------------------------------

وتثير هذه الحقائق المزيد من الأسئلة حول بواعث الحرب على المخدرات . وأثبتت "مؤسسة راند" لدراسات الرأي العام أن الأموال التي صُرفت على معالجة المخدرات المحلية كانت فعاّلة أكثر بـ (23) مرّة من "ضبط بلد المصدر" (خطة كولومبيا لبيل كلنتون مثلاً كما قلنا قبل قليل) ، وأكثر فعالية بإحدى عشرة مرّة من الحِرْم ، وسبع مرّات من فرض القانون المحلي .

ولكن الطريق الرخيص والفعّال لم يُسلك ، وتم صنع "حرب المخدرات" لاستهداف الفلاحين الفقراء في الخارج والفقراء في الداخل ، باستخدام القوة ، وليس من خلال الإجراءات البنّاءة للتخفيف من المشكلات التي تُحرّض عليها بشكل مزعوم بجزء من الكلفة .

إن الجريمة في الولايات المتحدة لا تختلف كثيرا عنها في البلدان الصناعية الأخرى ، لكن الخوف من الجريمة أعلى في الأولى بكثير ، والكلام عينه ينطبق على على المخدرات : إنها مشكلة في المجتمعات الأخرى ، لكنها في الولايات المتحدة خطر وشيك يتهدّد وجودنا بالذات ، وإنه لمن السهل على القادة السياسيين أن يستغلوا وسائل الإعلام لإثارة الفزع حيال هذه الأخطار وغيرها ، فيُصار إلى تنظيم الحملات بصفة دورية حين تتطلّب الضرورات السياسية المحلية ذلك.

وهناك مثال صارخ آخر يتمثل في إعلان الحرب مجدداً على المخدرات في عام 1989 . ففي وجه قرائن مادية تقول العكس ، أعلنت الإدارة الأميركية بصورة دراماتيكية أن مروجي المخدرات من أصول "أميركية لاتينية" يشكّلون خطرا على مجتمعنا . وأحرزت الحملة نجاحا هائلا ، بمعزل عن مدى تأثيرها في نسبة تعاطي المخدرات . إذ اندفع الخوف من المخدرات ليحتل الصدارة بين مخاوف الجمهور وهمومه . وقد أُعِد المسرح لتصعيد الحملة الرامية إلى نقل الفائض من الناس من شوارع المدن إلى السجون الجديدة التي كانت تُشيّد على عجل ، وكذلك للإنتقال إلى "عملية القضية العادلة" : الغزو المجيد (كما يسخر منه تشومسكي) لباناما تحت ذريعة تورّط نورييغا في تهريب المخدرات ، من بين أسباب أخرى طبعاً . هذا في الوقت الذي كانت فيه إدارة بوش تُهدّد تايلاند بعقوبات قاسية في حال وضعت حواجز في وجه وارداتها من مادة مُنتجة أميركياً أشدّ فتكا هي التبغ . بيد أن كل ذلك مرّ في صمت وهدوء لأن وسائل الإعلام الأمريكية لديها ميل طاغٍ إلى النطنطة والتهويش معاً متى فرقع البيت الأبيض لها بإصبعيه .  

# قانون "حرّية السوق" الأمريكي يُنعش تجارة المخدّرات :

--------------------------------------------------------

يقول الفيلسوف الراحل "روجيه غارودي" :

(أسفرت حرية السوق عن شهرة خاصة بها ، هي تهريب المخدرات. كان استهلاك الكوكايين في الولايات المتحدة 85 طنا في عام 1984 ، 125 طنا في عام 1985 ، 250 طنّاً في عام 1986 . الآن وبوجود 20 مليون مدمن مخدرات بها تستوعب الولايات المتحدة 80% من المبيعات العالمية من المخدرات .

أصبحت المخدرات في الولايات المتحدة واحدة من القطاعات المهمة في الاقتصاد، على نفس مستوى الإلكترونيات، والسيارات أو صناعة الحديد والصلب .

وبلُغَة السوق : في مواجهة مثل هذه الزيادة في "الطلب" ارتفع "العرض" البوليفي بنفس النسب : كانت بوليفيا تنتج 6 آلاف طن من أوراق الكوكا في عام 1970 ، تخطت 150 ألف طن في عام 1986 .

هناك 60 ألف هكتار من أراضي بوليفيا مزروعة بنبات الكوكا ، ينتج كل هكتار سنويا ثلاث غلّات تعطي لمالكها عشرة آلاف دولار . هذا، بينما يكسب عامل المناجم في بوليفيا 827 دولارا سنوياً ، والعامل في المصانع 649 دولارا، والفلّاح الذي ينتج الكوكا 160 سنويا ، يتحول الفلاح الأكثر فقرا بين الفلاحين في كولومبيا من إنتاج البن أو الكاكاو إلى إنتاج الكوكا ، مطيعاً لنفس منطق بورصة وول ستريت ومنطق السوق .

