دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
توطين وطن : عائد الى اين؟!.... د.شكري الهزًيل

عدت فجاة وبعد غياب طويل الى  مكان شهد ولادتي وطفولتي وانطلاقة حياتي  بدلَّته السنين وكسته كسوة اخرى غيرهذه العالقه في اعماق ذهني ووجداني لكني انا العالق بين القارات والعابر بين مفترق الطرقات لم اشأ ولم ارغب ان اصدق ما  ارى  من تغيير لمعالم المكان  وفعلت المستحيل من اجل ان احتفظ بصورة قدَّسها وجداني وخَّلدها عبر سنين الغياب والجفاء وجفاف ذلك الحنين من شدة عطشه وكم من واحات جفَّت واقحلَّت وصارت صحراء على الطريق الطويل الممتد بين مسافات دورات الحياه ودورات الموت بكل اشكاله وإن كان الناس يعرفون الموت الواحد لا غيره, فهاهو المكان القديم يموت وعلى انقاظه تبزغ معالم حياة اخرى تطل على مشارف الوطن المدفون في نفوسنا وقلوبنا وعروقنا .. نسقيه بالامل حين يجف حلقه وتثقُل قدماه ويفقد القدره على المضي قدما...هاهو فارع وفارد اجنحته يغني غناءه الحزين على نغمات اوتار مقطعه ومبحوحه من شدة العطش الطويل الممتد بين النهر والبحر ويالها من مفارقه ان نقطن على الشاطئ ونبقى عطشى كل هذه العقود العجاف نعاني من الجفاف  الذي صحَّرَّ عقولنا طوعا وقسرا.. انت يا احمد وانت ياخالد وانتي ياخلود وانتي يا اوطان لماذا استبدلتم الوطن بخرذة وعي طار عقله وصار يركض وراء سراب حياة اخرى غير هذه الخارجه من رحم الوطن..الستم انتم القائلون: ‏كل الناس لهم وطن يعيشون فيه الا نحن , لنا وطن يعيش فينا !.......لنا وطن يعيش فينا ونعيش في وسطه بلا نبض وكأن الغرباء والقراصنه قد سرقوا قلبه وعطَلوا قلوبنا عن  النبض بحياة الوطن..قلب مسروق...وطن سليب..قميص مسروق واخر فُصل على مقاسنا دون وطن؟!

ابا الكنف..نحن شعب في الوطن تحت اشعة الشمس وليست رجال في  الشمس فحسب..نقف على الاسوار والمعابر تحرقنا وتلهبنا شمس تموز وتجلدنا خيزران ابو الخيزران الجالس في الغرف المكيفه  فيما نحن ننتظر رحمة ابوبسطار , يركلنا بسبب وبدون سبب وذنبنا الاكبر اننا ما زلنا في الوطن نكابد عمى وطرش عالم ليس لنا وليس منا.. من نحن؟... نحن ولدتنا  امهاتنا احرارا وسط وطن مقيد بالف قيد ما ان له ان ينكسر وكأننا ليست من ابناء البشر ..كُتب علينا مالم يُكتَّب على الاخرون او هكذا يقولون..قضاء وقدر...محتوم ومحسوم و مُغلق بالشمع الاحمر...ابواب جهنم تُفتَّح على الفردوس المفقود...ابواب مُشرعه على مصراعيها لكنها موصده بقفل يملك مفتاحه ميسيو  غصيبان اللذي يعيش داخل فردوسنا تاركا ايانا في جهنم وبؤس المصير..هناك في الافق البعيد شمسنا السجينه وهنا على الارض بحرنا السجين وحريتنا السجينه والمحرومه حتى من عبق رائحة البحر الممتد عاى طول وعرض الدنيا...ما زلنا في حالة حداد حزين متشحين بسواد السنين الطويله يوم رحل الوطن  ولم يعد...لم نفتح بيوت العزاء ولم نشيعه الى مثواه الاخير في انتظار ان نحق حقه ونشرعه وننتزعه من بين انياب تنين مغروسه في روحه  ومنتشره فوق جسده كالجراد...تنهشه وتقطع اوصاله اربا اربا حتى لا  نسترده...تهدم الجسور بيننا وبينه حتى لا نعود حيث المنبت ومسقط الراس والديرة والديار..؟

بالامس مررت على ام الديار لاقرأ في تضاريس وجهها قصة وطن تشقَّق وتشرذَّم...شقوق وتجاعيد تشق محيا الوطن..ذاك المحيا الجميل اللذي يحمل في طياته حلم اجمل..تحول الى كابوس ..تحول الى حلم اخر.. حلم عيش..حلم رغيف خبز...حلم راتب..غاب الحلم وحضر واقع اخر  اخذ الوطن واهله الى دروب التيه...صناديق ذاكرة ترحل واخرى تقطن وجداننا الفارغ  والمفرغ...المكان هو المكان والزمان هو اخر...زمان تزمن زمانك وتمكن مكانك  ذهب ولم يعد.....زمن ذاكرة ابوالخيزران وبيع الاوطان حاضر والغائب وطن... شعبها ضاع في شعابها...لم يعد يعرف لا شعابها ولا هضابها ولا سهولها ولا جبالها!...."قيبعات رحاميم" رحم الله الوطن  واسماءه  ومسمياته الضائعه.. لافتات تحمل اسماء اخرى غير هذه التي خرجت وولدت من رحم الوطن...صلة مبتوره بين  الانسان والمكان...تاريخ مُفرغ من فحواه كعبوة فارغه ملقاه على هامش الطريق.. لافته  تسرق هوية المكان في وضح النهار....تاريخ مسكوب جانبا واخر مزور ينبت في عين المكان..تعاليم واتجاهات ينبغي التعمق في معنى رموزها...تصويب الصواب وتصحيح المسار وتوطين الوطن في وجدان وذاكرة تحمل فحوى وعنوان لا يصح الا الصحيح وما ضاع حق ووراءه مطالب.

...حقيقة مره والامر من المُر هو جهل اهل الدار والديار بالواقع وعدم مُبالاتهُم  بالجاري  من حولهم...جهل وتجهيل واستكبار يضرب اطنابه في الارض  ويغرز انيابه في وجدان اهلها...ذاكره بلا ذاكره....جَّره مكسوره...وعاء بلا محتوى... سلام وعليه السلام...سلام بلا ارض ولا شعب..سلام بلا كيان وكيان بلا سلام...قافله بلا دَّلال ْ وسفينه بلا بوصله  تبحر بالوطن وشعبه حيث التيه  في عرض البحار...تيه اللاعوده الى  الشاطئ الاول ولا ايضا الى الاخر على الضفة الاخرى..قضى ومضى الربان تاركا المقود...عائد الى اين؟...عائد الى الوطن ام عائد من التيه الى التيه ومن الغربه الى الغربه...حين تبتلع افق الجهل والتضليل ذاكرة وطن...المطلوب توطين الوطن مجددا في الذاكره الجماعيه...زرع الوطن في الوجدان العام والعنايه بهذا الزرع حتى الحصاد والغله...زرع الفريطي بطل ينفُع وهنالك من قال ويقول حتى المدفع بطَّل ينفَّع...جيد...ازرعوا ماينفَّع!...ازرعوا الوطن ولا تقتلعوه عنوه من الذاكره..عائد الى  حيفا؟..انت عائد اليوم الى اين؟....الى الوطن ام الى التيه مجددا داخل الوطن...؟!!

2015-05-27