إذا ما استمرت السوق في ازدهارها ، وحرّيتها المتألقة هي الحكم الوحيد،  فستضمن المخدرات مستقبلا مزدهرا) .

# تفشّي سرطان المخدّرات سببه طبيعة الحضارة الأمريكية ؛ حضارة اللّامعنى:

----------------------------------------------------------

يبلغ حجم التعامل بالمخدرات في الولايات المتحدة اليوم ، من الضخامة ما يعادل أرقام التعامل في صناعة السيارات ، أو صناعة الفولاذ . ويزداد استهلاك المخدرات طرداً ، مع فقدان الحياة لمعناها ، كما يواصل "غارودي" حديثه ، نتيجة للبطالة والتسريح ، أو أمور أخرى . إن الغاية النهائية للحياة هي الاستهلاك الذي يخلق ازدهار "السوبر ماركت" .وإنه لأمرٌ ذو دلالة أن الرقم القياسي لانتحار اليافعين ، سجلته الدول الأكثر غنى في العالم : الولايات المتحدة ، والسويد . في الجنوب ، يموت الناس بسبب نقص وسائل العيش ، أما في الشمال فيموتون لانعدام غايات الحياة .

ويُعتبر الاستهلاك المتزايد للمخدرات ، أحد النتائج الطبيعية لوحدانية السوق : أوّلاً ، بسبب إنتاجها . إن الربح الذي تدره نبتة الكوكا التي يُستخرج منها الكوكاين ، على الفلاح البوليفي ، أكبر بعشر مرات من ربح نبتة الكاكاو أو البن ، وهي وحدها القادرة على السماح له بالحياة . كما أن الدولة ، مُلزمة بتسديد ديونها لصندوق النقد الدولي . ونتيجة لاستهلاك المخدرات ، تعاني الولايات المتحدة من ثلاثة ملايين مُصاب بالتسمم المزمن ، أما الذين يتعاطون المخدرات فيُقدّر عددهم بعشرين مليون أمريكي .أصبحت المخدرات بخور "الكنيسة الجديدة " ، نعني وحدانية السوق . ويعطينا الاتحاد السوفيتي معنى كبيرا ، فمنذ العودة إلى الرأسمالية ، انفجر إنتاج واستهلاك المخدرات ، وتضاعفت مساحة الأراضي المزروعة بالخشخاش في أوزبكستان خلال عامين فقط ( ١٩٩١ و ١٩٩٣ ) .أما أفغانستان ، فقد أصبحت منذ عام ١٩٩٣ البلد الأول المنتج للأفيون ، وقد تضاعف إنتاجها ثلاث مرات . ومن الملاحظ أن عودة الرأسمالية إلى الإتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا ، قد رافقها ارتفاع مجنون في انتشار البغاء.

تشير دراسة أجرتها وزارة الصحة الأمريكية ، أن استخدام المهدئات عند المراهقين في سن ١٢ - ١٧ عاما ، قد ازدادت ٧٨ % ، ما بين عامي ١٩٩٢  ١٩٩٥. وقد ارتفع استهلاك حبوب الهلوسة ، مثل حبوب (ل . س . د) إلى ١٨٣% ، (54% ما بين عامي ١٩٩٤و ١٩٩٥) ، وارتفع استهلاك الكوكايين إلى 166% ، والماريجوانا إلى 105% ( ٣٧ % ما بين عامي ١٩٩٤و ١٩٩٥ ).

واعترف 10,4 % من الشباب الأمريكي ، من نفس الشريحة العمرية ، أنهم تناولوا المخدرات خلال الشهر السابق على الاستطلاع الذي أجرته وزارة الصحة . وتدل دراسة أخرى ، رسميّة أيضا ، أن حالات الإسعاف التي سجلتها المستشفيات ، بسبب الإسراف في تعاطي المخدرات ، قد ازدادت ٩٦ %  في حالات تعاطي الكوكايين.

ويتجسد هذا الإنحلال المعنوي والخُلُقي في ارتفاع متصاعد للجريمة : سنة 1989 يموت شخص في نيويورك اغتيالاً كل 5 ساعات ؛ وتُنتهك حرمة امرأة كل 3 ساعات ؛ ويُعتدى على شخص كل 3 دقائق . وهذا يعني سنويا ، بالنسبة إلى هذ المدينة وحدها : ارتكاب 712419 جريمة – الشرطة لا تحصي سوى الجرائم التي قُدّمت فيها شكاوى – منها 1905 جريمة اغتيال ، 3254 جريمة اغتصاب ، 93377 عملية سطو في الشارع ، وأغلبها تحصل تحت تأثير المخدرات. وهناك 20 مليون من المدمنين على المخدرات من مجموع سكان الولايات المتحدة كما قلنا . زد على ذلك أن "أسلوب الحياة" هذا ينعكس في الأفلام الأميركية المبثوثة يوميا على أقنية العالم "الحُرّ" .

إن تفكّكاً للمجتمع كهذا ، مع حيوات بلا هدف ولا مستقبل – لا مستقبل ؛ هذا هو الشعار الذي يكتبه شباب "البونكز" على قمصانهم – يُذكّر بتشنجات وانحلالات الانحطاط الروماني في اسوأ ساعاته .

هوذا نموذج "فلتان" بلا قانون ولا إيمان ، يفرضه الغرب على العالم في صور شتى : عالم حرّ ، ليبرالية ، ديمقراطية ، حداثة ، .. إلخ.

إن مشهد انحطاط عالم كهذا بلا معنى ، بلا بعد انساني حقيقي؛ عالم مستسلم لقوانين اقتصاد السوق وحدها حيث لم يعد في امكان الحياة الروحية ان تُعاش الا في سِرّ النفوس دون دون أن تلعب أيّ دور في نَظْم الأواصر الاجتماعية ولا في توجيه العلوم والتقنيات لكي تساعد على تفتّح الإنسان ، لا على تحطيمه ، أدى في مرحلة أولى ، إلى فرارات فردية : دروب كاتماندو ، الغيبة / الباطنية ، البحث عن معلّمين مرشدين ومُنقذين .. ثم أدى إلى ردّات فعل سياسية قوامها الرفض الشامل لحضارة غريبة فاسدة .

# المخدرات والتعذيب في عمل وكالة الإستخبارات الأمريكية CIA:

------------------------------------------------------------------
ربما يجد القارئ تناقضا في هذا العنوان، إذْ إن المخابرات الأمريكية دورها يتمثل في محاربة المخدرات وليس في تجريبها وإشاعتها واستخدامها في التعذيب وانتزاع الاعترافات وفي عمليلت غسيل الدماغ – brain washng أو  قتله - mentacide.
تَعَاقَب الكثيرون من المديرين على وكالة الاستخبارات الأمريكية، ولكن "ريتشارد هيلمس" يظل هو من تحمّل العبء الأكبر في هذا المجال. فقد تكاثرت الفضائح وتسرّبت في الصحافة، وعرف الناس الكثير من الجرائم التي ارتكبتها وكالة الاستخبارات الأمريكية، وتداخلت لكثرتها من فضيحة ووترغيت إلى تصفية رئيس تشيلي سلفادور أليندي.
هذا المدعو هيلمس تحمل كل تبعات وكالة الاستخبارات إلاّ ملفا واحدا وهو الذي يتعلق بـ MK Ultra ، وهو الإسم الشفري (كود) لمجموعة من التجارب “العلمية” قامت بها الوكالة ما بين سنتي 1953 و1964 تحت إدارة ألان دالاس.

تم اختبار طرق عديدة من بينها تقنيات الاستنطاق العنيفة والمخدرات والتنويم المغناطيسي والصدمات الكهربائية وغيرها...(وهي طرق تعذيب سبقت بكثير ما وقع في سجن أبو غريب) وقد تم تطبيقها على “فئران تجارب” غير طوعيين (أناس يخضعون للتجربة دون أن يدروا !) ، وعلى سجناء حرب ، وعلى جنود ومواطنين رافضين لأداء الخدمة العسكرية، ولكن أيضا على مرضى مستشفى الأمراض النفسانية. صورة مرعبة لدور المخابرات الأمريكية في هذه التجارب.
يقول "غوردون توماس" مؤلف كتاب "الكتاب الأسود لوكالة الاستخبارات الأميركية" : “لقد موّلت وكالة الاستخبارات الأمريكية في الواقع “أبحاثا” للدكتور "إيوين كامرون" ، نائب رئيس جمعية المحلّلين النفسانيين في أمريكا الشمالية (تصوّر طبيباً "إنسانيّاً" يشارك في التعذيب مثل الأطباء النازيين ومثل الأطباء الأميركيين في أبو غريب) ، في عيادته في مونتريال : نساء قادمات من أجل أن يعالجن من انهياراتهن العصبية يتلقين علاجات مرتكزة على مخدرات وصدمات كهربائية أثناء سنوات عديدة”. ليس خافياً، كما يرى المؤلف، أن هذه التجارب لم تؤدّ أبدا إلى أيّ نتيجة ملموسة. ويعلّق على الأمر بكثير من القوة حين يقول: “أن تكون هذه الأشياء حدثتْ بُعَيد ما جرى في معسكرات التعذيب النازية الفظيعة، لا يستطيع أن يفهمه اليوم أحدٌ”. هذه التصرفات الأمريكية تشي في جزء منها بالهوس المُعادي للشيوعيين المسيطر آنذاك على المسؤولين الأمريكيين (إذْ إن كلّ إجراء يفترض أن العدوّ استخدمه يصبح سلاحا مباحا من أجل محاربته)، ولكنها تشي أيضا بالإيمان الأعمى في تقدّم العلوم، التي تتَصَوَّر قدرتها على أخذ زمام الأمور للعقل البشري. ويتساءل الكاتب عن هذه الإجراءات : هل يتعلق الأمر بـ “جنون عابر؟ ليس الأمر مؤكَّدا، لأننا سنعثر على طرق ومنهجيات وأوهام في مسألة السجون السرية”. ويستتبع الكاتب هذا الفصل بفقرات من كتابه "أسلحة وكالة الاستخبارات الأمريكية السرية" ؛ فقرات لا يستطيع القارئ أن ينهيها ، وذلك لما تحتوي عليه من فظاعات وجرائم حقيقية. وقد قدمت عائلات الكثير من الضحايا شكاوى أدت إلى تحقيقات طويلة انطلاقا من سنوات السبعينات.
نقرأ في هذه الأرشيفات: “في أحد الملفات يتعلق الأمر بإحدى المريضات وتدعى "مادلين لاركوا" ، توجد إشارة تتحدث عن حوار قصير بين المريضة وطبيبها: “سألتني لماذا تنظر إليّ الممرضات بهذه الطريقة، كما لو أنها كانت غريبة الأطوار. وبدوري، سألتها عن الشيء الذي يجعلها تعتقد أنها غريبة الأطوار. أجابتني بأنها لا تعرف. لاحقا صرّحت مادلين بأنها تحسّ نفسها: “تشبه.....zombie”. كما أشار الدكتور كامرون. يشير الملفّ إلى أن المريضة مادلين تناولت، ثلاث مرات كل يوم، “كوكتيلا من المهدئات” مُكوّنا من 100 ميليغرام من تورازين – Thorazine ، و100 ميليغرام من نومبتال - Nombutal  ، و100 ميليغرام من سيكونال - Seconal و150 ميليغراما من فيرونال - Veronal. إنّ كلّ واحد من هذه المخدرات، كان قادرا، بمفرده، على التسبّب في اضطرابات سيكولوجية”.
وفي حالة أخرى “إحدى المريضات التي كانت تعاني انهيار ما بعد وضع الحمل، وبعد أن وضعت توأمين، تم اختيارها لتناول خمسة أدوية مختلفة ثلاث مرات في اليوم. كما أن مريضة تم تشخيص مرضها على أنه متخلّفة عقليا، وقد أصبح “من الصعب التحكم فيها”، تلقّت هي الأخرى علاجا طويلا من الصدمات الكهربائية.

 

# ملاحظة عن هذه الحلقات :

----------------------------

هذه الحلقات تحمل بعض الآراء والتحليلات الشخصية ، لكن أغلب ما فيها من معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية مُعدّ ومُقتبس ومُلخّص عن عشرات المصادر من مواقع إنترنت ومقالات ودراسات وموسوعات وصحف وكتب خصوصاً الكتب التالية : ثلاثة عشر كتاباً للمفكّر نعوم تشومسكي هي : (الربح فوق الشعب، الغزو مستمر 501، طموحات امبريالية، الهيمنة أو البقاء، ماذا يريد العم سام؟، النظام الدولي الجديد والقديم، السيطرة على الإعلام، الدول المارقة، الدول الفاشلة، ردع الديمقراطية، أشياء لن تسمع عنها ابداً،11/9) ، كتاب أمريكا المُستبدة لمايكل موردانت ، كتابا جان بركنس : التاريخ السري للامبراطورية الأمريكية ويوميات سفّاح اقتصادي ، أمريكا والعالم د. رأفت الشيخ، تاريخ الولايات المتحدة د. محمود النيرب، كتب : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط ، وحفّارو القبور ، والأصوليات المعاصرة لروجيه غارودي، نهب الفقراء جون ميدلي، حكّام العالم الجُدُد لجون بيلجر، أمريكا والإبادات الثقافية لمنير العكش ، شوكة في حلق المتحكّمين لآمي جودمان وديفيد جودمان ، كتابا : الإنسان والفلسفة المادية ، والفردوس الأرضي د. عبد الوهاب المسيري، وغيرها الكثير.

      

 

 

 

 

 

2015-05-02